بعد خمس سنوات من “الثورة الليبية” استفاق الليبيون على حقائق صادمة : اقتصاد مدمر وأمن منفلت، وإرهاب يدكّ أسس الدولة، وتهديد بصوملة البلاد والمنطقة.
فمدينة بنغازي التي انطلقت منها الثورة لم تظهر عليها مظاهر الاحتفال هذه السنة. الكل بدأ يعدل بوصلته على ما يخطط له الأصدقاء قبل الأعداء.
ووسط هذا المشهد المتشائم تتحرك آلة السياسة لدرء تلك المخاطر. فهل تنجح في ذلك ؟
الحكومة الجديدة والمخاض الصعب :
كان المخاض صعبا ولا يزال، فالتصديق على حكومة السراج مازال يكتنفها الغموض. والمسالة في الحقيقة لا تقف عند الموافقة أو عدم الموافقة عليها من طرف البرلمان الليبي المعترف به دوليا، بل في قدرة هذه الحكومة على العمل ميدانيا. هل سيكون تركيزها في طرابلس بموافقة أغلبية سكان العاصمة؟ وماذا ستفعل مع الميليشيات المنتشرة والمنفلتة أحيانا كثيرة عن قياداتها؟ وهل سيكون الشرق الليبي قادرا على ابتلاع حربوشة (حبة) تهميش حليفها حفتر؟
وهل سيحصل الجنوب على نصيبه في التنمية وعلى حقوقه الثقافية بالخصوص؟ والسؤال الأبرز كيف سيتم التعامل مع الميليشيات ومسألة تجريدها من السلاح؟ والتي يعتبرها المحللون المفتاح الحقيقي لحل المسألة الأمنية في ليبيا. ليس التدخل العسكري هو الذي سيقضى على الإرهاب ؟
فالذي سيقضى عليه هو اتفاق الليبيين حول رؤية الدولة والمجتمع، وبرنامجهم في بناء مؤسسات الدولة وإعادة تنظيم المجتمع المدني بعد المصادقة على الحكومة الوفاقية المرتقبة. والذي سيقضى على الإرهاب هو النجاح في تجريد الميليشيات من السلاح ضمن برنامج متدرج.
وعندما تحل هذه المسائل يجوز لنا الحديث عن استقرار ليبي.
هناك ثلاث قرارت ضرورية لعودة الحياة الطبيعية لليبيا :
الأولى هي الحكومة الوفاقية والثانية تسليح الجيش الليبي والشروع في تجريد كل الميسلشيات من السلاح والثالثة برنامج إقتصادي وإجتماعي واقعي يضعه خبراء ويكون قابلا للتطبيق.
أما مطاردة الإرهابيين فستستغرق أشهرا وهو ما يحتم الإستعانة بمساعدات دولية وإقليمية للتغلب على آفة الإرهاب. وبإمكان القوى الغربية والإقليمية أن تسهم في ذلك بالشكل الذي تحدده الحكومة الليبية القادمة.
تونس في قلب الحدث الليبي
يعوّل التونسيون رسميا وشعبيا على تفهم الليبيين للخطر الحقيقي المحدق بهم. وبقدر ما يرفضون أي تدخل عسكري في هذا البلد فإنهم يأملون أن يكون إسراع الفرقاء الليبيين نحو حكومة وحدة وطنية بقيادة السراج مدخلا لخفض منسوب التوتر الذي خيّم على البلاد هذه الأيام من جراء توقع تدخل عسكري وقد بدأ بالفعل منذ فترة اختراق الأجواء الليبية من طائرات مجهولة المصدر ربما تُحضّر لهذا التدخل. وبالتالي فإن من مصلحة تونس أن تتهيأ لكل الطوارئ وتهيء ظروف استقبال الليبيين بطريقة علمية وممنهجة في ظل حديث عن آلاف من جوازات السفر المزورة التي يمكن أن يستغلها الإرهابيون. كما على الحكومة التونسية أن تكون لها استراتيجية أمنية تعتمد على تحصين حدودها الجنوبية والغربية بتشريك خلايا الإرشاد الذاتي من المواطنين، والتفتيش الدقيق لكل الداخلين عبر الحدود. وزرع أكثر ما يمكن من الخلايا الاستخباراتية تحسبا من أي محاولة يخطط لها الإرهابيون. وقد تحدث تقرير أمريكي مؤخرا عن عمليات إرهابية تعد لها داعش في تونس وباقي دول شمال إفريقيا.
من مصلحة تونس، في صورة وجود عدد هام من اللاجئين نحو أراضيها، أن تعد من الآن خططا اقتصادية موازية وبرنامج مساعدة مفصل يقدم للمنظمات الدولية.
وتشرف الدولة على التصرف وتوزيع هذه المساعدات بدل الجمعيات الخيرية التي ارتكب بعضها أخطاء فادحة منذ سنة 2011 حيث تحولت إلى شبكات لاستقطاب التونسيين والتونسيات للقتال في سوريا والعراق.
وفي الحقيقة فإن سيناريوات التدخل العسكري الأجنبي في ليبيا متعددة ولعل أقربها للتجسيم وأخفّها حدة أن يتم بعد المصادقة على الحكومة الجديدة، دعوتُها للمجتمع الدولي وخاصة القوى الغربية لمساعدتها على طرد الدواعش والإرهابيين داخل التراب الليبي بعد أن انتصبت هذه القوى الغربية منذ مدة قرب المياه الإقليمية الليبية، فالذي سيحصل على الأرجح هو الانتقال من خارج المياه الإقليمية إلى الداخل الليبي بهدف منع قوارب الهجرة السرية نحو أوروبا وحماية حقول النفط من تهديد داعش.
ويمكن القول أن تونس بإمكانها إقناع الحكومة الليبية الجديدة بقدرتها لا على إيواء الإخوة الليبيين فحسب، بل وكذلك على المساهمة في تدريب الكوادر الأمنية والعسكرية، وإقامة العديد من المشاريع الاقتصادية والمساهمة في عقود الإعمار.
هل لا يزال الأمل قائما بعد الضربة العسكرية الأمريكية على صبراتة؟
استفاق الليبيون فجر يوم 19 فيفري 2016 على قصف جوي لطائرة أمريكية أف 16 على منزل في مزرعة بضواحي مدينة صبراتة كان يحتضن اجتماعا يخطط لعمليات إرهابية في ليبيا وخارجها وكانت الحصيلة قرابة 50 قتيلا ويرجح أن يكونوا كلهم تونسيون. كان رد فعل الليبيين مختلفا لكنه كان مناهضا لتعاظم نفوذ الدواعش في بلدهم.
وتهدف هذه الضربة إلى تقديم ثلاث رسائل:
الرسالة الأولى للإرهابيين تحذرهم من إطالة البقاء في ليبيا، ويبدو أن وجهتهم القادمة ستكون في الساحل الإفريقي وغرب إفريقيا وصحراء موريتانيا.
والرسالة الثانية للطبقة السياسية تحثهم فيها على الإسراع بالتصويت الإيجابي على الحكومة الجديدة والرسالة الثالثة لطمأنة حكومة السراج المرتقبة بأنها ستجد الدعم الأكبر من أوروبا والولايات المتحدة في مسألة محاربة الإرهاب في ليبيا.
لا شك أن الأمل في عودة الأمن والحركية الاقتصادية في ليبيا لم ينقطع وقد قال الشاعر قديما: ” ما أضْيق العيش لولا فُسحة الأمل.” لكن هذا الأمل ينحصر في الحقيقة في 3 مسائل:
أولا، خطة اقتصادية لاستثمار جيد للثروات الليبية، وثانيا، خارطة طريق مفصلة لإعادة الأمن يشارك فيها المواطن عبر تسليم السلاح للدولة وتقديم المعلومة الاستخباراتية عن كل تحرك مشبوه، ووضع خطة لتسليح الجيش الليبي وتكوين كوادره. وثالثا تحضير جيد للدستور والانتخابات حتى تصبح لليبيا هياكل دولة عصرية.
وهو أمل مشروع لا يحققه إلا الليبيون بتنازلات متبادلة فيما بينهم ورغبة عميقة في دفن أحقاد الماضي.