ما أشبه الأوضاع في سوريا بالتي مر بها العراق !
د. وسام جواد
في 8 شباط 1963 نجحت المخابرات البريطانية والأمريكية باسقاط النظام الوطني في العراق بواسطة حفنة من الشقاوات والعصابات ( الحرس القومي ) المحسوبة على القوميين والبعثيين، التي مارست شتى الاساليب البربرية ضد الشيوعيين وأنصارهم ، وضد الشخصيات العلمية والسياسية والعسكرية الوطنية المستقلة.
في صبيحة ذلك اليوم الأسود في تاريخ العراق المعاصر، كنا نسكن على بعد بضعة أمتار من بناية الاذاعة والتفلزيون، وكان الوالد قد اخفى وجود النقابي الشيوعي كاظم الحكيم والمرحوم محمد علي ( ابو علي ) الشبيبي، شقيق الشهيد حسين الشبيبي لمعرفته بهما من النجف . وكانت عائلة الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد تسكن وقتذاك في منزل يقع خلف جدار الاذاعة العالي مباشرة، وقد ربطتنا بها علاقة قوية بحكم ان ابنهم الأصغر ( د. بشير عبد الواحد ) كان أقرب اصدقائي من زملاء مدرسة المنصور الابتداية المقابلة آنذاك للإذاعة .
لم ولن تغيب عن ذاكرتي وقوف الدبابة عند شباك غرفة بيتنا وهي ترعد بصليات الدوشكا بين الحين والآخر ( كان حظر التجوال ساريا، والرمي بالرصاص لمن يخالف ). وأذكر ان صغر سني ساعد على وقوفي الى جانب الدبابة لجمع “البوش/ الفارغ” بعد الرمي، دون اعتراض الا من قبل الفنان داود العاني حيث طلب مني أثناء مروره، الدخول الى البيت حرصا على سلامتي من الرصاص الطائش.
وبعد ان استتبت الأوضاع للانقلابيين وسمح للأهالي بالخروج لفترة وجيزة مررت بشارع صلاح الدين المؤدي الى السفارة البريطانية والشواكة وشاهدت حينها لأول مرة ثقوب الرصاص في واجهة وجدران المحلات، وظهور بعض افراد الحرس القومي حاملين رشاشات بور سعيد، التي مدهم بها عبد الناصر ..
كان مجرد مرور هؤلاء المسلحين كافيا لبث الرعب بين ساكني المنطقة، لأن مرورهم غالبا ماكان مقترنا باعتقال “المشبوهين” .
هذا المنظر سيشاهده اليوم أكثر من طفل في سوريا، وستبقى في ذاكرة كل منهم مشاهد مروعة، كالتي رأيتها في طفولتي، فمن جاء بافراد الحرس القومي وجلاوزة النظام في 8 شباط 1963 لسفك دماء خيرة أبناء الشعب العراقي، هم نفس المجرمين في المخابرات البريطانية والأمريكية مضافا اليها الأردوغانية، الذين أدخلوا العصابات الإرهابية والمرتزقة من أزوزبكستان وتركمانستان وأفغانستان والشيشان وصهيونستان باسم “المعارضة”التي يقودها سفاح وذباح معروف بجرائمة في العراق وسوريا.
نعم ، لقد كانت سوريا بحاجة الى التغيير ، ولكن لا على أيدي زمر التكفير ، وإنما بأصحاب الكفاءات وحسن التفكير ، ومن لم تمُت فيه الوطنية والضمير.
2024-12-18