بعد ثلاث سنوات ونصف من الحصار والمعاناة والظلم ومن سلب أبسط الحقوق المعنوية والمادية عن أبناء نبل والزهراء في الشمال السوري التابعتين إدارياً لمنطقة أعزاز في ريف حلب الشمالي، ما زال يتردد صدى نداء أهالي القريتين في أرجاء المعمورة: “الوضع الانساني المتردّي يزداد سوءاً”، و”الحصار المسلّح ما زال متحكماً بكلّ شرايين الحياة”.
طفلة تبكي من شدة الجوع
“هناك حالات حرجة نواجهها بالعجز. ويضطر الأطباء لبتر العضو المصاب كحلّ أخير”، عبارة تختصر مأساة أطفال ونساء وشيوخ لا ذنب لهم سوى أنهم يقاومون المدّ التكفيري من حولهم.
عبارة تكفي ليدرك أي انسان أن أخاه الانسان يموت من الحصار مدافعاً عن شرفه وعرضه ووطنه فيما الخروج من جحيم الحصار خطر ومكلف أيضاً.
ومع ذلك، وبمعادلة بسيطة ندرك أن صموداً اسطورياً سُجل لحوالي 70 ألف نسمة، فكل شخص فيهم كان سبباً في صمود هاتين البلدتين رغم كل المعاناة، رغم نقص الغذاء وازدياد عدد الامراض نتيجة فقدان الادوية والمسلتزمات الطبية، وتوقف المستوصفات عن الخدمة وسط تحذير من تفشي الامراض المعدية (الليشمانيا)، والغلاء الفاحش.. الخ.
دماء على جدران مدينة الزهراء المحاصرة من الارهابيين
وبالعودة الى الحصار الخانق، فقد بدأ منذ عجزت الجماعات المسلحة عن بسط سيطرتها على محافظة حلب عام 2012، وتنوعت أشكاله بين قطع للطرقات وخطف كل من يحاول الخروج من المدينتين فضلاً عن منع دخول أية سيارة مدنية، بل اكثر من ذلك لجأ المسلحون الى استهداف كل آلية تريد ايصال المساعدات الغذائية الى نبل والزهراء.
هول الكارثة الانسانية في المدينتين الواقعتين في الشمال السوري، ترك أثراً في الحجر، فكيف بالبشر!.
المنظمات الانسانية المفترض ان تتكفل بنصرة المظلوم في العالم، لم يسمع لها صوت لنصرة المظلومين في هاتين البلدتين.
أيعقل أنهم لم يعبأوا بصراخ الاطفال المرميين من دون حضن أم لأن الاخيرة قتلتها رصاصة اجرام أو قنبلة “نقمة”.
أيعقل أنه لم يصل الى مسامع آذانهم عويل النساء الثكالى ليضع حداً ولو بالموقف لوحشية المسلحين الارهابيين؟
هل تدري هذه المنظمات الاممية والاقليمية التي تحمل اسم حماية الانسان من التنكيل والتعسف والقتل العبثي والاجرام أن في نبل والزهراء شيوخاً وكهولاً مرضى أنهكهم أنين المرض وشدة اللهاث؟
كيف لا يكون الواقع مأساوياً بل كارثياً، ولم نشهد إدخال مساعدات إنسانية للبلدتين _منذ ثلاث سنوات ونصف_ سوى مرة واحدة من قبل الهلال الأحمر كانت معظمها خيما للاجئين وأكياس نايلون ونسبة صغيرة جدًا من الأدوية، فهل هذه المساعدات يمكنها اغاثة أهالٍ محاصرين منذ سنوات يعانون من برد الشتاء وحرّ الصيف وغلاء الأسعار ونقص في طعام الأطفال والرضع الذي أزهق أرواح عشرات الأطفال وحديثي الولادة؟.
أي ضمير انساني يقبل ذلك، بل أي عقل انساني يستوعب حجم الكارثة ولا ينتفض على الاجرام والوحشية؟
لقد مرّت ثلاث سنوات ونصف من الحصار المطبق ولم يسمع أهالي نبل والزهراء بهدنة لوقف نزيف الدماء في هاتين البلدتين، انما نسمع بالفتك ببراءة الطفولة وحصد للأرواح نتيجة القصف الهمجي من جهة ومن النقص الحاد في الأدوية والمواد الإسعافية والتموينية من جهة أخرى.
لكن المصيبة أكبر، فبالرغم من كل ما تقدم فإن العنف يمتد بوتيرة أقوى باتجاههم، والتسلط الاجرامي لا يرحمهم ولا يرأف بحالهم، فأهالي نبل والزهراء عرضة يوماً بعد يوم للاعتداء باستهداف لقمة عيشهم وتصفيتهم جسدياً بقصف الاحياء المأهولة، واختطاف المواطنين، واستهداف سيارات التموين والاسعاف وغيرها…
ليصحُ ضمير الامم، فرائحة الموت الجماعي تفوح من تلك البلدتين المحاصرتين، فهناك عشرات آلاف القذائف الصاروخية والمدفعية استهدفت المنازل السكنية في البلدتين ذهب ضحيتها مئات الشهداء والجرحى معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ، وهناك هجمات شرسة متكررة من قبل المسلحين الارهابيين بهدف ابادة سكان المدينتين، تجعل الوضع أكثر خطورةً والاحتمالات مفتوحةً على كلّ شيء.