كيف ساهمت امريكا في تعزيز قوة ومكانة ونفوذ ايران!
جواد الهنداوي
قد تكون امريكا حديثة العهد في قوتهّا ومكانتها ونفوذها، لكن ليس كذلك لايران،التي عَرفتْ، وعاشت ومارست القوة والمكانة والنفوذ منذ آلاف السنين .
وحين اصبحت امريكا قوة عظمى، لمْ تحرم ايران هذه المزايا في عهد الشاه، منتصف القرن المنصرم، بل امريكا أعانت ايران، واعتمدتها، لتكون شرطي الخليج والمنطقة .
تدركُ ” أمريكا العميقة” بأنَّ لدى “ايران العميقة ” مؤهلات القوة والمكانة والنفوذ، ومصادر هذه المؤهلات التاريخ والحضارة والسياسة والحكمة، ولست أنا مَنْ يشهد لهم بالحكمة، شهادتي، لا تؤخذْ بالحسبان أزاء شهادة خصوم ايران، وفي مقدمتهم الرئيس أُوباما في حديثة وحواره المطّول، لمجلة “ادلنتيك”، بتاريخ ٢٠١٦/٣/١٦، مع الصحفي جيفري كولد بيرغ .
ولَمْ يبخلْ الرئيس ترامب على الايرانيين لا بالعقوبات، ولا بالأشادة بحكمتِهم حينما أمتنعوا عن اسقاط الطائرة التي كانت تقّلُ ٣٦ عسكري أمريكي، وتصاحب الطائرة المُسيّرة والتي استهدفوها .
الحصار والعقوبات التي تفرضهما امريكا على ايران، وحرب الأطراف المُحتدمة بينهما تجعل أيران (دولة وقوة اقليمية) في علاقة ندّية مع امريكا (دولة وقوة عظمى) : كلما تمادت امريكا في فرض العقوبات والتجاوز على السيادة الايرانية، ردّتْ ايران بالجهوزية ومعاقبة التجاوز (اسقاط الطائرة المُسّيرة مثالاً) .
حرب الأطراف المحُتدمة بين امريكا وايران، والتي اقتصرت في ضررها على الجوانب المادية والمعنوية فقط، مكّنت ايران مِنْ تطبيق مبدأ الرّدْ بالمثل، وتحذيراتها وتهديداتها اقترنتْ بالأفعال والصوّر. ممارسات ايران العسكرية والسياسية والدبلوماسية في المنطقة، وجميعها في النّد من امريكا، منحت ايران قوّة ومكانة ونفوذ ومصداقيّة. نجاح ايران في الصمود والمقاومة والتحدي لا يعود فقط الى قدراتها وارادتها، وانما ايضاً الى توظيفها المدروس لأخطاء الادارة الامريكية، وفي مقدمة تلك الأخطاء استراتجيّة امريكا، ومنذ عقدّين من الزمن، بالاعتماد على الجماعات المُسّلحة والإرهابية واسرائيل بتغيير المنطقة .
لولا القاعدة وداعش في العراق وسوريا لم يكْ وجود لا لحزب الله في سوريا ولا للحشد الشعبي في العراق. ولولا حرب اليمن لما تطوّرت الحركة الحوثيّة بحزبها وفكرها وسلاحها. ولو أنَّ حلّاً عادلاً يضمنه الشعب الفلسطيني لقضيته، ونُصرة ومؤازرة عربية للقضيّة، لما رأينا اليوم قادة حركة حماس يزورون، ولمدة اسبوع، قادة ايران. نتائج سياسة امريكا في المنطقة ارتدتْ سلباً على مكانة وهيبة امريكا، وارتدتْ بكوارث وانتكاسات علينا نحن العرب دولاً وشعوباً. لاعبّان اليوم يُحددان أمن واستقرار المنطقة: ليس امريكا واسرائيل، ليس امريكا وروسيا، ليس امريكا وتركيا، وانما امريكا وايران .
كلاهما سوف يلتقيان، وكلٌ حسب طريقته، على طريق ” أمن واستقرار المنطقة “، مفهوم سمعناه وتعايشنا معه منذ ستينيّات القرن الماضي حين كانت العلاقات الامريكية الايرانية في وّدٍ ونعيم، ونعيشه اليوم، والعلاقات بينهما في خصام وجحيم .
اليوم، تعاني ايران اقتصادياً ومعاشياً، لكنها تتأهل معنوياً وعسكرياً، ليس فقط لدور أساسي في المنطقة، وانما لمزيداً من النفوذ والهيمنة في المنطقة .
امريكا الآن لا تريد الآمان لاسرائيل من العرب، ولايهمها العرب، وانما تُريده من أيران، ويهمها ايران ومستعدة للمساومة بالغالي والرخيص من اجل ذلك . ونستشهد بما تناقلته وسائل الاعلام الغربية والعربية بأنَّ نتنياهوهوالذي هاتفَ الرئيس ترامب،ورجاه بعدم الرّدْ على اسقاط الطائرة الامريكية المُسيّرة .
مُضيّ العرب في طريق التطبيع والود وتبادل الزيارات والصور، ومجاناً، مع اسرائيل، هومساهمة منهم (من العرب ) في زيادة نفوذ ايران، ليس فقط في مجال القضيّة الفلسطينية، وانما في المنطقة .
اختتمُ بأعادة عنوان مقالي السابق ” صبر استراتيجي لايران وحرج استراتيجي لترامب .هل من تلاقي ؟ ” وبتاريخ ٢٠١٩/٦/٢٤ .
أمنْ واستقرار المنطقة سيقود امريكا الى التلاقي والتراضي مع ايران . وما يدور اليوم من حرب في الأطراف هوتأهيل لهذا اللقاء .
2019-07-26