لماذا نحن؟
خالد عطية
ليس لأننا أضعف، ولا لأن الجغرافيا ظلمتنا، ولا لأننا أقلّ شأناً من غيرنا.
بل لأننا بقيّة المشروع الذي لم يُنجز بعد. ولأن في وجودنا ما يفضح كل ما حاولت القوى الاستعمارية بناءه منذ قرن: وهم “التحضّر”، “الديمقراطية”، و”حقوق الإنسان”.
المجزرة المستمرة في غزة، والتي تجاوزت عشرين شهرًا من القتل والتجويع والتدمير، ليست خللاً في النظام العالمي، بل تجسيد دقيق لوظيفته. إنها ليست استثناء، بل القاعدة حين تكون الضحية خارج تعريف “الإنسان” الذي صاغه الغرب لنفسه.
المشروع الصهيوني في فلسطين لم يكن يوماً مشروع “دولة” بالمعنى القانوني أو المدني، بل كان منذ بدايته مشروعًا إحلالياً استعمارياً وظيفياً، بُني بدعم مباشر من القوى الغربية لتأدية وظيفة مزدوجة: ضبط المنطقة من الداخل، وقطع الطريق على أي مشروع تحرر عربي مستقل.
“لماذا نحن؟” لأن الفلسطيني هو العقبة الأخيرة أمام إغلاق هذا المشروع. لأننا لم نُبِد ذاكرتنا، ولم نُعد تعريف أنفسنا وفق شروط المهزوم. لأننا لا نزال نربط النكبة بالسياق الكولونيالي العالمي، لا بالقدر أو الحظ السيئ.
الإبادة الجارية في غزة لا يمكن فهمها عبر أخلاقيات القانون الدولي، بل عبر وظيفية هذا القانون في ضبط الإبادة لا منعها. القانون، في صيغته الغربية، لم يُصمم لحماية الشعوب من الاستعمار، بل لتنظيم علاقات القوة بين الدول التي تملك أدوات الفرض. ولذلك فإن المطالبة بعدالة دولية ليست إلا وهمًا يخدم استمرارية النظام نفسه.
حين تصرخ امرأة فلسطينية “لماذا نحن؟”، فهي لا تطلب شفقة ولا حماية، بل تضع سؤالًا في صلب التاريخ المعاصر: لماذا يتم تحطيم كل محاولة فلسطينية للحياة؟ لماذا يُعاقب الفلسطيني إذا صمد؟ لماذا يُجرَّم إذا قاوم؟ ولماذا تُقنّن إبادة شعب بأكمله بوصفها “حقاً في الدفاع عن النفس”؟
الجواب ليس أخلاقيًا، بل بنيوي.
الغرب، بما فيه من مؤسسات سياسية وأكاديمية وثقافية، لا يزال يستبطن الرواية الصهيونية لأنها تتقاطع مع هندسة مصالحه. إسرائيل لم تعد مجرد أداة تنفيذ، بل تحوّلت إلى فاعل استعماري يشارك في تشكيل المنظومة، ويفرض إيقاعه حتى على حلفائه. ولهذا، فإن الحديث عن “الضغط على المجتمع الدولي” أو “فضح الجرائم” لم يحقق شيئًا، لأنه يفترض وجود بنية أخلاقية مستقلة عن المصلحة، وهي غير موجودة في نظام وُلد من رحم السيطرة.
السؤال إذًا ليس: لماذا لا يُنصفنا العالم؟
بل: كيف نُعيد تعريف أنفسنا خارج شروط من هندس هذا العالم؟ كيف نحطم السردية التي اختزلت الفلسطيني بين “ضحية يجب أن تموت بصمت” و”مقاوم يجب أن يُصفّى أو يُشوه”؟ كيف نحول صرخة الأم الفلسطينية إلى أداة تحليل، لا إلى نداء رحمة؟
اللغة هنا ليست شعارًا، بل وسيلة لإعادة تركيب الفهم. فالمعركة اليوم لم تعد فقط على الأرض، بل على المعنى والسردية والتاريخ.
ولهذا، فإن “لماذا نحن؟” ليست صرخة استغاثة، بل سؤال تفكيك: من يُعرّف الضحية؟ من يُحدّد العنف؟ من يُجيز الحرب؟ ومن يحتكر القانون، الإعلام، والتاريخ؟
نحن، لأننا نكشف هذه البنى.
نحن، لأن مجرد وجودنا يُربك منظومة السيطرة.
نحن، لأننا لم نُوقّع على نهاية الحكاية، ولم نكتب تاريخنا بأقلام المستعمر.
نحن، لأننا لم نُصب بـ”العمى الأخلاقي” الذي أصاب غيرنا، ولا زلنا نعرف أن من لا يملك الحق في تعريف عدوه، لا يملك الحق في تحرير نفسه.
لهذا السبب تحديدًا، نحن.
2025-06-07
تعليق واحد
مقال ثري للأستاذ خالد عطية يشكل اضافة نوعية في الخطاب الفلسطيني والعربي. ذلك أنه لا يكتفي بوصف الجريمة أو الاستنجاد بالعالم، بل يمارس فعلا تحليليا عميقا يذهب إلى جذور المأساة في البنية لا في الحدث. ويعيد تموضع الفلسطيني لا كضحية تبحث عن اعتراف، بل كفاعل يعري بنية السيطرة ذاتها، ويفضح البنية والوظيفة الأصلية للنظام العالمي لا انحرافاته.
قيمته الفكرية تكمن في رفضه لفهم الإبادة الجماعية في قطاع غزة بوصفها خللا أو استثناء في النظام الدولي. وتقديمه قراءة بنيوية ترى في ما يحدث تجسيدا لوظيفة هذا النظام، لا انحرافا عنه.
فلا يعود السؤال: لماذا لا يتدخل الغرب؟ بل ما الذي يخدمه صمت الغرب ومشاركته؟
هنا ينقل خالد النقاش من المجال الأخلاقي إلى المجال البنيوي ـ من سؤال القيم إلى سؤال الوظيفة، ومن مطلب العدالة إلى تحليل من يصوغ مفهوم العدالة ويحتكره.
لا يشتبك خالد فقط مع الجريمة الإسرائيلية، بل مع الروايات التي شرعت وجودها: رواية العنصرية والحداثة الغربية، القانون الدولي، حقوق الإنسان، والدولة القومية بوصفها نهاية للتاريخ. حين يقال ان المشروع الصهيوني ليس مشروع دولة بل مشروع إحلالي وظيفي، يعاد تعريف المعركة لا بوصفها صراعا حدوديا أو نزاعا سياسيا، بل بوصفها صراعا على هندسة المنطقة وعلى هوية الفاعل العربي فيها.
يسلك خالد طريقا شائكا لكنه أساسي وضروري: كيف نحول الألم إلى تحليل؟
كيف نجعل من صرخة الأم الفلسطينية أداة تفكيك للمنظومة التي تحاصرها؟
هذا مايفعله خالد ، حين يرفض بوعي ومسؤولية تحويل الصرخة المفجعة إلى مادة للشفقة، ويصر على أنها سؤال سياسي ـ حضاري ـ بنيوي، لا مجرد مأساة إنسانية. بهذا يقطع مع الخطاب الإنساني النمطي، الذي وإن تعاطف، فإنه يعيد إنتاج الفلسطيني كعاجز في حاجة إلى الإغاثة والإنقاذ الخارجي.
إن الجذر الذي يحفره خالد عطية يمكن من بلورة سؤال مركزي للمستقبل: كيف نعيد تعريف أنفسنا خارج اللغة التي صاغها المستعمر؟ خارج صورتي “الضحية الصامتة” أو “المقاوم المشوَّه”؟
هذا لا يعني فقط نقد الروايات الغربية، بل بناء سردية تحررية جديدة، تنبع من الفعل الفلسطيني والعربي، وتعيد وصل القضية الفلسطينية بسياقها التاريخي التحرري الممتد.
ما يقترحه خالد ـ وإن ضمنيا ـ هو ضرورة التحرك في ثلاث مسارات متداخلة:
1. تفكيك البنية الخطابية للهيمنة: علينا أن لا نستخدم لغة العدو أو نعيد إنتاجها. بل أن نمتلك أدوات تحليل مستقلة تفكك كيف يعرف العدو نفسه، وكيف يفرض تعريفه علينا.
2. بناء مشروع تحرري بديل: أن تربط فلسطين ليس فقط بالمقاومة المسلحة، بل ببناء رؤية سياسية وفكرية وثقافية جديدة، تتجاوز ثنائية “الدولة” و”السلطة” نحو مشروع عربي تحرري شامل.
3. الانتقال من التعرية إلى الفعل: إذا كان المقال يكشف البنية، فإن مهمتنا هي تحويل هذا الكشف إلى استراتيجية. من تفكيك المنظومة إلى بناء أدوات المواجهة: خطابا، تنظيما، وتحركا.
إن الإضافة النوعية للمقال العميق ليست فقط في ما يقوله، بل في ما يدعو إليه ضمنا: أن نستعيد الحق في تعريف أنفسنا، وأن نحرر وعينا من استعمار اللغة والسرد. أن نخرج من موقع التبرير إلى موقع الفعل، ومن موقع الشكوى إلى موقع البناء. وهذا هو جوهر كل مشروع تحرري أصيل.
بهذا المعنى، “لماذا نحن؟” ليست سؤالا عن الماضي، بل عن المستقبل الذي يمكن أن يبنى إذا امتلكنا الجرأة على المواجهة، لا فقط في الميدان ، بل في الفكر، في الخطابى، وفي صناعة المعنى