ماذا بعد الهدنة…!

رنا علوان
ساعات وتنتهي الهدنة بين حماس والعدو الإسرائيلي والتي استمرت 4 أيام ، في ظل موافقة مبدئية من الجانبين على تمديدها وتبادل المزيد من المحتجزين والأسرى
وقال رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه سيرحب بتمديد الهدنة ، بشرط ان تسهّل حماس إطلاق سراح عدد من الرهائن الإضافيين كل يوم
قوبل هذا الشرط بحسن نية من قبل حماس ، حيث نوهت عبر تطبيق “تلغرام”، نهار الأحد ، أنها ترغب في “تمديد التهدئة وزيادة عدد المفرج عنهم من السجون”
في هذا السياق ، واجه العدو الإسرائيلي انتقادًا واسعًا ، عرضته الصحف العالمية
حيث تناول تقريرًا لصحيفة “واشنطن بوست”، ان هناك إجماعًا بين السياسيين والقادة العسكريين والجمهور في كيان العدو الإسرائيلي ، على أن “السلام ليس في متناول اليد ، بغض النظر عن المدة التي ستستمر فيها هذه الهدنة”، بمعنى أن وقف إطلاق النار بشكل نهائي غير وارد على الاطلاق
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت للجنود خلال زيارة لغزة ، نهار السبت الماضي ، ان “أي مفاوضات أخرى سوف تجرى تحت النار”
وانه على الرغم من احتفال العدو الإسرائيلي بالإفراج عن المجموعات الثلاث الأولى من الرهائن الذين تحتجزهم حماس ، إلا ان هناك اتفاقًا واسع النطاق في الداخل الإسرائيلي ، بحسب ما نقلته “واشنطن بوست” عن مسؤولين، على أن “الحرب الشاملة للقضاء على حماس لم تنته بعد”
أما صحيفة “لوموند” الفرنسية ، قالت إن عنف القصف الإسرائيلي الذي خلف زُهاء 14 ألفًا و800 شهيد منذ بدء الحرب ، فضلاً عن الضغوط التي مارسها أهالي الأسرى لدى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ، قد أجبرا العدو الإسرائيلي على قبول التفاوض
وذكرت الصحيفة ، في تقرير مشترك لمراسلها في كيان العدو الإسرائيلي جان فيليب ريمي ومراسلتها في لبنان هيلين سالون ، أن السنوار هو من تولى التفاوض وهو من يناقش تفاصيل كل نقطة من اتفاقية الهدنة ، بدءًا من إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين وحتى إطلاق سراح السجناء الفلسطينيين
وان العدو الإسرائيلي لم يفلح في جعله ينحني لشروطه حتى بالقوة ، فمارست عليه حرب أعصاب لا هوادة فيها ، لكن صمود حركته في مواجهة قصفها المروع لقطاع غزة طيلة شهر ونصف الشهر ، جعلت زعيم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بغزة يحيى السنوار هو المستفيد الأكبر مما حدث حتى الآن
وأضافت أن هذا الزعيم هو من يملي إيقاع تطور الأمور منذ دخول هذه “الهدنة” حيز التنفيذ يوم الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري ، كما أنه على استعداد لكبح إسرائيل إن هو لاحظ أنها تنتهك شروط التفاوض
وبذلك يكون هذا الزعيم الفلسطيني ، البالغ من العمر 61 عامًا، قد تحدى -وفقا للصحيفة- كل أولئك الذين قدموه في إسرائيل على أنه “رجل ميت” بالفعل ، لكن على النقيض من ذلك لم يبقَ السنوار على قيد الحياة بعد مرور 50 يومًا على بدء الحرب فحسب ، بل حقق انتصارًا سياسيًا جديدًا
ونقلت في هذا الصدد عن المستشار السابق لعدد من رؤساء جهاز المخابرات الداخلية الإسرائيلي (شين بيت) ماتي شتاينبرغ قوله “شخص مثل السنوار يعرف كيف يفك رموز الإسرائيليين بشكل جيد للغاية
لقد فهم قادة حماس بشكل أساسي تمامًا الانقسامات في البلاد ، وبالتالي ضعفها ، ولكنهم أيضًا يفهمون حقيقة أنه لمحاربة جيش أقوى بكثير من حيث الوسائل والرجال ، من الضروري اللجوء إلى أسلحة مختلفة ، بما في ذلك الرهائن ، وكل عملية إطلاق سراح للرهائن هي بمثابة تذكير بهذا النصر في نظر الرأي العام الفلسطيني”، وفقًا لشتاينبرغ
وقالت لوموند إن السنوار، الذي اعتقلته إسرائيل عام 1989 وحكمت عليه بأربعة أحكام بالسجن مدى الحياة بتهمة اختطاف وقتل جنديين إسرائيليين ومن يتهمهم بأنهم عملاء فلسطينيون للعدو الإسرائيلي ، أطلق سراحه فيما باتت تعرف بصفقة “شاليط”، ورفض -ولدهشة الجميع- التوقيع على وثيقة يتعهد فيها بعدم رفع السلاح في وجه العدو الإسرائيلي ، قائلاً إنه مستعد للبقاء في السجن إذا كان ذلك هو الثمن الذي عليه أن يدفعه
وأبرزت لوموند أن السنوار هو الهدف الأول لإسرائيل في حملتها العسكرية الحالية على غزة ، وقد تعهد وزير دفاعها بداية الشهر الحالي أنهم لن يجعلوا حدا لعملياتهم ما لم يصفوا السنوار بالذات ، وهو ما علقت عليه الصحيفة بقولها إن موته لن يحسم المصير السياسي لحماس
وختمت لوموند بالقول إن حماس من خلال إبرام اتفاق مع إسرائيل تثبت نفسها كمحاور لا يمكن تجاوزه: اليوم هدنة، وربما غدا “اليوم التالي”، وفضلا عن ذلك يرى مسؤولو (حركة التحرير الوطني الفلسطيني) فتح الآن أن من الضروري التصالح مع الحركة ، التي تشكل جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والسياسي الفلسطيني، لكن إيقاع الأحداث ما زال يمليه ، من غزة ، يحيى السنوار
إن من حررته صفقة “وفاء الأحرار” من 430 سنة سجنًا أغرق الكيان الغاصب في “طوفان الأقصى”
لم يكن العدو الإسرائيلي يتوقع أن يحيى السنوار ذلك الرجل الذي جمع أحكامًا تصل إلى أكثر من 430 سنة سجنًا وأطلقته دون تحفظ في صفقة جلعاد شاليط عام 2011 ، سيكبدها بعد سنوات أكبر خسارة عسكرية لها في تاريخها كله
لذلك أجمع خبراء العدو الإسرائيلي على ان [ خيارات تل أبيب بعد هدنة غزة رهينة بيد السنوار ]
وأن حركة حماس تمكنت من التوصل إلى صفقة وفق معاييرها هي فقط ، وأصبح العدو الإسرائيلي مضطر إلى الموافقة على كل مطلب إضافي حتى لا يبان عجزه أكثر ، وانه لولا تدخل ربيبته اميركا وتعاطف الغرب لشهد العالم نهايته
كما قالت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية إن التحدي الذي يواجهه الرئيس جو بايدن حاليًا “لا يتمثل فقط في إعادة الرهائن الأميركيين ، لكنه يتعدى ذلك إلى استغلال النجاح الذي تحقق في شكل هدنة لتغيير مسار الحرب التي تستنزف غزة”
ولفتت الصحيفة إلى أن الهدنة “خففت شدة الانتقادات الموجهة إلى بايدن حتى داخل حزبه بسبب الدعم اللامشروط لإسرائيل في حربها على غزة”
أما صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية فنقلت عن قيادة الجيش الإسرائيلي تقديرها بأن قادة حماس البارزين “ما زالوا قادرين على إدارة العمليات العسكرية ولم يفقدوا الاتصال بقواتهم في ميادين القتال”
وبحسب “بــولـيــتـيـكــو” ان البنتاغون صرّح [ إنه ليس لديه أموال لدفع تكاليف تعزيز القوات الأميركية في الشرق الأوسط]
وفي خبر اخر يقول ان :
[مسؤولون أمنيون يصرحون في مصر أن هناك تفاهمًا مبدئيًا على تمديد وقف إطلاق النار لمدة يومين إضافيين ، لكن على الجانب القطري وعلى جانب المقاومة ، يشيرون إلى أن هناك صفقة أكبر تتمحور الآن]
ختامًا ان هذه الهدنة المتمثلة بأيام ، والتي برز فيها تقييم لنتيجة الحرب ، بين خاسر ورابح بالاستناد الى وجهات نظر مختلفة ، فمنهم من كان يتوقع نجاح اكبر للمقاومة مقارنة مع الخسائر بالارواح البشرية ، ومنهم من رأى فيها الربح للمقاومة من اليوم الأول ، ولو ان هذا التقييم سابق لأوانه الا ان العدو خسائره لا تُعد ولا تُحصى ، لذلك وبرأي الشخصي لن يستطيع التوقف عند هذا الحد ، فهو فعليًا ( صفر انجاز ) سوى انه اظهر اجرامه الذي يُحتسب له في جدول الخسائر
واعتقد انه سيلجأ الى الرضوخ للمزيد من الهدن وبعضها قد يكون طويل الأمد ، والى مزيد من الضغوط على قادة حماس ايضًا وابقاء بعض الجبهات مفتوحة ، ليس اصرارًا منه على تحقيق ولو ربح صغير ، بل تخوفًا وحُسبانًا من ان يتعرض لضربة قوية مماثلة لطوفان الأقصى ، التي لم يستطع الى اليوم حل لغزها ، فهذه العملية البطولية لم تظهر فقط ضعفه بل أظهرت غبائه ، الذي تمثل بطريقة تعاطيه في اداراة هذه الحرب ، بدءًا بالإدعاء ان حماس تستخدم المستشفيات لأهداف عسكرية ، وصولاً الى الاعتقالات التي يقوم بها في الضفة متناسيًا ان احد أهداف طوفان الاقصى هو تبيض السجون في نهاية المطاف
2023-11-29