لهذا يُستشهد الرجال!
بقلم: نضال بن مصبـاح
غادرنا رجلٌ لا يشبه الراحلين. غادر كمن يُطفئ ضوءه بهدوء، ويرتّب فراشه، ويترك رسالة صغيرة على الطاولة… لا وداع فيها، فقط: “قمتُ بما أستطيع”. رجلٌ حين يرحل، لا يترك فراغًا، بل يترك سؤالًا مؤلمًا: من سيكمل ما بدأ؟
غادر “الحاج رمضان”، كما ناداه المقاومون، أو اللواء محمد سعيد إيزدي كما سمّته البيانات. لكن لا هذا ولا ذاك يصفه. هو ببساطة رجلٌ إذا غاب، خيّم شعورٌ بأن شيئًا في المشهد كُسِر، وأن في جدارنا صدعًا لا يُرمم. ليس لأن الموت غريب، بل لأن الصمت في وداعه خيانة. لأنه لا يليق بالذين يشبهون الجبال أن يُمرّوا على نشرات الأخبار كخبر عابر.
لا أحد يعرف عدد الأنفاق التي مرّ فيها، ولا كم مرّة غيّر مسار شاحنةٍ كي تصل غزة، ولا كم سلاحًا أعاد تجميعه بيديه ليكون أنسب لبندقية فلسطينية. لا أحد يعرف، ولم يكن يريد أن يعرف أحد.
كل ما كان يعنيه… أن تبقى فلسطين واقفة. لا تركع. لا تطلب شكرًا، ولا تعتاد معروفًا. فقط: تقاوم.
لم يكن قائداً يُصدّر صورته، بل ظلّ ظلًا يسند الجميع. جنرالٌ لا يحمل نياشين، بل يحمل شفرات الصواريخ، وخريطة الأنفاق، وخطة التمويل، ومفتاح المعابر. رجلٌ حين يُقال عنه “سعيد إيزدي”، يتساءل السامع: من؟
لكن من جرّب طعامًا في نفق، أو خبّأ مسدسًا تحت معطفه في معبر، يعرفه جيدًا… يعرف صوته الذي يرد في الهاتف بثلاث كلمات: “وصل؟ تمام. انتبه لنفسك.”
تخيّلوا رجلًا يحمل على كتفيه ثلاثين عامًا من أسرار المقاومة، ويضعها كلها على مذبح فلسطين دون أن يطلب شيئًا. لا شكر، لا ظهور. فقط وجهٌ باسم حين تُقصف تل أبيب، وصوتٌ مطمئن في أذن المقاوم حين تُغلق الحدود.
رجلٌ لا يظهر على الشاشات، لكن بصمته تظهر في كل عبوةٍ تُزرع، وكل طائرةٍ تُسقط، وكل قبةٍ حديديةٍ تُخترق.
حين استُشهد، بكت غزة.
بكت كما تبكي على أبنائها، لا كما تبكي على زائرٍ عابر.
بكت لأنه لم يكن يزورها… بل كان منها.
لأنها لم تحتضنه يومًا كضيف، بل كأحد أبنائها الذين يغيّرون أسماءهم ليبقوا في الظل، ويمنحون كل ضوءهم للأرض.
بكت لأنها كانت بحاجة إليه، وقلّةٌ فقط هم الذين يُبكى عليهم من الحاجة، لا من العاطفة.
من يقدر أن يُفهم أولئك الذين لا يرون في إيران إلا خصمًا طائفيًا، أن هذا الرجل كان يسند كتف فلسطين أكثر ممن حملوا جوازها؟
من يقدر أن يُقنعهم أن بعض “الغرباء” أكثر صدقًا من بعض الأشقاء؟
من يجرؤ أن يقول إن مقاومة غزة لا تأتي من فراغ، وإن وراء صواريخها رجالًا مثل رمضان، يعملون بصمت، ويموتون في الظل، دون أن يُشيّعهم إعلام أو يُنشر لهم مقطع مؤثر؟
لكن القسام فهمت. لم تكتب بيانات مطوّلة، بل قالت: “لهذا يُستشهد الرجال.”
وهل بعد هذه الجملة حاجة لمعلّقات؟
كانوا يقولون إن قاسم سليماني هو شهيد القدس.
اليوم، خرج من تلاميذ سليماني شهيدٌ ثانٍ… شهيد الأنفاق والأنفاس الخفيّة.
شهيدٌ لم يصعد من خندق، بل ذاب فيه.
يا رمضان…
لم يكن لك ضريح، لكنك مدفون في قلوب من تحرّكوا بأمرك، وتدرّبوا على بصمتك.
لم يكن لك ضوءٌ أخضر من المنابر، لكنك كنت ضوءًا في كل غرفة عمليات.
لم يكن لك صوتٌ على التلفاز، لكنك كنت نشيد الانتصارات في صمت المقاومين.
غادرتنا، لكنك تركت خارطةً لا على ورق… بل في القلوب.
خريطة تقول للمجاهد: إذا ضاقت الأرض، تذكّر أن هناك رجلاً في الظلّ كان معك… وسيمشي معك، ولو من السماء.
إن الذين يبكونك ليسوا فقط في طهران، وغزة، وصنعاء، والضاحية، وبغداد،
بل في كل أرضٍ تُشمّ فيها رائحة الكرامة.
في كل طفل يقف في المسيرة بقبضة مرفوعة.
في كل أمٍ تُقبّل ابنها قبل أن يخرج للرباط.
وفي كل مقاومٍ يسمّي عبوةً باسمك دون أن يخبر أحدًا.
سلامٌ عليك يا ابن فلسطين، ويا ابن قم، ويا ابن كل أرضٍ ترى في القدس قبلتها.
سلامٌ على ظلك، على يدك، على حكاياتك التي لن تُروى كاملة.
سلامٌ على قبرك، وعلى الخطّ الذي رسمته في قلب هذه الأمة، وهو لا يمحى.
من لم يفهم معنى هذا الحزن الفلسطيني عليك، فليس عليه أن يسأل غزة، بل ليسأل قلبه.
فإن لم يجد فيه رجفة… فقد فاته شيء من الشرف.
رحمك الله يا رمضان…
لك وحدك أن ترتاح، أما نحن، فعلينا أن نحفظك كما تُحفظ أسماء الأنبياء.
2025-06-27
