لن يدفع فاتورة ليبيا غير مصر والجزائر.. لماذا لا يملكان الشجاعة لهذا الخيار
اسماعيل القاسمي الحسني
سوف أختصر هذا المقال جهدي، ليس لأن الموضوع لا يستحق التفصيل، وإنما هناك ما هومعلوم من الامن الاستراتيجي بالضرورة.
أولا: لقد استغلت الانظمة الخليجية وعلى رأسها قطر، ومن ورائها قوى العالم الغربي، التي ما عهدنا من قادتها عبر التاريخ القديم الى غاية التاريخ المعاصر، سوى العداء الأسود لأمتنا، وتربصها الدائم بمنطقتنا لما تمثله من موقع جغرافي بالغ الأهمية، فضلا عن كنوز الحضارة الإنسانية وحواضن العلوم البشرية؛
نقول استغلت دخول مصر شعبا وقيادات في مخاض عسير بداية 2011، وانكفاء الجزائر على نفسها تحسبا لأي عاصفة قد تهز أركان أمنها الهش أساسا، لتختطف القرار العربي، وتصادر بشكل فج ووقح رسم مستقبل بلدان عربية بأنهار من الدماء وجبال من الجثث، كان على رأسها لسوء الحظ ليبيا.
ثانيا: لقد ثبت لكل ذي عينين، بأن ما فعلته تلكم الأنظمة الخليجية بليبيا لم يكن أبدا بدافع الحرص على الشعب الليبي، ولا بهدف بناء ليبيا جديدة كما كان يسوق أصحاب قرار الحرب عليها، يكفي مراجعة عدد الضحايا المروع بعد سقوط النظام، والخراب الذي طال البنى التحتية بشكل ممنهج، وإنما الهدف ما هوواقع مشاهد ومعاين، تفتيت شعبها ونهب أموالها واحتلال ثرواتها؛ وعلينا أن نلاحظ بأن هذه مقدمة دموية وحشية وهمجية، نهايتها إضعاف مصر والجزائر معا، وحشرهما بزاوية الإرهاب الدولي، حتى لا يتأتى لأي منهما الخروج عن الصف، وهذا هوالحاصل حتى الآن.
وهنا لدينا سؤال جوهري: بما أن القيادتين في مصر والجزائر تعيان جيدا اليوم لماذا ضربت ليبيا، ولما حولتها الانظمة الخليجية متحالفة مع عدوالامس واليوم، وبرعاية صهيونية بامتياز (شهادة هنري برنارد ليفي وبرلسكوني تكفيان كل منصف)، وتعيان جيدا مخاطر وجود كيان فاشل يفرّخ الجماعات المسلحة والارهاب على حدودهما، ويعيان جيدا من المستهدف بهذا الوحش المصنع، فمتى سيلتقي الطرفان -الجزائر ومصر- لوضع حد لهذه المأساة التي تتهددهما؟.
دعوني أكون أكثر وضوحا وصراحة، قد تبدوللبعض صادمة وللآخر تجرؤا، من المعيب بل من خارج المنطق أن نقارن بين مصر أوالجزائر بدولة قطر (مع الاحترام لمفردة دولة)، وإن كان لابد من مقارنه فتكون بالسعودية لعدد سكانها ومساحتها وقوتها العسكرية نسبيا، وفي هذه الحالة لا تبدوالأخيرة مقارنة باحدى الدولتين مجرد محافظة متواضعة، قياسا بالحجم الواقعي لكل منهما، وهنا لابد من الإشارة بأن ثقل الدول لا يوزن بالمال، ولا بالأحجام المتوهمة.
وهنا لنا أن نتعجب كيف تأتت للسعودية الشجاعة، والقدرة على استصدار شرعية “عربية” لشن حرب همجية عدوانية على دولة عربية، بذريعة الدفاع عن أمنها القومي، في حين أن دولة مثل مصر أوالجزائر، كل منها ابتلعت لسانها وفي أحسن الأحوال وأكثرها اقداما وشجاعة، تصدر بيانات تحذّر من عواقب التدخل الأجنبي.
البيانات أيها السادة لا تكفي على الاطلاق، وإن كنتم تدركون حجم الخطر الذي يتهددكم فعليكم بالعمل الميداني، ذلك أن المصيبة في ليبيا لا تقع على قطر ولا على السعودية ولا على أي دولة من الخليج، بل لوالتهبت ليبيا ككتلة نار واحدة، فلن يصيب شيء منها تلكم الدول، وأما الدول الغربية فأغنى ما تكون عن تحذيرات الجزائر ومصر، لأنها بكل بساطة تعي جيدا ماذا تريد.
تقول مراكز عسكرية مختصة، بأن أقوى الجيوش العربية على الاطلاق، هوالجيش المصري ويليه الجيش الجزائري، عددا وعتادا وكفاءة عالية؛ ومن مهام الجيوش هي بالأساس حفظ الامن لدولها، ومنه الأمن الاستراتيجي، والأمثلة لدول أرسلت جيوشها خارج حدودها بهذه الذريعة الشرعية لا تُعد سابقا وحاضرا.
هنا لا أدعوكما قد يخطئ الفهم، لتدخل عسكري بدافع قتالي في ليبيا، وإنما أدعوالقيادتين في الجزائر ومصر لادراك حجم المسؤولية والخطر الجدي، وأقترح تكوين قوات لحفظ السلام في ليبيا، تتكون من مائة ألف عسكري مصري وجزائري، تحت قيادة مشتركة، تكون مهمتها نزع السلاح من كل الميليشيات والعصابات في ليبيا، وفرض الأمن في كل ربوعها، حتى يتأتى لشعبها أن يختار نظامه وقياداته في جويسمح له بذلك.
من الغريب أن ترى قوات حفظ السلام، ومن بين مكوناتها عناصر عربية منتشرة خاصة في بعض الدول الافريقية، ولا نملك الشجاعة لاتخاذ قرار كهذا، ينزع فتيل قنبلة لوانفجرت تكون مصر والجزائر أكثر المتضررين من شظاياها، بل نقول لن يتضرر سواهما كأكبر دولتين عربيتين وأقواهما على وجه الاطلاق.
لقد سعت مصر من قبل لتشكيل قوة عسكرية عربية مهمتها قتالية في ليبيا، ورفضت الجزائر المقترح لسببين، الأول هوالعقيدة القتالية -هنا لا أتحدث عن الدستور الجزائري-، والثاني أن الشراكة مع بعض الدول العربية خاصة منها التي صنعت الازمة الليبية يعد مسخرة وملهاة.
إذا على القيادة المصرية أن تُعدّل من الهدف من حالة قتالية الى حالة حفظ السلام، وفي المقابل على الجزائر أن تراجع موضوع عدم ارسال أبنائها خارج حدودها، فالأحمق من لا يرى المأزق حتى يقع فيه، ثم يشرع في البحث عن سبيل للخروج منه.
الجزائر ومصر أمام أحد الخيارين لا ثالث لهما، إما أن يتحركا جديا في فرض السلام في ليبيا، وبسط الأمن فيها، ولهما القدرة على تحقيق ذلك خاصة إذا خلصت النوايا، ومهدت لها الآلة الاعلامية المصرية الجبارة في مواجهة الآلة الخليجية، ما يدفع الشعب الليبي للتعاون مع قواتها، ونحن نعلم بأن لكل من مصر والجزائر على حدودهما أيادي فاعلة ومؤثرة؛
وإما الخيار الثاني وهوحال اليوم بين بيانات التحذير والتخويف والرفض، الى أن تقع الواقعة، وحينها لن يدافع الطرفان عن السلام في ليبيا وإنما داخلهما، وأخشى ساعتها لن تكون لهما القدرة على حفظ أمنهما، ويبدأ الانهيار والتفتت داخلهما، وتلكم هي فاتورة تستوجب الدفع على من لم يرى مسبقا حجم الخطر الذي يتهدده؛ وبذلك يكون هدف الدول الغربية قد تحقق بشكل كلي.
نسجل هذا ونوثقه، والأيام بيننا.
فلاح جزائري
عن راي اليوم
2016-02-17
