لماذا تم التركيز على كلمة “البدو” في لقاء الوزير وهبة وتم تجاهل كل الإهانات التي ألقاها المحلل السعودي؟
هل الأزمة الدبلوماسية بين لبنان والسعودية هي وليدة اللحظة أم أنها أزمة مستمرة؟
فاطمة عواد الجبوري.
يتحدث البعض عن أزمة دبلوماسية بين لبنان والمملكة العربية السعودية بعد مشادّات كلامية بين وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية “شربل وهبة”، وبين محلل سعودي كانت قد استضافتهما قناة الحرة.
القضية تحولت إلى قضية رأي عام في لبنان والسعودية بين من يدافع عن الوزير وهبة وبين من يهاجمه ويعتبر بأنه دقّ مسماراً جديداً في العلاقة المتوترة بين السعودية ولبنان. وهناك بعض السياسيين والإعلاميين المقربين من المملكة شنوا هجوماً حاداً ضد الوزير بسبب جملته التي قال فيها: “انا من لبنان كيف يهيني واحد من اهل البدو”. وللأمانة هي جملة غير لائقة بسبب التعدّي على البدو أهل النخوة والعروبة. ولكن في الوقت ذاته تناسى الجميع السبب الرئيسي الذي دفع الوزير لقول مثل هذه الجملة. فعلى الرغم من أن المحلل السياسي السعودي لا يشغل أي منصب حكومي، إلّا أنه توجه بكيل الاتهامات والإهانت بالجملة، ولم يذكر أي ممن انتقدوا جملة الوزير أي من هذه الإهانت التي صدرت عن المحلل السعودي. فالمحلل السعودي كال الاتهامات إلى حزب الله وقاعدته الشعبية واعتبر بأن سلاح الحزب موجه إلى الداخل كما قام بتوجيه إهانات بشعة بحق رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، متهماً إياه بأنه باع لبنان من أجل رغبات حزب الله.
تمّ التغاضي بشكل عجيب عن كل هذه الإهانات وتمسك ممن يدينون بالولاء للسعودية (أو أموالها) بجملة الوزير. وسلط هؤلاء الضوء أيضاً على جملة أخرى للوزير قال فيها: “داعش أتت بهم دول أهل المحبة والصداقة والأخوة، دول المحبة جلبت لنا الدولة الاسلامية وزرعوها لنا في سهل نينوى والأنبار وتدمر”. فالوزير لم يسمي هذه الدول لا بل أنه لم يأتي بشيء جديد. إذ أن الحقيقة واضحة كالشمس حول الدول التي دعمت داعش مالياً ولوجستياً وعسكرياً. وكأن الوزير قد جاء بشيء جديد ليتفاجئ به هؤلاء!!!
الإمارات والسعودية استدعتا السفير اللبناني وقدمتا اعتراضاً على هذه التصريحات، ولكن الحقيقة هي أن السعودية والإمارات تعلمان جيداً بأنهما تقفان خلف داعش، وإلا لما كانت ردت فعلهما عنيفة إلى هذه الدرجة.
ولكن السؤال الأهم هو: هل بالفعل ستتسبب هذه التصريحات بأزمة بين لبنان والسعودية؟
في الواقع، الأزمة بين السعودية ولبنان هي أزمة قديمة، وهي أزمة تتعلق بالسيادة اللبنانية وليس لها دخل بأي تصريحات تصدر من هذا الوزير أو ذاك، وكل من يدعي خلاف ذلك فهو لا يعرف بالشأن اللبناني شيئا.
من يخشى على العلاقات مع السعودية يتجاهل تحركات السعودية في السنوات الأخيرة في مساعيها لمصادرة القرار السيادي في لبنان. فالسعودية تهاجم الأعداء والحلفاء على حد سواء وما ترغب به في لبنان هو حزب مطيع يقول نعم لأي مطالب سعودية.
فإذا ما تركنا من تعتبرهم السعودية أعداء لها ونحن نتحدث هنا عن (حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر)، واتجهنا إلى الحلفاء ونحن نقصد هنا (تيار المستقبل). فهل كانت السعودية حليفاً حقيقياً لتيار المستقبل؟
الجواب لا، بكل وضوح مارست السعودية ضغوطات حادة ضد تيار المستقبل وضد رئيس التيار سعد الحريري، فهي بالإضافة إلى أنها اعتقلته وأجبرته على الاستقالة، فهي تسعى اليوم لتقويض مشروعيته داخل التيار. فالرئيس سعد الحريري زار مؤخراً أغلب العواصم العربية والإسلامية (تركيا، الإمارات وقطر..إلخ) إلا أن الأبواب السعودية كانت مغلقة في وجهه. بالإضافة إلى الانشقاقات التي دعمتها السعودية داخل تيار المستقبل مما جعل التيار ينقسم إلى تقسيمات عديدة يهاجم بعضها بعضاً. وخارج إطار تيار المستقبل فإن السعودية تسعى إلى تقوية موقع حزب القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع ليحل محل الحليف التقليدي المتمثل بالحريرية السياسية. لقاءات السفير السعودي المتكررة مع أعضاء حزب القوات والدعم المالي غير المسبوق لهم خير دليل على ذلك.
يروّج الحليف السعودي الجديد (جعجع) نفسه على أنه مظلة مهمة في الساحة المسيحية في لبنان، ويروج لمجموعة من الأوهام والتخيلات بأنه قادر على استلام زمام الأمور في الساحة المسيحية. فهو بدأ بتنظيف البيت الداخلي بحيث امتنع عن ترقية عدد من أعضاء حزبه (بنصائح من ستريدا جعجع) وذلك لإعادة ترتيب أوراقه في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة. ويعمل حزب القوات على غسل الأموال عبر شركات معروفة ومن ثم يتحرك على صعيدين اثنين بدعم سعودي كامل. الصعيد الأول استيراد لقاحات كورونا لجذب الناخب اللبناني المسيحي، والصعيد الثاني هو تهريب السلاح إلى الداخل اللبناني وتوزيعه على عناصره ومواليه. إذ أن الأخير لا يؤمن بأن الجيش وقوات الأمن اللبنانية قادرة على حماية البلاد. هذه المظاهر تجدها منتشرة في مناطق عديدة في لبنان.
هذا الكلام ليس تحليلا أو أوهام، بل هو تصريحات سابقة لسمير جعجع ادعى فيها بأن لديه 15 ألف عنصر مسلح مستعدين لقتال حزب الله.
القوات اللبنانية لا يرحم حتى حلفائه التقليديين من أمثال حزب الكتائب والحزب الاشتراكي ولا الحليف السابق وليد بك جنبلاط، إذ يعتبرونه متذبذب الولاء وبأنه يدور بحسب مصلحته.
الأزمة الدبلوماسية بين لبنان والسعودية لن تحدث لمجرد تصريحات هنا وهناك، فالأزمة هي أزمة مستمرة، إذ أن السعودية لا تبحث عن حلفاء في لبنان بل تبحث عن وكلاء يقومون بتنفيذ رغباتها وحسب. هي تستهدف سلاح المقاومة الذي لم يوجه يوماً ضدها أو ضد الداخل اللبناني. هي تبحث عن حزب الله مكسور الجناح لا يقوى على تحرير أرضه إذا ما قرر الاحتلال يوما الاعتداء على لبنان. اللبنانيون اليوم مطالبون بالوقوف صفاً واحداً أمام مساعي نشر الفتن والاقتتال الداخلي. وعليهم أن يعوا جيداً بأن الولاء أولاً وأخيراً يجب أن يكون للبنان وشعبه. وبأن هذه الدول قطعت مساعداتها عن لبنان حتى قبل أزمة تهريب المخدرات وحتى قبل تصريحات الوزير وهبة، في الوقت الذي كان فيه لبنان بأمس الحاجة للمساعدة.
2021-05-20