لقمة الفقير أصبحت مسمومة!
رنا علوان
بعد انهيار الدولة اللبنانية وغياب الرادع الأخلاقي عند التجار ، كانت آخر الفضائح التي دوت مؤخرًا ، وهي استخدام “الجفصين” في الألبان والأجبان ، والذي يُمثل الوجبة الرئيسة على مائدة اللبنانيين ، وذلك بحُجة [الارتفاع الكبير في أسعارها]
وتزامنًا مع ذلك ، انتشرت الأمراض بشكل مُلفت وازدادت الخطورة في ظل ارتفاع [أسعار الأدوية وفقدانها من الصيدليات] ، ناهيك عن القرار الأخير الذي يقضي بدولرة الأسعار ، والذي لا يخدم سوى التُجار فقط
إن مسؤولية دولرة الأسعار غير القانونية والتي لا تحمي المستهلك إطلاقًا ، لِمَ سببته من فوضى داخل الأسواق ،
فالأسعار إرتفعت بشكل هائل والأمور ما زالت مُتّجهة نحو الاسوأ ، فكل تاجر سيضع السعر بالدولار الذي يناسبه ويبني حقوقه المكتسبة عليه
فضلًا عن أن وزارة الإقتصاد لن تستطيع التحكم بالدولرة بعد اليوم ، بل أهدت التجار سلاحاً حاداً يسمح لهم بإدارة العملية التجارية وفق مصالحهم
ناهيك ، عن أن دولرة الأسعار ستفاقم التضخم وإنهيار الليرة اللبنانية
وبالعودة الى ما يعانيه المواطن من غش تجاري ، يتبيّن لنا بشكل ملموس كيف أن “الأنظمة الغذائية في لبنان غير صارمة على الإطلاق”
هذا لو أخذنا مقارنة بسيطة بين لبنان وبين إحدى دول الخليج العربي ، نجد كيف أن هناك نظامًا صارمًا ، إذ تحاول توحيد كل القوانين الغذائية والتنبيه من المنتجات غير المطابقة للمواصفات من خلال أحدث الأجهزة والتقنيات ، وفي إشارة إلى أن “وزارة الاقتصاد والتجارة اللبنانية ، كانت تستفيد من أجهزة الإنذار هذه ، ولكن لا يوجد مُتابعة من قِبلها للتأكد من جودة المنتجات بالتالي النظام مفكك ومهمل الى حد كبير
وبالتنويه إلى أنه “تم العمل في الأعوام 2002 و2004 و2015 على مبادرة وطنية تحت إشراف لجنة علمية عُيّنت من قبل مجلس الوزراء إلا أنه لا توجد مراسيم تشريعية للتنفيذ”
لقد كانت المرة الأولى التي ينشئون قوانين ذات طابع أكاديمي ، فالذين وضعوها كانوا من خلفيات علمية ، أي ممثلين عن الجامعات عملوا على جمع كل المعلومات والأبحاث العلمية الحديثة حول سياسات السلامة الغذائية العالمية ، واتبعوا نهج تحليل المخاطر لمعرفة التحديات وكيف يجب التصدي لها لتعزيز مستوى السلامة الغذائية والأنظمة كخريطة طريق للمستقبل
لكن ، وبكل أسف ، قانون السلامة الغذائية لم يطبق لأنهم لم يصدروا مراسيم تشريعية ، وتاليًا لم يُعيَّن رئيس (لهيئة الغذاء) بسبب [التجاذبات السياسية]
والمؤكد من خلال المُتابعة ( في فترات مُعينة غير دورية ) تبيّن أن “المواد المُخزّنة اليوم أعيد تزويرها بعد أن استفاد التجار منها في مرحلة الدعم ( 23 مليار دولار خُصّصت للدّعم) حيث عمد التجار إلى تخزين المواد لمدة طويلة ما أدى إلى فسادها ( تسوس- عفن- فطريات) ولم يتم التخلص منه بل تم تزويرها ، بالإضافة إلى ظهور بضاعة مجهولة من دول قريبة بصناعة لا تخضع لأي رقابة أو مواصفات مقابل اختفاء كل السلع المعروفة بسبب انخفاض القدرة الشرائية للناس
جُلَّ ما يجري من مُخالفات هو انعكاس طبيعي لإنهيار البلد وظهورها هذا ، سواء في منتجات الألبان أم غيرها من المنتجات الغذائية ، ليست سوى دليل على الإنفلات الذي سمح لجشع التجار أن يستشري دونما حدود ، وبالتالي أصبحت سلامة الغذاء في لبنان خطيرة ومتجهون نحو الأسوأ
وبما أن الشيء بالشيء يذكر ، سنعود أدراجنا الى عاميّ 2015 و2017 حيث أظهرت نتائج عينات جُمِعَت لدراسة أعدتها الجامعة الأميركية في بيروت ، بَيَّنت كيف أن أكثر من ربع ما يأكله اللبنانيون غير مطابق للمواصفات جرثوميًا ، خصوصًا [ اللحوم والدجاج ومشتقات الحليب والمياه والبهارات] وجاءت نتائج [الألبان والأجبان غير مطابقة جرثومياً بنسبة تخطت 40% ، وقد وجد مُعدّو الدراسة أن 300-350 عيّنة من الجبنة تحتوي على بكتيريا الإشريكية القولونية ، وبعضها على السالمونيلا ، وبكتيريا الليستيريا وجميعها خطيرة عند استهلاكها
وفي دراسة أخرى في العام 2021 أي بعد الأزمة ، تجاوز المحتوى الجرثومي في عينات من الجبنة جمعت في منطقة بيروت ثمانين ضعف المعدلات المسموح بها كحد أقصى ، كما جاءت هذه النتائج لتُؤكد مدى تأثير أزمة الكهرباء في تكاثر البكتيريا في الأجبان
الجميع بعرف ضمنيًا ، أن سلامة الغذاء من سيئ إلى اسوأ ، وأننا نسمع بين الحين والآخر فضيحة حول أحد المنتجات الغذائية سواء الجبنة أو اللبنة أو اللحوم الفاسدة وغيرها ، وما عزز هذه الأزمة الاقتصادية هو إنقطاع الكهرباء والتقنين القاسي إلى ضرب معايير سلامة الغذاء بعرض الحائط ، وكانت حالات التسمم الغذائية خير دليل على أن ما يأكله اللبناني فاسد وغير مطابق للمواصفات
ختامًا ، يُقال بأن الإنسان عدو نفسه ، ففي حالة تغييب العقل يكون الانسان عدو نفسه ، وحين تغلب عليه إنعدام البصيرة وفقره لها ، وعدم إستيعاب ردود الأفعال وما ستؤول إليه الأمور يكون عدو نفسه ، حين يخدم بجهله وجشعه عدوه ، ( كمن يحمل خنجر ليطعن به نفسه ) فهو بكل تأكيد عدو نفسه ، ولعل الحرب الناعمة المُتمثلة بالحصار ، أشد وقعة من الحرب الإستراتجية علينا ، لِمَ يخدمها مثل هكذا أشخاص
2023-03-11