ماذا غيّرت كورونا من عاداتنا الدينية.. وهل نحن مُقْبلون على نموذج جديد للتّديّن؟
أعْليّة العلاني- جامعة منوبة- تونس.
لقد أثّرت الكورونا المستجدة كوفيد 19 في الاقتصاد وفي الأمن وفي نمط الحياة الاجتماعية. ونتساءل هنا كيف أثّرت في الميدان الديني؟ وهل نحن مُقبلون على نمط جديد للتدين؟ 1) الكورونا وممارسة الشعائر الدينية واجتهادات الواقع عندما طُرح، في بداية الكورونا، قرار إغلاق أماكن العبادة بدأت بعض الأصوات بالاستنكار. بل هناك من حاول التحدي إمّا بالصلاة خلسة في المساجد أو افتراش الطريق العام لأداء الصلوات وقد حصل هذا في عديد البلدان. كما أن الكنائس التي التزمت رسميا بقانون الإغلاق نجد عددا محدودا منها قامت بإقامة صلواتها وقُدّاساتها بحضور الجمهور داخل الكنائس مثلما حصل في بعض مناطق بفرنسا وأمريكا، ونفس الشئ حصل مع بعض يهود القدس الغربية. وهنا نقدم ملاحظتين: الأولى أن الفكر الديني المتشدد (مهما كان هذا الدين) ظهر في زمن الكورونا فكرا معزولا وأقليا جدا في مقابل التزام غالبية المؤمنين بقوانين حكوماتهم. أما الملاحظة الثانية فهي أن الفكر الديني المتشدد ظاهرة يجب أن تُدرس بعيدا عن القوالب المعروفة، إذْ أن هذا التشدد ليس مرتبطا بعامل رئيسي وعامل ثانوي كما تُروّج له بعض الأطروحات المعهودة، بل بجملة من العوامل تتفاوت من دين إلى دين ومن بلد إلى بلد وأحيانا من مدينة إلى أخرى. فالتهميش الاقتصادي وغياب الخدمات الاجتماعية جزء من المشكل لكن العامل الثقافي والتنشئة الدينية والفكرية أصبحت تلعب دورا هاما في تشكّل ظاهرة الراديكالية الدينية في السنوات الأخيرة، والتي تؤدي غالبا إلى التطرف العنيف. إنّ ما يُثلج الصدر، أن جمهور المؤمنين قبلوا بالتعامل مع ممارسة عباداتهم بمثل هذه الأريحية، واستبدلوا اللقاءات الدينية الجماعية بلقاءات عبر الأنترنت للاستماع إلى المواعظ والدروس الدينية أي أن هذا التأقلم مكّنهم من ملامسة التقنيات الحديثة وابتكار أفضل الطرق لتجسيم قناعاتهم الدينية. 2) إصلاحات دينية في زمن الكورونا: السعودية نموذجا المملكة العربية السعودية في زمن الكورونا وفي خطوة مفاجئة، أعلنت في أول يوم من شهر رمضان المعظم (24/04/2020) عن إلغاء عقوبة الجلد حسب بلاغ صادر عن المحكمة العليا، فقد تمّ استبدال هذه العقوبة بالسجن أو الغرامة المالية أو الاثنين معا، كما تم الإعلان عن إلغاء حكم الإعدام في حق القُصّر واستبداله بعقوبة سجنية لا تتعدى في أقصى الحالات عشر سنوات. وقد سبق للمملكة أن أعلنت قبل أيام عن منع إقامة الصلاة بالمسجد الحرام والمسجد النبوي للعموم لتجنب استفحال عدْوى وباء كورونا. ويُعتبر إدخال إصلاحات جديدة في القانون الجزائي السعودي خطوة جريئة تُحسب لفائدة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وابنه ولي العهد محمد بن سلمان وهي إصلاحات تُكمّل أخرى سابقة في حق المرأة في العمل وقيادة السيارة والسفر دون مَحْرم. ويأمل الكثيرون من دعاة حقوق الإنسان أن تُستكمل باقي الإصلاحات في المجال الجزائي والثقافي وتمكين المرأة من تشريك أكبر في الحياة السياسية، وهي آتية لا محالة ولو تدريجيا باعتبار مسار الإصلاح الذي انتهجه ولي العهد محمد بن سلمان في الأشهر الأخيرة. وهنا نتساءل هل أن الوهابية في نسختها القديمة في حالة احتضار أم أنها مُقْبلة على تغييرات عميقة وجوهرية يمكن أن نطلق عليها “الوهابية الجديدة”. فهذه الوهابية الجديدة، زيادة على أنها ترفض توظيف الدين في السياسة فإنها بدأت تتبنّى بشكل أكبر قراءة دينية مستنيرة تعتمد منهج المقاصد المستوعب لقضايا العصر الحالي، وتبتعد عن القراءة الحرفية للنص الديني. ولعلنا نشهد في فترة ما بقي من مرحلة الكورونا مزيدا من الإصلاحات الدينية والاجتماعية التي ستُغيّر وجه المملكة في اتجاه مزيد من الحداثة والانفتاح والاجتهاد الديني المتصالح مع العصر، خاصة ونحن مقبلون في مرحلة ما بعد الكورونا لا على تحديات اقتصادية واجتماعية فحسب بل وعلى رؤية جديدة للدين وللتراث الديني في ضوء الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وهي تحديات تتطلب سلاحا معرفيا لا تقليديا. وباعتبار الثقل السياسي والاقتصادي والديني للمملكة العربية السعودية في العالم الإسلامي فإن دورها سيكون مؤثرا في نحت نموذج المُتديّن المتصالح مع عصره والمتمسك بهوية دينية منفتحة وحداثية. 3) نموذج المُتديّن ما بعد كورونا كان تأثير الكورونا واضحا على الفرد المتدين فقد قبِل بسلاسة أداء الشعائر الدينية في بيته وهو يرى المساجد والكنائس والمعابد تُغلق في كل أنحاء العالم تقريبا. ويمكن القول أن المتدين أصبح أكثر روحانية في مرحلة كورونا، ومن المتوقع أن يتواصل ذلك – وإنْ بدرجات متفاوتة- ما بعد كورونا. فقد أصبح هذا المُتديّن يستعمل بكثرة وسائل التواصل الاجتماعي لمعرفة الكثير من التفاصيل عن التعاليم الدينية. وهنا نشير إلى أن نموذج المُتديّن سيكون مرتبطا بما تبثّه الخطابات الدينية الرقمية، ولهذا وجب الاهتمام بهذا القطاع حتى لا يصبح المتدين فريسة لأطروحات دينية متشددة. وعلى الدولة في المستقبل أن تكون لها إستراتيجية محددة لمراقبة ما يُبثّ رقميا على وسائل التواصل الاجتماعي في المجال الديني، والعمل مع أهل الاختصاص لنحت ملامح خطاب ديني رقمي مستنير (سنتعرض لاحقا لملامح هذا الخطاب) يجعل الفرد المتديّن ابن عصره لا ابن العصور السابقة، وتكون له قدرة على التمييز بين الخرافة والحقيقة. وتتشكل لدى هذا المُتديّن قدرة على الشك والتمحيص والنقد الذاتي ورغبة في الاطلاع على كل الأديان دون تبْخيس أو استعلاء، ويتم كل ذلك عبر منصات رقمية يقع تحْيينُها وإثراؤها باستمرار. هذا هو النموذج الذي يمكن توقُّعُه لدى المتدين ما بعد الكورونا وأشياء أخرى سنتحدث عنها لاحقا.
نشر المقال في النسخة الورقية لصحيفة الشروق (يومية تونسية مستقلة) في 06/05/2020