ما بعد الانكشاف: الردّ الممكن في زمن الإدارة
قراءة في الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة وشروط مواجهتها
بقلم: خالد صالح عطية
قد يبدو هذا المقال، للوهلة الأولى، امتدادًا لنقاش فكري نظري بدأ مع قراءة الجزء السابع من سلسلة الدكتورة غانية ملحيس حول الإبادة الحديثة ونزع السياسة. لكنه في جوهره محاولة لربط ذلك الاشتباك الفكري بلحظة سياسية ملموسة، فرضتها الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة في الضفة الغربية، وما استتبعها من دعوات فلسطينية متزايدة للردّ، وإعادة ترتيب الداخل، ومنع الانهيار.
الانتقال هنا ليس من الفكر إلى السياسة، بل من كشف منطق الإدارة إلى مساءلة الردّ الممكن داخل هذا المنطق:
كيف نردّ دون أن نُدار؟
وكيف نتحرّك دون أن يتحوّل تحرّكنا ذاته إلى جزء من إدارة الأزمة؟
لماذا لا تكفي القراءة السياسية التقليدية؟
لا يمكن فهم ما يجري اليوم في الضفة الغربية، ولا طبيعة الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة، بوصفها سلسلة قرارات منفصلة أو تصعيدًا سياسيًا عابرًا، ولا حتى بوصفها انعكاسًا مباشرًا لتبدّل حكومي أو أمني طارئ. ما نشهده هو حلقة متقدمة في مسار طويل، لا يُدار بمنطق ردّ الفعل، بل بمنطق التراكم البنيوي الهادئ.
خلال المرحلة الماضية، تبلور في الحقل الفكري الفلسطيني والعربي نقاش عميق حول طبيعة ما يحدث في فلسطين، انطلق من تفكيك بنيوي لمنطق الإبادة الحديثة، ونزع السياسة، وتحويل الصراع إلى ملف قابل للإدارة. هذا النقاش، الذي عالج فلسطين بوصفها موقع انكشاف حاد للنظام الدولي الحديث، لا يقدّم “خلفية نظرية” لما يجري اليوم، بل مفتاحًا لفهمه:
فالنظام الدولي لا يفشل في فلسطين، بل ينجح فيها، عبر القانون، واللغة، والمؤسسات، وإدارة الزمن، وتحويل السياسة إلى تقنية ضبط.
من هذا المنظور، لا يمكن قراءة الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة، ولا أي ردّ فلسطيني عليها، خارج هذا السياق البنيوي.
إسرائيل كمنطق، لا كحدث
إسرائيل في هذه المرحلة لا تُفهم كدولة تتخذ سياسات خاطئة أو متطرفة، بل كمشروع استعمار استيطاني إحلالي يعمل وفق منطقه الخاص، ويُراكم أدواته بدقة وصبر. ما يجري اليوم ليس تحوّلًا في السياسة الإسرائيلية، بل تكثيفًا لمرحلة متقدمة من مشروع طويل يهدف إلى ابتلاع الأرض لا إدارتها، وتفكيك المجتمع لا إخضاعه فقط، وإعادة تعريف الفلسطيني بوصفه “سكانًا” لا شعبًا، وتحويل السلطة الفلسطينية تدريجيًا إلى إطار خدماتي وأمني منزوع المعنى السيادي.
من هنا، فإن الحديث عن “نهاية حل الدولتين” لا يعبّر عن خسارة سياسية بقدر ما يكشف نهاية وهم استُهلك طويلًا لتغطية مسار الضم الزاحف وإدارة الصراع بدل مواجهته. ما انتهى فعليًا هو القدرة على استخدام هذا الوهم كغطاء لغوي، لا المسار نفسه الذي كان يعمل تحته.
الردود الفلسطينية… بين الوعي والخطر
في مقابل هذه الإجراءات، تتكاثر في الساحة الفلسطينية دعوات لإعلان حالات طوارئ وطنية، وتشكيل حكومات إنقاذ، وتأجيل الانتخابات، وإعادة ترتيب البيت الداخلي، وعقد مؤتمرات وطنية شاملة. هذه الطروحات تعبّر عن إدراك حقيقي لخطورة اللحظة، ولا يمكن التعامل معها بوصفها لغوًا أو انفعالًا سياسيًا عابرًا.
لكن المأزق المشترك بينها يتمثل في أن معظمها يبحث عن الرد داخل منطق الإدارة ذاته. فإعلان الطوارئ قد يتحول إلى إدارة أزمة بلا أفق، والحكومات الانتقالية قد تعيد إنتاج أزمة التمثيل نفسها، وتأجيل الاستحقاقات قد يوسّع الفجوة بين المجتمع والقرار، والمؤتمرات قد تصبح بدائل رمزية عن الفعل السياسي الحقيقي. الخطر هنا لا يكمن في غياب الرد، بل في أن يتحول الرد نفسه إلى جزء من آلية الاحتواء.
ما بعد الانكشاف… حين يفقد الرد براءته
من موقع الانكشاف البنيوي، لا يكون السؤال المركزي هو: ما الإجراء الذي يجب اتخاذه الآن؟ بل: ما الشروط التي تجعل أي إجراء فعلًا سياسيًا لا مجرد إدارة للأضرار؟
هذا هو جوهر ما كشفه الاشتباك الفكري الأخير حول فلسطين: أن السياسة لا تُلغى دفعة واحدة، بل تُفرَّغ تدريجيًا، وتُستبدل بإدارة ذكية للأزمة. وأخطر ما قد يحدث بعد اكتمال الفهم هو أن يتحول الوعي ذاته إلى شكل جديد من التكيّف، وأن يصبح “إدراك البنية” قبولًا ضمنيًا باستمرارها.
أي ردّ لا يعيد وصل القرار بالحامل الاجتماعي، ولا يعيد تعريف التمثيل بوصفه وظيفة اجتماعية لا منصبًا، ولا يكسر لغة الإدارة، يبقى عرضة لأن يُدار بالطريقة نفسها التي تُدار بها الأزمة.
الردّ الممكن… لا داخل الوهم ولا خارجه
لا يمكن في هذا السياق الرهان على العودة إلى “ما كان”. فـ“ما كان” لم يكن وضعًا سياسيًا سليمًا، بل مرحلة أقل كثافة من المسار نفسه. الرهان على استعادة وضع سابق هو، في جوهره، رهان على إدارة الاستعمار لا على مواجهته.
الردّ الممكن لا يبدأ بمحاولة ترميم الصيغة القديمة، بل بمنع تكريس الصيغة الجديدة بوصفها طبيعية أو قابلة للتكيّف.
الردّ الممكن قد يبدأ بخطوات جزئية: حماية الأرض، دعم الناس، كسر العزل، دون أن تتحول هذه الخطوات إلى بديل عن السياسة ،
وهذا يفرض فهم الرد لا كقرار واحد، ولا كإعلان كبير، بل كمسار تفكيك مزدوج: تفكيك منطق الإدارة الذي تُدار به فلسطين، ومنع تحويل الردود الوطنية إلى أدوات ضبط جديدة. السياسة هنا لا تُستعاد دفعة واحدة، لكنها تُمنَع من الاختفاء.
قد يبدو هذا الموقف، للبعض، وكأنه دعوة إلى التريّث أو إلى الاكتفاء بالتشخيص في لحظة لا يحتمل فيها الانتظار، فيما الزمن يعمل ضدنا بلا هوادة. لكن المقصود هنا ليس تأجيل الردّ، ولا إنكار الحاجة إلى تحسين الظروف أو حماية الناس في المدى المنظور، بل العكس تمامًا: التحذير من ردود سريعة تُدار بلغة الإدارة فتُراكم الخسارة بدل تقليصها. فليس كل ما يُقدَّم بوصفه “حلًا عاجلًا” يُخفّف الواقع، ولا كل إجراء يُتّخذ باسم الطوارئ يحمي المجتمع. الردّ الواقعي، في هذا السياق، هو ذاك الذي يحسّن شروط الحياة دون أن يحوّل الناس إلى متلقّين، ويعزّز القدرة المجتمعية دون أن يختزلها في إدارة انتظار، ويخفّف الألم دون أن يعمّق المسار الذي أنتجه. لأن الزمن ليس لصالحنا، لا نملك ترف ردود تُشعرنا بأننا نفعل شيئًا فيما نُدار أكثر، بل نحتاج إلى أفعال محدودة، محسوبة، لكنها مصاغة سياسيًا، تفتح أفقًا بدل أن تُغلقه، وتحمي الحاضر دون مصادرة المستقبل.
بين الفكر والفعل… الحدّ الواجب حمايته
في هذا السياق، تبرز أهمية التفريق بين الفكر الذي يحمي إمكان السياسة، والفكر الذي يُستدعى ليعوض غيابها. الفكر ليس بديلًا عن الحوامل الاجتماعية والتنظيمية، لكنه أيضًا ليس أداة تعبئة أو شرعنة.
الخطر الحقيقي هو إعادة تحميل الفكر، أو الأطر الانتقالية، أو الطوارئ الوطنية، ما لا تحتمله وحدها: قيادة السياسة بدل حمايتها. التجربة الفلسطينية والعربية مليئة بمحاولات انتهت إلى تسييس الفكر قسرًا، أو تفريغه من توتره النقدي لصالح وظيفة إدارية أو رمزية.
ما نحتاجه اليوم ليس إلغاء المبادرات، بل ضبط موقعها: ردّ يحمي المجتمع دون أن يُديره، تنظيم يمنع الانهيار دون أن يُغلق أفق السياسة، ووحدة لا تُستخدم كبديل عن السؤال، بل كحاضنة له.
الامتحان الحقيقي
ما نواجهه اليوم ليس فقط تصعيدًا إسرائيليًا، بل امتحانًا فلسطينيًا داخليًا عميقًا: هل نردّ بوصفنا مجتمعًا سياسيًا، أم بوصفنا ملفًا قيد الإدارة؟
الإجراءات الإسرائيلية ستستمر، لأنها جزء من منطق متماسك. لكن الأخطر منها هو أن نردّ عليها بلغة تناسب هذا المنطق بدل أن تُربكه.
في زمن تُدار فيه الإبادة بلا ضجيج، ويُدار الرد بلا سياسة، يصبح التمسك بالمعنى، وبالسؤال، وبمنع تحويل الرد إلى إجراء تقني، فعلًا سياسيًا بحد ذاته. ليس لأن الفكر بديل عن السياسة، بل لأنه آخر ما يمنع السياسة من أن تُمحى نهائيًا.
2026-02-19