بيد أن هناك من ضم [ وثيقة كامبل بنرمان ] إلى كل من [ بروتوكولات حكماء بني صهيون ] وما يُعرف أيضًا بـ [ وعد نابليون 1798 ]
وهذا إن دل على شيء ، فهو يدل على محاربة أي شيء قد يفضح المؤامرة التي حيكت لمنطقتنا
أما وثيقة كامبل ، فهي ما تمخض عن مؤتمر انعقد في لندن عام 1905 واستمرت جلساته حتى 1907 ، بدعوة سرية من حزب المحافظين البريطانيين ، يهدف إلى إيجاد آلية تحافظ على تفوق ومكاسب الدول الاستعمارية إلى أطول أمد ممكن
قدّم هذا المؤتمر توصيات إلى حكومة الأحرار ، بعد سقوط حكومة المحافظين عام 1905 برئاسة أرثر بلفور ، و السير هنري كامبل بانرمان
وكانت تضم ممثلين عن الدول الاستعمارية الأوروبية وهي[ انكلترا ، فرنسا ، إيطاليا ، إسبانيا ، البرتغال ، بلجيكا وهولندا ، إلى جانب كبار علماء التاريخ والاجتماع والاقتصاد والزراعة والجغرافيا والبترول ]
ما تبلور في هذا المؤتمر ، هو إعتبار مصدر الخطر الحقيقي على الدول الاستعمارية ، إنما يكمن في المناطق العربية من الدولة العثمانية ، لا سيما بعد ان أظهرت شعوبها يقظة سياسية ، ووعيًا قوميًا ضد التدخل الأجنبي والهجرة اليهودية ، كما ان خطورة الشعب العربي تأتي من عوامل عدّة يملكها ، وهي وحدة التاريخ واللغة والثقافة والهدف والآمال وتزايد السكان
ولقد توصلوا إلى نتيجة مفادها [ إن البحر الأبيض المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار! لأنه الجسر الذي يصل الشرق بالغرب والممر الطبيعي إلى القارتين الآسيوية والأفريقية وملتقى طرق العالم، وأيضا هو مهد الأديان والحضارات ] والإشكالية في هذا الشريان هو أنه كما ذكر في الوثيقة ، ويعيش على شواطئه الجنوبية والشرقية بوجه خاص شعب واحد تتوفر له وحدة التاريخ والدين واللسان
وأبرز ما جاء في توصيات المُؤتمِرين هو
[ إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة ، وعلى هذا الأساس قاموا بتقسيم دول العالم ]
هذه الوثيقة التي إعتُبرت بمثابة مرجع يَستشهد بها العشرات من الكتاب والباحثين منذ أواسط القرن العشرين ، وأساسًا لفهم خلفيات [ إنشاء مشروع يهودي صهيوني في فلسطين لدى القوى الإمبريالية الغربية ]
هناك من وضها ( موضع شك ) كونه لم يجد لها حتى الآن مصدرًا علميًا موّثقًا ، يمكن الاعتماد عليه وفق مناهج البحث العلمي
فلا يوجد اسم للملف في الوثائق البريطانية ، ولا الترقيم الخاص به ، ولا تاريخه الدقيق ، وما إن كان محفوظًا في مجموعات الخارجية البريطانية F.O ، أو وزارة المستعمرات C.O ، أو وزارة الحرب W.O ، أو رئاسة الوزراء Prem وغيرها
ولكن ثمة وثائق وكتابات تشير إلى مضامين وسياقات قريبة أو داعمة لمعطيات وثيقة كامبل بنرمان المدَّعاة ، [ فعندما التقى مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل برئيس الوزراء البريطاني جوزيف تشمبرلن سنة 1902 ، قال له هرتزل
[ إن قاعدتنا يجب أن تكون في فلسطين التي يمكن أن تكون “دولة حاجزة” بحيث تؤمن المصالح البريطانية]
عدم وجود الوثيقة بين أيدينا ، لا يثبت بالضرورة أنها غير موجودة بالصيغة نفسها أو بأي صيغٍ مشابهة ، فلقد كان انعقاد مؤتمرات استعمارية إمبريالية في تلك الفترة أمراً صحيحاً وحقيقياً، وتوجد في الوثائق البريطانية مئات الملفات والوثائق والشواهد حولها ، غير أن نص الوثيقة المسماة [ وثيقة كامبل بنرمان غير موجود بين هذه الوثائق ]
وبناءً على استفسارات من موظفي الأرشيف المعنيين بمساعدة الباحثين ، اتضح أنه يتم تقسيم الوثائق البريطانية إلى أقسام
قسم يتم نشره ، حيث يُنشر معظمه بعد ثلاثين سنة ، ويؤجل بعضه إلى خمسين أو خمسة وسبعين أو حتى مئة سنة
وقسم يُحفظ دون قرار بنشره
وقسم يتم إتلافه
وهذا يعني أن ثمة عملية غربلة متأنية مسبقة تتم للوثائق ، تراعَى فيها المصالح العليا للدولة وأسرارها الخطيرة ، وهذا ما يدفع بنا ( بما لا يدع مجال للشك ) بالاستنتاج أن ثمة وثائق يتم إخفاؤها أو إتلافها إذا كانت تضر بمصالح الدولة أو تتسبب في إدانتها
إن الاستعمار البريطاني والقوى الاستعمارية لا يمكن أن تضع وثائق كهذه بين أيدي الباحثين ، بسبب ما تتضمنه من أدلة إدانة قاطعة
ناهيك عن أنه في بعض الأحيان يكون هذا النوع من التوجيهات والقرارات شفويًا ، لم يخضع لتوثيق ، أو غير قابل للنشر والتداول ، كما تفعل دول عديدة في وقتنا المعاصر من اتفاقيات ( تحت الطاولة )
ولعل مسار الأحداث على الأرض يدعم مضمون وثيقة كامبل ، فقد تمّ إصدار “وعد بلفور” سنة 1917 ، وأصرَّت بريطانيا على أن تتولى بنفسها رعاية ونمو وتطور المشروع الصهيوني في فلسطين وإنشاء دولة يهودية ، وقمعت إرادة الشعب الفلسطيني وسحقت ثوراته طوال ثلاثين عامًا (1917-1948) إلى أن اكتملت البنى التحتية “للدولة اليهودية” عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وإداريًا
كما أنه أثناء الحرب العالمية الأولى ظهرت كتابات لشخصيات بريطانية غير يهودية مثل تشارلز سكوت C. Scott (رئيس تحرير جريدة مانشستر غاردين) وهربرت سايدبوتام H. Sidebotham الذي كانت لمقالاته شهرة واسعة ، ودعا إلى إيجاد دولة حاجزة في فلسطين مدَّعيًا أن العنصر الوحيد المناسب لإقامتها هو اليهود
كما أن هربرت صمويل الصهيوني والوزير في الحكومة البريطانية التي كان يرأسها أسكويث ، كان قد قدَّم مذكرة سرية للحكومة البريطانية في يناير/كانون الثاني 1915، طالب فيها باحتلال فلسطين وفتح باب الهجرة والاستيطان لليهود ليصبحوا أغلبية السكان ، مشيرًا إلى المزايا الإستراتيجية للسيطرة على فلسطين