مأساة بشار الأسد!

نبيه البرجي
تعقيباً على مقالي “جرس الانذار: سوريا في خطر”، كتب أحد الأزلام، بلغة الرعاع، “يبدو أن وزارة الاعلام توقفت عن اعطاء الشيكات” .
يعني أنني كنتُ “أقبض” من تلك الوزارة. القاصي والداني يعلم أي عيّنات من القباقيب البشرية كانت تمنح الامتيازات، وتفتح أمامها مغارة علي بابا في لبنان (بعض هؤلاء باتوا ضيوف شرف في ساحة النجمة) .
مساء الاثنين اتصل بي وزير سابق ومحترم للاعلام في سوريا، وهو بعيد عن ذلك الطراز من الألواح الخشبية الناطقة، مندداً بما كتب عني، ليستذكر ما كان يقوله له الرئيس حافظ الأسد عني كلما التقى به. وحين سألني “متى ستزور دمشق”؟ أجبته “لن أذهب، اذ باستطاعة أي مهرّب أن يمر عبر الحدود بصورة طبيعية، أما أنا فعلى ضابط الأمن العام أن يتصل بوزارة اعلام ليسألها ما اذا كان يؤذن لي بالدخول أم لا، وأنا أرفض ذلك”.
كل ما كتبته عن سوريا على مدى عشر سنوات، وكل الثمن الباهظ والتعسفي الذي فرضته عليّ مراجع عربية عليا بسبب مواقفي من سوريا، لم يشفع لي لزيارة دمشق كما أي مهرّب، أو كأي قهرمانة من تلك القهرمانات “المكرسة” في لبنان بثقافة الماعز وبذهنية الماعز.
بالرغم من ذلك أظل عاشقاً لسوريا (عشقي لأي بلد عربي). أيضاً ضنيناً بالدور السوري في مؤازرتنا على اجتثاث الأقدام الهمجية من أرضنا. ما أطلبه أن يتيح مستشارو الأبراج العالية والأسوار العالية، للرئيس بشار الأسد الذي أعلم موقفه مني ونظرته اليّ، قراءة مقالاتي كما كان يفعل الرئيس الراحل، وهو ما أكده لي وزير الاعلام اياه.
أجل، سوريا في خطر. سيناريوات تفجيرها وتفكيكها لا تزال على الطاولة، إن في واشنطن أو في “تل أبيب”، ناهيك عن عواصم غربية واقليمية، ودون أن يعي ذلك بعض أهل السلطة الذين توجه اليهم الأصابع مباشرة وعلناً، بالتواطؤ مع مافيات الفساد وناهبي المال العام.
ليس بالحدث العادي أن تنطلق التظاهرات هذه المرة من السويداء لا من درعا. لا شك أن العوز، العوز المذل، يدق على أبواب كثيرة. ولكن طريقة الاعتراض (حرق الاطارات واقفال الطرقات على الطريقة اللبنانية) تثير التساؤلات. من اتصلتُ بهم في السويداء حدثوني عن حالة البؤس التي وصلوا اليها. البؤس الميتولوجي.
لكنهم أبدوا خشيتهم من أن تكون هنك أيد خارجية “تلعب ببعضنا”، ومنهم من يعملون في الخفاء لانشاء الدويلات الطائفية في لبنان وفي سوريا. هنا الدويلة ـ المقبرة. “في هذه الحال ألا تأكلنا تك الظواهر البربرية التي ظهرت ابان سنوات الحرب”؟
حالة رعب من الوضع البديل. أن تتحول سوريا الى شظايا سياسية وطائفية واثنية وقبلية. أهل السويداء الذين تعاملت معهم السلطة بالكثير من الحكمة، والوعي بالواقع، وتفادياً لنقل التظاهرات الى مناطق أخرى، يقولون “ما يصلنا من عناصر من “الاخوان المسلمين” في الاردن يشي بأن تلك الجماعة التي تحولت الى حثالة ايديولوجية وسياسية، حتى في تركيا، تراهن على تطورات بنيوية شديدة الخطورة في سوريا” !
النظام في مأزق. اذا ما أقيلت الحكومة، وليست وحدها المسؤولة عن حال التردي المعيشي، كما يدعو البعض، قد تكون الخطوة التالية أن يستقيل رئيس الدولة في هذه الظروف المفصلية، والخطيرة. نعلم أن هناك حكومة موازية هي من تغطي وتحمي الارتكابات…
كل المصائب في سوريا على أكتاف قليلة. الحصار (الكوني)، الاحتلال، آثار الحرب على المستويات كافة، الفساد الذي يستشري أخطبوطياً في كل مفاصل ومرافق الدولة. ناهيك عن تغييب، وحتى التنكيل بكل صوت معترض، مهما كان هذا الصوت بعيداً عن الايحاءات وعن السيناريوات الخارجية.
كل ذلك يهدد بسقوط الدولة من الداخل ليتحقق الحلم التوراتي بـ”محق ذئاب الشمال”. في هذه الحال، كيف يمكن لرئيس دولة اختراق هذا الوضع، ولو كان بمواصفات آلهة الاغريق…
هذا ما يحملنا على القول أن وضع بشار الأسد أقرب ما يكون الى وضع أبطال التراجيديا الاغريقية. بالتأكيد مأساة رجل يرفض أن يلتحق بأحبار الهيكل في أورشليم، وبحاخامات الكونغرس في واشنطن.
أين العرب؟ ايقظوا الخنساء لترثينا مثلما رثت شقيقها صخر…!
2023-08-23
تعليق واحد
ما الحال في سوريا غير مطمئن ومعقد جدا على مستوى الحلول الحاسمة وأهمها مواجهة التنظيمات العسكرية المتمركزة في الشمال والشرق… المهمة صعبة جدا لكن توقف المحاولات والإجراءات يتيح للعدو مزيداً من الوقت لانتاج سيناريوهات جديدة اكثر خبثا وشراسة من سابقاتها… ولا ادري ماذا جنى الأسد من لقائاته ( المايعة) مع اقطاب ورؤوس مشايخ تمويل الدمار والخراب وتلك ( القمة) البليدة التي حضرها… هذا الوضع لن يتوازن بالدبلوماسيات الباهتة وسياسات التمييع ونكران الحقائق… الأمر يتطلب مزيداً من الصبر والصمود والابداع في الداخل ومزيداً من الاتجاه شرقاً أقصى الشرق خارجيا … لا بديل آخر