ماذا بقي من “الثورة” التونسية؟ المأزق والحل وما هي تونس التي نريدها؟
بقلم أعلية العلاني*
التونسيون، بعد مرور 10 سنوات من “الثورة ” أو من الانتفاضة كما يسميها البعض، استخلصوا 3 دروس: الدرس الأول أن السياسة إنجاز وليست وعودا. والدرس الثاني، أن الديمقراطية بلا أمن ولا استقرار اقتصادي واجتماعي كمن يحرث في البحر. أما الدرس الثالث فهو أن تيار الإسلام السياسي ممثلا في حركة النهضة التي حكمت 10 سنوات في تونس بشكل مباشر وغير مباشر لا يمكن أن يكون نموذجا ناجحا في الحكم. فما هي أبرز ملامح الحصيلة؟ وما هي مشاريع الحلول المرتقبة؟
1) تقييم سريع للحصيلة
هي حصيلة هزيلة في كل المستويات، ما عدا حرية التعبير التي رغم أهميتها لم تعد تعني الكثير لدى مَنْ حُرم من أساسيات العيش الكريم. فالذين حكموا البلاد منذ 2011 فشلوا في تحقيق الأمن حيث تضاعفت العمليات الإرهابية حوالي 7 مرات مقارنة بفترة ما قبل 2011،(وهذا لا يعني أن النظام القديم كان نموذجا ومثالا). أما عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي بعد 2011 إلى اليوم فحدّث ولا حرج فالفساد عمّ معظم الوزارات والإدارات تقريبا، كما أن نسبة البطالة ما تزال مرتفعة (النسبة الحقيقية أكثر من 20 بالمائة وتُقارب 40 بالمائة في بعض المحافظات). وحتى المكاسب السياسية والانتخابية أصبحت مشكوكا فيها بعد تقرير محكمة المحاسبات الذي تَحدَّث عن عمليات فساد وتبييض للأموال وشراء للأصوات وتمويل خارجي مشبوه كان من المفروض أن يُبطل نتائج الانتخاب لعدد هام من النواب المباشرين الحاليين في البرلمان. هذا الحصاد المُرّ نتج عنه عزوف الناخبين عن التصويت وارتفاع النقمة لدى الفئات الشبابية التي فقدت الثقة في الطبقة السياسية والحزبية. وأمام هذه الحصيلة الهزيلة، ارتفعت أصوات الكثيرين خاصة من النخب الفكرية والسياسية المستقلة لتقول كَفَى عبثا بهذا الوطن، وكفى جهلا بتاريخ هذه البلاد التي عرفت حركة إصلاحية قوية منذ القرن التاسع عشر، وكفى عنادا من طبقة سياسية حاكمة بعد 2011 كرّست ديمقراطية الفساد وعقلية الإفلات من العقاب، ودَجّنت بعض رموز القضاء لخدمة أجنداتها، وكفى نفاقا عند الحديث عن توافق مغشوش للإفلات من المحاسبة. والسؤال المطروح: كيف يمكن إنقاذ ما تبقّى من الدولة التونسية؟
2) الحلول المرتقبة
هناك حلول على المدى العاجل (أي من الآن إلى الانتخابات القادمة سواء كانت عادية أو سابقة لأوانها)، وحلول على المدى الآجل (تبدأ بعد الانتخابات القادمة الرئاسية والبرلمانية).
من بين الحلول العاجلة، إنجاز ثلاث إجراءات أساسية:
– إحداث المحكمة الدستورية، وفي صورة تلكّؤ البرلمان، بإمكان الرئيس تقديم مبادرة رئاسية لهذا البرلمان، وعند تعطيلها يلتجأ الرئيس بالاتفاق مع رجال القانون إلى صيغة ربما تكون استفتاء عاما حول عدة قضايا من بينها المحكمة الدستورية.
– تعديل القانون الانتخابي بما يضمن الحد الأدنى من الاستقرار الحكومي، وإصدار قانون جديد للأحزاب يَمْنعُ قيامها على أساس عرقي أو ديني أو لغوي، وتعديل قانون المساجد بالتنصيص على عدم توظيف الفضاءات الدينية سياسيا وحزبيا.
– إقامة حوار اقتصادي واجتماعي يضع خارطة طريق مُرَقّمة لمعالجة المديونية والتضخم والبطالة وإصلاح الجباية، والشروع الجدي في مكافحة الفساد. ويشارك في هذا الحوار كفاءات مشهود لها بالجدية والاستقلالية وبمشاركة نشيطة من اتحاد الشغل واتحاد الأعراف. وتُقَدَّم مُخْرَجات هذا الحوار لرئيس الحكومة الذي يلتزم بالعمل على تكريسها.
ويمكن لهذه الإجراءات الثلاث أن تكون ضمن برنامج الحوار الوطني الذي اقترحه الاتحاد العام التونسي للشغل على رئيس الجمهورية. أما البرلمان فعليه كذلك الالتزام بمُخرجات هذا الحوار في كل ما يتعلق بالإجراءات السياسية والاقتصادية وإلا فسيخسر قاعدته الانتخابية.
وبخصوص الحلول الآجلة (أي في فترة ما بعد الانتخابات القادمة) فتتمثل بالخصوص في أربعة أشياء:
– أولا: تغيير طبيعة النظام السياسي من نظام برلماني معدل إلى نظام رئاسي معدل
– ثانيا: إدخال إصلاحات كبرى في السلطة القضائية بما يحقق فعليا المزيد من استقلاليتها، ويضمن استقرارها المادي.
– ثالثا: إصدار تشريعات جديدة تخص العدالة الجبائية، والعدالة في التنمية الجهوية، وكذلك قوانين تُشدّد على مكافحة فعلية للفساد من خلال تشديد العقوبات على كل من يتلاعب بالصفقات العمومية، وكذلك كل من يستورد منتوجات فاسدة أو منتهية الصلاحية. وبذلك تصبح حالات الإفلات من العقاب أمرا مستحيلا.
– رابعا: إصلاحات كبرى في مستوى التعليم خاصة بعد أزمة كوفيد 19 بالانخراط الكبير في التعليم عن بُعْد وتهيئة الأرضية لذلك، ونحت ملامح مدرسة الغد. وإصلاحات عميقة في المجال الصحي وانخراط أكبر في مجال التكنولوجيا الرقمية بكل أبعادها.
3) هذه تونس التي نريدها
وعندما يصبح المواطن آمنا في جسمه وفي طعامه وفي شغله وفي ماله (دون استعمال الضغط الجبائي المنافي للقانون)، وفي أمل تشغيل أبنائه، وفي انخراطه الحقيقي في مجتمع المعرفة والتكنولوجيا الرقمية، وفي حرية إبداعه الفكري والثقافي والإعلامي يكون جديرا بحياة ديمقراطية حقيقية. وتكون تونس حينها واحة للديمقراطية والحكم الرشيد والسلم والأمن الجاذب للاستثمار القوي في الداخل والخارج.
أكاديمي ومحلل سياسي
2021-01-16