رن تلفوني المحمول مُبكراً هذا اليوم الامر الذي جعلني ابدأ حديثي لا بالسلام وانما بالسؤال: ماذا حدث؟
وجاء صوت اخي ،ابو فاطمة ، متراخياً فيه نغمة سرور ورضى بأن هناك صديق يرغب الحديث معك، وأضاف: هل تفضل مع الصورة ؟
قلتُ ليكن صوت فقط لكي امتحن ذاكرتي. فجاء الصوت، وبعد عدة جمل المتعارف عليها في مثل هذا اللقاء، اعلنتُ اعتذاري لإن ذاكرتي فيها عطب ولم تستدل على صاحب الصوت.
فجاءت الصورة: رجلٌ اشيبٌ تماماً وبياض شيبته فيه بريق غير عادي ينم عن قلبٍ طفولي ابيضٍ. طلبتُ المساعدة من أخي، فقال انه صباح كاظم.
يالله، هكذا اذن هو الزمن.
بدأ صباح العمل عن طريق احد أقربائي في معمل نسيج، ولصغر سنه أأتلف معي بسرعة كوني طالب مدرسة صناعية مجاورة لمعمل النسيج وأُساعد والدي يومياً بعد الدوام المدرسي. فالتقي بصباح ونعود سويةً الى البيت حيث كنا نسكن مدينة الثورة.
نحن العراقيون نستخدم مصطلح ” انسان نظيف” ليس عكس “وسخ” وأنما بمعنى ان علاقاته ليس فيها مصالح شخصية . فصباح كان من هولاء: برئ ،لطيف ، اريحي، خفيف الظل والحركة، يحب النكته والضحكة لا تفارق محياه.
“فوافق شنٌ طبقه”.
مما اتذكره حادثة تعلقت في ذاكرتي. بعد افتتاح ملعب الشعب، جرت فيه مسابقة الساحة والميدان لعموم العراق. فشارك صباح بسباق 1000 متر. ولا اعرف كيف وافقت اللجنة على ذلك ، لانه ليس عداءً ولم يشارك سابقاً ابداً. وتكملةً للصورة اقول: انطلق العداؤون ومعهم صباح. خلال المئة المتر الاولى كان صباح في وسط الراكضين، ولكن عند انتهاء الدورة الاولى كان صباح الاخير، ولكنه مثابر على الركض. وصلت المجموعة الاولى من المتسابقين الى خط النهاية وصفق الجمهور للاول. صباح مازال يركض، ويحتاج لدورة كاملة حتى يصل لخط النهاية. صباح مازال يركض. نُشاهد استعداد الرياضيين للسباق التالي، ولكن المتسابق الاخير مازال يركض، الجماهير بدأت تصفق لصباح للروح الرياضية العالية لديه ، انه لم يتنازل. لجنة التنسيق تطلب من صباح التوقف ، صباح يركض ويركض والتصفيق يزداد ويزداد حتى وصل الى النهاية، فجاء صوت المعلق الرياضي في الملعب بإن المتسابق الاخير يستحق التثمين لكونه اكمل الدورات بروحٍ رياضيةٍ عاليةٍ.
عام 1971 تزوج صباح ،
وكان اخر لقاء لي معه.
اليوم وبعد 51 سنة عجاف ألتقي بصديقي عبر التكنلوجيا الحديثة وهو ذو عائلة كبيرة( ولدان وثمانية بنات) وبيتٌ متواضع في احدى احياء بغداد العزيزة.
هذه صورة تجمعني وصباح تاريخها 1968, وهو على اليمين.