ما الذي ينتظرنا؟
علي عباس
البرازيل والبنك الدولي؛ المثال الذي نحتذيه وقع الحافر على الحافر..
المشهد البرازيلي:-
منذ مطلع الثمانينات واجهت البرازيل اصعب أزمة اقتصادية. كادت تلك الازمة تؤدي الى الافلاس التام، فقد ارتفعت معدلات التضخم الى مستوى خطير، واصبحت البطالة تهديدا مصيريا للمجتمع، ووصلت البلاد الى حدود الافلاس.
كان ذلك بسسب “سياسة النمو بالدين” التي بدأت منذ منتصف السبعينيات حينما تولى “الجنرال ارنستو غايزل” السلطة عام 1974 وتناوب العسكر على حكم البلاد حتى منتصف الثمانينات، ومن ثم جاء التحول التدريجي نحو الحكم المدني، حيث تعاقب على الحكم منذ 1985 الرؤساء المدنيون. أولهم “خوسيه سارني” ومنذ هذا التاريخ وحتى 2003 من الحكم المدني الديمقراطي عقب انتهاء الحقبة القمعية العسكرية بقيت البلاد تنتقل من ازمة الى ازمة يعززها ارتفاع الدين الخارجي الذي قاد سياسته كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
ابان الحكم المدني منذ منتصف الثمانينات تبنت “الحكومات المدنية”سياسات رأسمالية دافعت فيها عن مصالح رجال الأعمال وأصحاب الشركات وأهملت طبقات الشعب الفقيرة من عموم الكادحين، لتجنب الوقوع في خطر تكرار النموذج الكوبي، وبنت تحالفاتها مع الرأسمالية المحلية والإدارة الأمريكية. وهي في كل ذلك عمدت إلى الاقتراض من الخارج لتنفيذ مشروعاتها التنموية، مما خلف ديون اقتصادية كبيرة شكلت عبئاً على الأجيال اللاحقة.
منذ 1981 حتى 1993 واجهت البلاد في اثناء تعاقب الحكمين العسكري فالمدني؛ مثلها مثل دول أخرى في العالم الثالث أزمة الديون (Debt crisis) بسبب سياسة الاقتراض المنفلتة التي رفعت معدلات التضخم، وشكّلت تراجعا في معدلات النمو.
في منتصف التسعينات حتى 2003 انتهجت الحكومات المدنية سياسة اقتصادية رأسمالية، فتبنت سياسات الانفتاح الاقتصادي، اي انتهاج سياسات السوق، و اتبعت توجيهات صندوق النقد والبنك الدوليين فلحقتها حمى خصخصة القطاع العام، وتحرير الاقتصاد من سلطة الحكومة.
ولقد أدى ذلك إلى تحسّن طفيفٍ في “مؤشرات الاقتصاد الكلى”- (التي هي بنية مؤشرات تتكامل فيما بينها لتفيد في تأشير ظاهرة تقدم الاقتصاد المحلي او تراجعه في المحاسبة الرأسمالية، مثل مؤشر العمالة /البطالة،مؤشر التضخم، مؤشر اسعار المستهلك، واوسع مؤشر هو مؤشر الناتج المحلي الاجمالي،الخ)- ولا يعني تحسن هذا المؤشر تقدما فعليا، بل يبقى التحسن هذا في حدود معايير النمو الرأسمالية الشكلية، بعيداً عن منهج التنمية الاقتصادية التي هي الحياة الموضوعية للاقتصاد في أثرها على المجتمع بأكمله.
وقد اصابت سياسة الانفتاح الاقتصادي المستثمرين المحليين والطبقة الوسطى (البرجوازية الصغيرة) بخسائر فادحة، ارتفع بسببها معدل البطالة، وأحدثت تراجعاً حاداً في الإنتاج المحلى. وتراجعا في معدلات التصدير، وشهدت البلاد أيضا ارتفاع معدلات الفقر وهي التي كانت مرتفعة بالأساس.
لقد أثبتت تجربة التسعينيات في البرازيل والعديد من دول العالم الثالث أن “استقرار الاقتصاد الكلى” لا يعنى نموا حقيقيا في الاقتصاد ولا في الإنتاج. ولا يزيد في دخل الأفراد، ولا يحل المشكلات الاقتصادية مثل البطالة ومستويات الفقر.
ومن النتائج الواضحة لسياسة دمج الاقتصاد المحلي بالاقتصاد العالمي بغية تحقيق استقرار الاقتصاد الكلي، إن ارتفع دين البرازيل من 150 مليار الى 250 مليار خلال 7 سنوات. فأدى ذلك ايضاً إلى انعدام الثقة بالاقتصاد البرازيلي، فابتعد المستثمرون الاجانب وحاول المستثمرون المحليون البحث عن فرص في مكان آخر.
وحينما لجأت حكومة “كوردوسو” (1996-2003) الى معالجة هجرة الاستثمارات، وطرحت “سندات الدين الداخلي” اضطرت الى طرحها بفوائد مرتفعة لاغراء المستثمر المحلي للبقاء في الداخل. فتخلى المستثمر المحلي عن الاستثمار المنتج واتجه نحو شراء السندات الحكومية هذه لما تحققه من ارباح سنوية سهلة، فارتفع الدين الداخلي إلى 900%.
وهكذا كان من نتائج الدمج الاقتصادي مع السوق العالمية مزيداً من الأعباء على الأجيال القادمة، مع عدم تحقيق أيّ تقدمٍ في الإنتاج، بل تحقق تقدم فقط في قطاع المال مع زيادة في الديون وتعقيد اكبر لازمة الثقة، وبالطبع استمرار الأوضاع الاقتصادية المتردية للطبقات الفقير وارتفاع معدل البطالة.
الذي حصل فيما بعد هو بروز اسم الرئيس”لولا دي سيلفا” اليساري الذي تولى رئاسة البلاد لمدة ثماني سنوات (2003-2010)، حيث تقدمت البلاد خلال تلك الفترة تقدما كبيرا في كل صعيد؛ السياسي والاقتصادي والاجتماعي والصناعي والعلمي.
كيف حصل هذا في فترة وجيرة بالمقارنة مع ثلاثة عقود سبقته من تخبط السياسة الاقتصادية وسياسة السوق، وملاحقة سياسة الانفتاح الاقتصادي والخصخصة التي يعاني من آثارها عراقنا اليوم.
– جاء عام 2003 … وانتخب البرازيليين رئيسهم (لولا دا سيلفا).. ولد فقيراً وعانى بنفسه من الجوع وظلم الاعتقال (كان يعمل ماسح احذية) … حينما مسك الحكم خاف الكل منه.. رجال الأعمال قالوا سوف يأخذ أموالنا ويؤممنا. والفقراء قالوا سوف يسرق كي يعوض الحرمان.. لكنه لم يفعل ذلك..
لقد اعتمد للحال سياسة قائمة على أن:- “التقشف ليس ان أفقر الجميع بل هو إن الدولة تستغني عن كثير من الرفاهيات لدعم الفقراء”.
وقال كلمته الشهيرة (لم ينجح أبدا صندوق النقد إلا في تدمير البلدان). واعتمد على أهل بلده ..
ثم ومن دون انتظار وضع بند في الموازنة العامة للدولة اسمه (الإعانات الاجتماعية المباشرة) وقيمته 0.5% من الناتج القومي للدولة.. يصرف بصورة رواتب مالية مباشرة للأسر الفقيرة.. يعنى بدّل الدعم العيني ليصبح دعماً نقدياً .. وهذا الدعم كان يدفع لـ 11 مليون أسرة تشمل 64 مليون برازيلي. هذا الدعم كان يبلغ 735 دولارًا (حوالى 13 الف جنيه لكل أسرة شهريا) طبعا السؤال من أين والبرازيل مفلسة ؟
لأنه رفع الضرائب على الكل (ما عدا المدعومين ببرنامج الإعانات). يعني رفع الضرائب على رجال الأعمال والفئات الغنية من الشعب.
والسؤال هل وافق رجال الأعمال على ذلك ببساطة؟ تخيل أنهم كانوا سعداء لأنه منحهم تسهيلات كبيرة في الاستثمار وآلية تشغيل وتسيير أعمالهم ومنح الأراضي مجانا وسهّل التراخيص وإعطى قروضاً بفوائد صغيرة لمساعدتهم في فتح أسواق جديدة (بالإضافة إلى أن دخل الفقراء الجديد سوف يرتفع، يتبعه كنتيجة منطقية زيادة في عملية شراء منتجات رجال الأعمال، فتضاعف حجم الطلب). بذلك لم يشعروا انها جباية، بل كانوا يدفعون ضرائب مقابل تسهيلات أصبحوا يكسبون منها اكثر.
بعد 3 سنوات فقط عاد 2 مليون مهاجر برازيلي وجاء معهم 1.5 مليون أجنبي للاستثمار والعيش في البرازيل.
في 4 سنوات سدد كل مديونية صندوق النقد. بل إن الصندوق اقترض من البرازيل 14 مليار دولار أثناء الأزمة العالمية في 2008 أي بعد 5 سنين فقط من حكم “لولا دا سيلفا”؛ (وهو نفس الصندوق الذي كان يريد أن يشهر إفلاس البرازيل في 2002، ورفض إقراضها 30 مليار دولار لغرض تسديد فوائد القروض.
بفضل تركيز دا سيلفا على 4 أمور:- الصناعة – التعدين – والزراعة – والتعليم، وصلت البرازيل الى سادس أغنى دولة في العالم في آخر عام لحكم “دي سيلفا”اي عام 2010. وأمست البرازيل تصنع الطائرات (وأسطول طائرات الإمبريار برازيلية الصنع).
هذا كله في 8 سنوات صنعها يساري ماركسي انساني، لأنه انتهج سياسة معادية لسياسة السوق الحرة والخصخصة، وهجر سياسة سابقيه ورفضها رفضاً قاطعاً.
قبل ان تسقط الفاس بالراس:- هل يفهم احمد أغا هذه المعادلة؟
2022-07-18