لا تزال طرق الحرب على غزة طويلة!
سعادة مصطفى أرشيد*
تُعقد في العاصمة القطرية الدوحة مفاوضات بين المقاومة وحكومة الاحتلال تهدف لإنهاء الحرب برعاية قطرية أميركية وكما أوردت الفضائيّات العبرية أن الإدارة الأميركية قد تقدّمت بطلب للحكومة (الإسرائيلية) تدعوها الى تأجيل عمليتها العسكرية في غزة لعدة أيام بهدف إنجاح المفاوضات، فيما العملية العسكرية (الإسرائيلية) قد انطلقت بوحشية غير مسبوقة ولا يبدو أنها ستتوقف فبنيامين نتنياهو يريد أن يفاوض تحت النار متخذاً من نموذج كيسنجر في مفاوضاته مع الفيتناميين نموذجاً يتّبعه.
نتنياهو مستمرّ في هذه الحرب وهو يدرك مقدار انخفاض جدّية الإدارة الأميركية في طلبها المذكور أعلاه، فهذا الضغط الأميركيّ هو موضع شك، حيث إن الإدارة الأميركية لو أرادت ذلك حقاً لاستطاعت إلزامه لا بوقف هذه العملية العسكرية وإنما بوقف الحرب برمّتها ونتنياهو يعرف أنه يستطيع أن يشاغب على الأميركيين أو أن يماطل، ولكنه كما غيره من قادة (إسرائيل) لا يستطيع رفض الأوامر الأميركية إن شعر بجديّتها.
لا أحد جاد في إيقاف إجرام نتنياهو وربما لا أحد يستطيع، فقط واشنطن التي تستطيع الفرض وإلزام تل أبيب، أما المطبّعون الإبراهيميّون فيبدو أنهم لا يرغبون بذلك أصلاً بل إن أخباراً تتردّد أن سفير الإمارات في واشنطن العتيبي قد طالب صراحة في اجتماعاته بضرورة الإسراع بتهجير أهل غزة حتى ينطلق مشروع إعادة الإعمار، وأوروبا بدورها غير جادّة وإنما تعطيه مهلاً إضافية بحجة درس نصوص اتفاقية الشراكة التجارية خاصة في بندها الثاني وفحص إن كانت (إسرائيل) تخالف قواعد حقوق الإنسان – وكأن الأمر يحتاج إلى إثبات – أما داخل الكيان (الإسرائيلي) الذي أصبح يُبدي قلقاً متزايداً من مفاعيل الحرب على المدى الطويل ومقدار تأثيرها على (إسرائيل) فعلينا أن نسمع موشي يعلون نائب رئيس الحكومة ووزير الدفاع السابق يقول: إن الحرب على غزة تملك كامل مواصفات حروب الإبادة. وهو يقول أيضاً: لقد أصبحت أعتذر عن المشاركة في أي مؤتمر في الخارج أو أن أقابل الصحافة الأجنبية إلا أنني لا أستطيع الدفاع عن «إسرائيل» ويرى هو وغيره أن الرواية الأهم التي تمّ ترويجها دعماً لـ(إسرائيل) منذ ثلاثينيّات القرن الماضي كانت رواية الهلوكوست الألماني الذي عرفه العالم بأسره من خلال الروايات والأفلام السينمائيّة والوثائقيّة ولم يشاهده مباشرة ولكنه يرى اليوم في غزة هولوكوست حقيقياً، ولكن المجرم القاتل هو اليهوديّ.
لكن بنيامين نتنياهو لا يلقي بالاً لكل ذلك فهو ماض في حربه ويرى أن الهدف ليس إطلاق سراح الأسرى أو استعادة جثامين القتلى، فذلك ليس إلا أضراراً جانبية وخسارة محدودة، ولا يكتفي بضمان القضاء على المقاومة التي تمت تصفية معظم قياداتها السياسية والعسكرية، فنتنياهو يرى أن الحرب هي الهدف ويرى أن التهجير هو الهدف والقضاء على المقاومة فقط وإنما على كل غزة وأهلها هو الهدف، وهذا ما يتفق في خلاصاته الأخيرة مع الخطة المعلنة للرئيس الأميركي ولعل الحرب عند نتنياهو هي فرصته الأخيرة والأثمن التي إن فاز بها فهو قادر على الحفاظ على بقائه السياسيّ وربح جولة جديدة في الانتخابات.
هكذا نستطيع أن نقول إن الحرب لا زالت طويلة وإن خطط نتنياهو للخلاص من غزة لا زالت موضع شك في نجاحها فالقتل والتدمير لا يصلح انتصاراً والتهجير بشكله التطوّعي أو القسري لا زال يثبت أنّ الباقين في غزة برغم الخطر والجوع والمرض والحر والبرد ما زالوا أكثر بكثير من الذين غادروها أو سيغادرونها، استطاع نتنياهو ولا شك ذبح ما يزيد عن 60 ألف في غزة وأن يدمّر معظم القطاع وأن يقتل معظم القادة السياسيين والعسكريين وحتى معظم مَن شارك في مفاجأة صبيحة السابع من تشرين الأول 2023 لكن النتيجة أنه لم يحقق أهدافه ولن يحقق أهدافه وربحت غزة والمقاومة في قلب صورة (إسرائيل) وإعادة صناعة الهولوكوست بشكل مقلوب وهذه النتائج سيكون حصولها في مصلحتنا كبيراً وبطريقة التراكم وليس سريعاً.
2025-05-28
