لماذا يؤجل الكيان الصهيوني الغزو البري لقطاع لغزة؟
عميرة أيسر*
على عكس تصريحات نتنياهو العنترية، والتي تنم عن عدم توازنه النفسي والعقلي، وعن خوفه الشديد من ما قد ينتظره من طرف الجيش الفلسطيني في غزة، في حال تهور وأقدم على الدخول لقلب القطاع المحاصر، الذي تحول لإمبراطورية عظمى تخافها جيوش تحالف محور الشر بقيادة العم سام، وحلف الناتو وطبعاً الصهاينة العرب الذين أثبتوا للمرة الآلف أنهم صهاينة أكثر من بني غانتس ونتنياهو وايهود باراك وياءير لا بيد وبن غفير وكل الصهاينة الذين يدعمون ما يجري في غزة، من قتل وتهجير وتدمير وسحق لكل مناحي ومظاهر الحياة، فالتقديرات الأولية تقول بأن سلاح الجو الصهيوني قام بإلقاء أزيد من 12 ألف طن من القنابل على قطاع غزة المحاصر، ودمر تقريباً نصف مباني القطاع السكنية، بالإضافة للجرائم التي قام بها في مناطق الضفة الغربية، حيث قام مؤخراً مجموعة من الصهاينة بخطف عدد من الفلسطينيين وتعذيبهم بطريقة وحشية، ناهيك عن جرائم القتل اليومية التي تقوم بها قوات الاحتلال للنساء والأطفال والشيوخ، فالجيش الاسرائيلي السفاح الذي يتهم الجيش الفلسطيني في غزة بأنه قام بقطع رؤوس الأطفال في مستوطنات الغلاف، وهي ادعاءات تم دحضها، رغم أن هناك تجاوزات قد حدثت قد أشرنا إليها في مقال سابق، وهذا شيء وارد الحدوث في الحروب ونحن لا نبرره اطلاقاً، قد قام حسبما أوردت ذلك وسائل اعلام صهيونية بقتل عدد كبير من الرهائن الإسرائيليين في أثناء الاشتباك مع أفراد الجيش الفلسطيني الذين اقتحموا مستوطنات غلاف غزة، تطبيقاً لبرتوكول هانيبال نسبة للقائد القرطاجي حنبعل الذي فضل تجرع السم على الوقوع أسيراً بأيدي الرومان، وهذا ما أثار موجة من الغضب داخل الشارع الاسرائيلي الذي لم يستوعب الصدمة بعدما حدث يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول الذي شكّل علامة فارقة في تاريخ هذا الكيان المحتل، الذي صدق السّيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني الذي وصفه ببيت العنكبوت، وهذا ما يؤكد بأن إسرائيل قد خسرت الحرب الإعلامية داخلياً، لأن المجتمع الاسرائيلي أصبح يحمّل نتنياهو وحكومته سبب كل الهزائم التي لحقت بهم، واستطلاعات الرأي تطالب برحيله مع أعضاء حكومته الحريدية اليمينية المتطرفة، فالاستراتيجية التي اتبعها الجيش الفلسطيني في غزة، والمتمثلة في اطلاق صراح الرهائن من طرف أحد أذرعه الفاعلة، وهي حركة المقاومة الفلسطينية حماس قد أربك كل حساباتهم، وهذا ما جعل ياءير لا بيد رئيس الوزراء الأسبق في الكيان المحتل بأن الإعلام الموضوعي يخدم حركة حماس، حيث قال :” اذا كان الإعلام الدولي موضوعياً فإنه سيخدم حماس”، فإذا أظهر الجانبين بنفس القدر فهو يخدم حماس”، وفي رأيي لا يمكن لوسائل الإعلام أن تدعي ببساطة، أنها تروي قصة كلا الجانبين، اذا فعلوا ذلك فإنه سيكون بمثابة رواية الجانب الذي تؤيده حماس من القصة. كما ذكر موقع جريدة زمان التركية، بتاريخ 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2023م، في مقال بعنوان ( ياءير لا بيد : تناول الاعلام للحرب بموضوعية يخدم حماس).
فالكره المتزايد لدى الشارع الاسرائيلي لحكومة نتنياهو أدى لظهور انقسامات حادة بين النخب الإسرائيلية، وحتى داخل الأحزاب الصهيونية كإسرائيل بيتنا، وهذا ما أدى لتهديد 3 وزراء من حكومته بالاستقالة احتجاجاً على الفشل الذريع، الازدواجية التي يتعامل بها نتنياهو مع المجتمع الاسرائيلي، وعجزه عن اتخاذ قرارات حاسمة تؤدي لوقف الجيش الفلسطيني في غزة التي أدت لموجة كبيرة جداً من الهجرة المعاكسة شملت شخصيات بارزة في الكيان الصهيوني كان أبرزها رئيس الوزراء الأسبق ايهود باراك الذي يعتبر من أهم الناقمين على سياسة نتنياهو الرعناء، والذي انتقد تعامله الفاشل مع الحرب في قطاع غزة، وحذره من مغبة مواجهة القطاع عسكرياً، لأن توصل القوات الصهيونية داخل القطاع سيؤدي لحدوث مجزرة داخل الجيش الاسرائيلي، ولسقوط عشرات آلاف المدنيين، مما سينتج عنه تخلي المجتمع الدولي عن تعاطفه مع تل أبيب الذي يتأكل تدريجياً نظراً لحجم الجرائم المروعة التي ترتكبها قوات الصهاينة في القطاع، ناهيك عن الانقسام الحاد بين نتنياهو وكبار جنرالاته بما فيهم وزير دفاعه يواف غالانت، ورئيس أركانه هارتسي هاليفي بشأن العملية العسكرية في القطاع، والتي تأجلت لمرتين، الأولى كانت بسبب الطقس، والثانية بسبب إطلاق حركة حماس لعدد من الأسرى المحتجزين لديها، وهذا ما عطل تلك الحملة البرية بطلب من واشنطن التي لا تريد التضحية بالرهائن الأمريكان، والذين فشلت في استرجاعهم عن طريق القوات الخاصة الأمريكية التي تعرضت لقصف عنيف أدى لوقوع خسائر فادحة في صفوفها عند محاولتها التوغل في قطاع غزة، كما أشار لذلك مستشار البنتاغون السّابق دوغلاس ماكجريجور في مقابله له على منصب x مع الصحفي الأمريكي الشهير تاكر كارلسون حيث قال : ” على مدار 24 ساعة الماضية أو نحو ذلك، ذهبت بعض قواتنا الخاصة ( الأمريكية) والإسرائيلية إلى قطاع غزة للاستطلاع، وتحديد السبل الممكنة لتحرير الأسرى، لكن تم إطلاق النار عليهم وتقطيعهم إلى أشلاء”. كما ذكر موقع القدس للأنباء، بتاريخ 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2023م، في مقال بعنوان ( مسؤول أمريكي سابق يعترف بمقتل قوات خاصة أمريكية وإسرائيلية في غزة).
فإسرائيل التي حشدت أزيد من 360 ألف من قواتها على مشارف قطاع غزة، تعاني اقتصادياً بشكل كبير، لأن معظم من تم استدعاءهم من جنود وضباط الاحتياط يشغلون وظائف مدنية واقتصادية في الكيان، فالكثير من المطاعم والشركات قد توقفت عن النشاط بشكل كلي أو جزئي لأنها لا تمتلك اليد العاملة الكافية، بالإضافة لخسائر هذه الحرب الاقتصادية، والتي فاقت 1.2 مليار دولار في الأسبوع الأول من الحرب، زادت تكاليفها المادية والاقتصادية وخسائرها البشرية، وهذا ما لا يتحمله هذا الكيان المصطنع، لأن الدعم الأمريكي والأوروبي لن يستمر طويلاً في ظلّ الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعرفها هذه الدول بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك فإن على نتنياهو القيام بهذه العملية البرية من وجهة نظر الجيش الاسرائيلي، لأن الاسراع في تنفيذ تلك العملية البرية سيجلب المزيد من الدعم المالي والعسكري للجيش الصهيوني، وسيوحد الجبهة المجتمعية المنقسمة بشدة، وسيظهر للعالم بأن إسرائيل تريد التخلص من حركة حماس، التي أصبحت تشكل كابوساً مرعباً للمنظومة الغربية ككل، وهذا ما دفع الرئيس الفرنسي للقول بأن على العالم أن يتحد للقضاء على المنظمات التي تشكل تهديداً حقيقياً له بما فيها حركة حماس، رغم أن نتنياهو المجرم يدرك بأن التوغل برياً في قطاع غزة سيجعل فصائل محور المقاومة في كل الاقليم، تكثف من هجماتها ضدّ القواعد العسكرية الأمريكية والمصالح الإسرائيلية، وبالتالي تدخّل إيران ودول أخرى مما سيخرج هذه الحرب عن نطاق السيطرة، وهذا ما لا تريده واشنطن التي تدعم نتنياهو وتغطيه دولياً في مجلس الأمن، لذلك فإن الغزو البري لقطاع غزة هو طوق النجاة الوحيد المتبقي حالياً، رغم مخاطره الكبيرة على تل أبيب، فلا مخرج له إلاّ عن طريق تنفيذ هذه العملية البرية التي تستهدف القضاء على الجيش الفلسطيني في غزة، وتحرير الرهائن وهذا ما سيفشل فيه نتنياهو بكل تأكيد، وسيكون مصيره وهو العديد من جنرالاته السجن، بعد أن تشكل لجنة تحقق فيما جرى على غرار لجنة فينوغراد التي شكلت بعد هزيمة 2006م، أمام حزب الله في جنوب لبنان.
– كاتب جزائري
2023-10-27
