ما بعد فيينا … اللغز المحير!
محمد صالح صدقيان
لم ياتي وزير الخارجية الايراني حسين امير عبد اللهيان بجديد عندما نقل للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش ان مفاوضات فيينا قريبة من الاتفاق بعدما رمی الكرة في الملعب الامريكي بقوله ان بلاده ارسلت مقترحاتها حول القضايا المتبقية في المفاوضات للجانب الاميركي عبر مفاوض الاتحاد الاوروبي .
القضايا المتبقية التي اشار لها امير عبد اللهيان و”القرارات السياسية الصعبة” التي يطالب بها الجانب الايراني هي المتعلقة بالحظر المفروض علی الحرس الثوري وهي مشكلة المشاكل التي من اجلها انسحب الرئيس الامريكي السابق دونالد ترامب من “الاتفاق النووي” الموقع عام 2015؛ وهي ذات المشكلة التي دفعت بالرئيس ترامب للقول عن “الاتفاق النووي” بانه “اتفاق سيء” ؛ لان هذا الاتفاق وباختصار شديد لم يعالج “الامن الاسرائيلي” الذي يرتبط بشكل مباشر باهداف “الحرس الثوري” الذي ياخذ علی عاتقة “ازالة الكيان الاسرائيلي”.
وليس خافيا علی احد فان الدول الستة وهي المانيا وبريطانيا وفرنسا وامريكا وروسيا والصين التي دخلت في المفاوضات مع ايران للتوصل الى الاتفاق النووي عام 2015 ؛ لم تكن متفقة في اهدافها حيال هذا الاتفاق . فالدول الاوروبية كانت تنظر لهذا الاتفاق علی خلفية امنية اقليمية من اجل خلق بيئة تستطيع ان تحافظ علی استثماراتها في المنطقة اضافة الی ان هذا الاتفاق منح الدول الاوروبية ، وتحديدا فرنسا والمانيا ، فرصة الدخول في معادلة دولية الی جانب الدول الكبری روسيا والولايات المتحدة بعدما كان ذاك عصيا عليها منذ الحرب العالمية الثانية لحد الان ؛ فيما روسيا نظرت للاتفاق علی انه يحد من الطموحات النووية الايرانية ويبقيها في اطار مستوی التخصيب 3.67 بالمئة خصوصا وانها المعنية ببرنامج ايران النووي لانها تعمل علی تزويد ايران بالمفاعلات النووية ابتداء من مفاعل بوشهر وانتهاء بثلاثين مفاعلا نوويا تريد ايران بناءها خلال الخطة التي تنتهي في العام 2035 . في الوقت الذي نظرت اليه الصين علی انه يؤمّن لها الاجواء للافادة من الاراضي والموانيء الايرانية في برنامجها “الحزام والطريق “. تبقی الولايات المتحدة فانها كانت ولاتزال تملك هدفا مغايرا للجميع وهو ان هذا الاتفاق يجب ان يؤمن “الامن الاسرائيلي” . وعندما قال الرئيس ترامب انه “اتفاق سيء” فانه كان يشير بوضوح الى انه لم يستطع تامين هذا الامن الذي تری فيه واشنطن بانه من مهامها وثوابتها في دعم ورعاية “اسرائيل” . وما فرضه الرئيس ترامب من عقوبات علی “الحرس الثوري” فانه يرتبط بما تفكر به الولايات المتحدة ايا كان شكل الحكومة واتجاهاتها حيال دور هذا الحرس بتهديد الكيان الاسرائيلي .
ما تم لحد الان في فيينا هو التوصل الی حل القضايا المرتبطة بالعقوبات المفروضة علی ايران علی خلفية البرنامج النووي في الوقت الذي طالبت ايران بازالة الحظر عن “الحرس الثوري” باعتباره جزء من الدولة الايرانية وهو معني بالجانب الاقتصادي حيث تعمل مؤسساته في المجالات الهندسية والفنية والعمرانية والاقتصادية الايرانية ومن غير المنطقي – كما تعتقد ايران – ان تزال العقوبات عن ايران في الوقت الذي تستمر فيه علی مؤسسات اقتصادية تابعة لهذه المؤسسة .
ما ترشح من معلومات عن البيت الابيض انه يعمل علی تهيئة الاجواء الداخلية والخارجية لازالة الحظر عن “الحرس الثوري” مقابل مطالب اجابت عنها طهران وارسلتها لواشنطن عبر مفاوض الاتحاد الاوروبي كما عبر عنها الوزير امير عبد اللهيان .
هناك تصور يفيد ان مفاوضات فيينا تقترب من نهايتها وان “القرار الصعب” الذي تريد الادراة الامريكية اتخاذه موضوع علی طاولة البيت الابيض وينتظر الفرصة المناسبة للاعلان عنه او لنقل اخراجه بالشكل المطلوب الذي يخدم الرئيس بايدن والانتخابات النصفية المقرر اجراؤها في نوفمبر القادم .
الوزير عبد اللهيان قال في مقابلة تلفزيونية ان قادة الحرس الثوري ابلغوه بانه يستطيع التوصل الى اتفاق في مفاوضات فيينا حتی وان كان ذلك علی حساب إبقاء الحرس الثوري في قائمة الحظر ، لكنه عاد وصحح المعلومة بعد انتقادات وجهها الفريق المتشدد الذي اعتبر ان ازالة الحظر عن الحرس الثوري خط احمر لا يمكن التساهل معه ؛ الامر الذي اعطی اشارة واضحة الی عدم استعداد ايران التنازل عن هذا الخط .
لم يسرب الايرانيون مستوی قبولهم بازالة الحظر لانه علی مسارين . الاول اخراج الحرس الثوري من القائمة الارهابية المصنفة امريكيا ؛ والثاني ازالة العقوبات المفروضة علی الحرس . ومن خلال تصريحات منسوبة للمندوب الامريكي للشان الايراني روبرت مالي يتضح ان الادارة الامريكية ترغب العمل علی المسار الاول وابقاء المسار الثاني . لكن ليس من المعلوم هل ان ذلك يرضي الايرانيين ام لا ؟ الا ان الاكيد ان القمم والمؤتمرات التي جرت في المنطقة خلال الشهر الماضي لا تشجع ايران على إبداء المرونة في مواقفها خصوصا ان هذه الاجتماعات كانت موجهة بشكل خاص لطهران سواء قمة شرم الشيخ الثلاثية او العقبة الرباعية مرورا بالنقب السداسية عطفا علی جولة وزير الخارجية الامريكي أنتوني بلينكن الاقليمية .
ومهما يكن من امر فان التصور الايراني للامن الاقليمي الذي هو “اللغز المحير” في مفاوضات فيينا ، مطروح علی الادارة الامريكية ، وهي التي تستطيع البت فيه في الوقت الذي تشعر طهران بانها اكثر حرية في تعاطيها الاقتصادي بعد الازمة الاوكرانية .
U2saleh@gmail.com
2022-04-06