للحضارات والشعوب والامبراطوريّات – فكرة خالدة عُظمى عن طائر الفينيق الناريّ المنبعث من الرماد!*
أما نحن في فلسطين، فحكايتنا أبسط، وأرق، وأجمل.
نحن… مجرّد شعب طيّب عنده بنت. بنت اسمها ألمى.
ألمى عمرها 12 عامًا، نسمع صوتها رقيقًا وواضحًا من خلف أعمدة الأسمنت التي دمّرها القصف الإسرائيليّ على غزّة. ألمى تُنادي ليُخرجوها من موتٍ محتوم، ورغم ذلك تنادي بلطفٍ وأدب وتقول “عمّو” كأنها أمام بائع البوظة. فبعد أن اعتقدت طائرات إسرائيل وجنرالات وحكومات العالم أنّها أحكمت موت ألمى، يتّضح من تحت الركام دافعها للحياة: “بسرعة، بدي أشوف اخواتي… اشتقتلهم.” وتطلب أن تكون آخر من يخرج من تحت الأنقاض، “طلّعوني أنا آخر واحدة،” تطلب أن ينتشلوا أخوتها وجدّها وجدّتها وأمها وأبوها – الذي تُسمّيه من تحت الردم: “أهم إشي في العالم”
وحكايتنا في فلسطين تقول إن العطف أساس الحكمة. فبعد أن تنادي من تحت الردم “ساعدوني آخر وحدة”، تُفكّر، وتستدرك، ثم تقول: “لأ خلّوني أوّل واحدة عشان أساعدكو تطلعوهن”… ثم يبدأ انتشالها، ويظهر وجهها مُغطّى بطبقة من الغبار الذي يُفقِد طوق شعرها وأقراط أذنيها ألوانهما الزاهية، ثم نرى عينيها، سوداء واضحة، ناصعة، حادّة، وقبل أن يكتمل إخراجها من تحت الردم ترفع يدها وتُشير: “هُنا… أمي هنا، أبي هناك…”
وبيد أن حكايتنا هي حكاية ألمى، فلا وجود لهذه الحكاية من دون جيران وأولاد بلدٍ ينبشون أهوال الأسمنت بحثاً عن ألف حكايةٍ للحياة، وهم كثر في غزة، منهم رجل طيّب واحد تسمّيه ألمى “عمّو”، ويسألها بدورها: “شايفة ضوّي يا ألمى؟” وتجيبه: “شايفة.”
هذه حكايتنا، وهذه فلسطين، أساطيرها صغيرة وطيّبة ورقيقة، وأصل حكمتها وقوّة مقاومتها – حُب للأهل، وشوق للرؤية.
منقول عن الكاتب والباحث ” مجد كيّال ” / حيفا – فلسطين المحتلة.
2023-12-08