كيف استفادت الولايات المتحدة الأمريكية من الحرب الروسية على أوكرانيا ؟
عميرة أيسر
لطالما اعتبرت دول أوروبا وخاصة الغربية منها الولايات المتحدة الأمريكية بمثابة الحليف الموثوق الذي يمكن الاعتماد عليها جيواستراتيجياً وأمنياً وعسكرياً واستراتيجياً وحتى اقتصادياً بدرجة كبيرة لضمان أمنها القومي وسيادة دولها الوطنية، وعملت من أجل ذلك على تعزيز نفوذ العم سام في دول القارة العجوز، وذلك من خلال إقامة قواعد عسكرية أمريكية في مختلف دول القارة وحتى تلك الدول التي كانت حتى وقت قريب محسوبة على الاتحاد السوفياتي، وأصبحت دولها بمثابة الخزان البشري والمادي واللوجستي والاقتصادي لبناء المنظومات والأحلاف الاقتصادية والعسكرية التي مكنت أوروبا من الصمود خلال فترة الحرب الباردة في وجه المارد السوفياتي، الذي أصبح هو العدو اللدود للولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية، وذلك بالرغم من أن الأسطول البحري الروسي تاريخياً هو الذي منع تفكك و انقسام بلاد العم سام لدولتين الأولى شمالية برعاية بريطانية التي كانت تريد ضم أراضي الولايات المتحدة الأمريكية الشمالية لتصبح جزءاً من كندا، والثانية تشمل الأقاليم الجنوبية من أمريكا لتصبح تابعة لدولة المكسيك، فالسفن التابعة للأسطول الامبراطوري الروسي في ذلك الوقت والتي ظهرت قبالة سواحل نيويورك وسان فرانسيسكو قد أجهضت المشروع البريطاني الفرنسي الذي كان يهدف لتقاسم النفوذ في الولايات المتحدة الأمريكية مستفيدين في ذلك من الحرب الأهلية التي وقعت بين الشماليين والجنوبيين أنذاك والتي استمرت من سنة 1861م لغاية 1865م ، حيث اقترح جيش الاتحاد الانفصالي الذي كان يضم 11 ولاية أمريكية جنوبية على نابليون بونابرت الثالث منحه ولايتي كاليفورنيا ولويزيانا، في مقابل مساعدتهم في حربهم ضدّ الشماليين، وهو الذي كان يطمح لاستعمار المكسيك بشكل دائم وضم تلك الولايات الأمريكية إليها.
فالإمبراطورية الروسية التي وقفت إلى جانب الامريكيين، وباعت لهم ألاسكا لهم بسعر رمزي يقدر بحوالي 7.2 مليون دولار في سنة 1867م، وهو المبلغ الذي يعتبر مبلغاً زهيداً جداً مقارنة بحجم ثرواتها ألاسكا الضخم، حيث بلغ دخلها الإجمالي45 مليار دولار في سنة 2007م، وتحتل بذلك المرتبة 45 على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية، إذ احتلت المرتبة 15 في تصنيف دخل الفرد الذي بلغ أكثر من 40 ألف دولار في العام نفسه. مثلما ذكر موقع TRTعربي، بتاريخ 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2021م، في مقال بعنوان ( ألاسكا…….154 عاماً على شراء أمريكا، خمس أراضيها من روسيا” ب” ثمن بخس”).
ولكن هذه العلاقات قد بدأت في التدهور مع مطلع القرن 20م، بسبب دعم الإدارة الأمريكية عن طريق رجال الأعمال والمصرفيين اليهود ومنهم جاكوب شيت للثورة البلشفية التي كان الهدف الرئيسي منها هو القضاء على أسرة رومانوف وتقسيم روسيا والاستيلاء على مخزونها من الذهب وتدمير الأسطول البحري الروسي، وتولى تروتسكي القيام بهذه المهمة والذي قدم له جاكوب شيت مبلغ 20 مليون دولار مثلما جاء في كتاب السمفونية الحمراء للدكتور جوزيف لاندوفسكي، والذي كان عبارة عن مخطوطات وجدت فوق جثته في أحد الأكواخ على جبهة بترو غراد، وهي المخطوطات التي عثر عليها جندي اسباني كان ضمن اللفيف الاجنبي في الجيش الألماني الذي كلف باحتلال هذه المدينة السوفياتية، وبمجرد عودته إلى اسبانيا عرضها على أحد اصدقاءه الذي كان رئيس تحرير أحد الجرائد الشهيرة هناك، والذي قام بنشرها على شكل كتاب في سنة 1956م بعد عامين من البحث والتحري عن صحة الأسماء والأماكن التي ذكرت في تلك المخطوطات، وقد أثار ذلك الكتاب ضجة كبرى لما تضمنه من معلومات صادمة ومذهلة، و التي أخفاها جوزيف ستالين حتى عن أقرب الناس إليه طوال فترة حكمه، حيث تم التحفظ عليها في الأرشيف السري لجهاز المخابرات السوفياتية K.J.B، وقال حينها ” ان هذه المعلومات بمثابة قنابل نووية يمكن أن تفجر العالم”.
فأمريكا التي انقلبت منذ بدايات القرن الماضي على روسيا تريد احتلالها مستعينة في ذلك بحلفائها الأوروبيين، وقد ظهر ذلك جلياً خلال الحرب الروسية على أوكرانيا والتي هي في جوهرها حرب عقائدية دينية بين اتباع مذهب الهاسكالا الذي يعد الفيلسوف والمفكر اليهودي موسى مندلسون من أبرز مؤيديه، وهو المذهب الذي يمثل اليهودية العلمانية التنويرية التي تدعو إلى ضرورة احتفاظ اليهود بديانتهم والانفتاح على الثقافة ونمط العيش الأوروبي، والتي يمثلها حالياً كل من الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن والأوكراني زلنسكي، وبين تيار حركة حباد الحسيدية المتطرفة التي تدعو إلى الصدام المباشر مع الآخرين من غير اليهود، والتي يمثلها كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الاسرائيلي السّابق نتنياهو بالإضافة إلى دونالد ترامب، باعتبار أن كل هؤلاء مرتبطين بالماسونية العالمية على عكس ما يروج في الإعلام الدولي التابع لروبرت ماردوخ الصهيوني في معظمه، ويخدمون مشروع أسراءيل الكبرى بطريقة أو بأخرى، ويعتبر الكثير من المؤرخين اليهود الزعيم الروحي لهذه الحركة مناحيم مندل المؤسس الفعلي والحقيقي للكيان الصهيوني. كما ذكر موقع وكالة أنباء فارس، بتاريخ 29 ديسمبر / كانون الأول 2016م، في مقال بعنوان (ماهي حركة حباد اليهودية التي احتفلت في البحرين، وما هي أهدافها؟).
فالحرب الروسية على أوكرانيا التي دفعت أوروبا ثمنها غالياً على كافة الأصعدة والمستويات جعلت من الولايات المتحدة الأمريكية هي المستفيد الوحيد تقريباً منها حيث تضطر الدول الأوروبية لدفع مبالغ طائلة لأمريكا من أجل شراء مختلف الأسلحة المتطورة التي تقدمها بدورها للجيش الأوكراني، بالإضافة لعشرات المليارات من الدولارات التي ستدفعها تلك الدول الأوروبية لواشنطن من أجل تغطية ديون أوكرانيا المستحقة للإدارة الأمريكية التي قدمت حوالي 2.2 مليار دولار كقرض لكييف و الدول المجاورة لها من أجل شراء معدات وأسلحة أمريكية متطورة للدفاع عن نفسها في وجه الخطر الروسي، وقد سبقها تقديم مساهمة مالية بلغت 4 مليار دولار لنظام زلنسكي في السنة المالية التي انتهت في شهر جزيران/ يونيو. كما ذكر موقع فرانس 24، بتاريخ 8سبتمبر/ أيلول2022م، في مقال بعنوان (مساعدة أمريكية بقيمة 675 مليون دولار لأوكرانيا لشراء أسلحة و ذخائر وأنظمة دفاعية).
وكذلك فإن الخزينة العامة للاتحاد الأوروبي ستدفع مئات المليارات من الدولارات لشركات الطاقة الأمريكية من أجل تزويدها بشحنات منتظمة من الغاز لسدّ احتياجاته من هذه المادة الطاقية، بعد أن قطع بوتين امداداته عن معظم بلدان أوروبا التي فرضت عقوبات اقتصادية على موسكو بأوامر أمريكية، وهذا ما سيؤدي لانتعاش الاقتصاد الأمريكي وتقليل نسب التضخم، وخاصة وأن أسعار الغاز قد ارتفعت مؤخراً في الأسواق الدولية.
فأمريكا التي استغلت معظم الدول الأوروبية أثناء وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية عن طريق مشروع مارشال الذي قدمت بموجبه مساعدات اقتصادية ومالية ضخمة بقيمة 13 مليار دولار لتلك الدول من أجل إعادة بناء اقتصادياتها وبناها التحتية المنهارة بعد نهاية تلك الحرب المدمرة، تريد تكرار نفس السيناريو تحت غطاء الحرب الروسية الأوكرانية، فهذه الحرب قد سببت الكثير من الأضرار الاقتصادية لهذه الدول، التي تعتبر من أشد المتضررين من أثارها وتبعاتها الاقتصادية، فعوض شراء القمح والشعير والذرة من أوكرانيا وبأسعار زهيدة نوعاً ما، ستضطر لشراء احتياجاتها من هذه المواد والمحاصيل الزراعية من الشركات والأسواق الأمريكية وبأسعار باهضة، بعد أن تضررت الشركات الأوروبية من نقص الأسمدة الزراعية وارتفاع أسعارها في الأسواق الدولية.
فالدول الأوروبية تعد الخاسر الأكبر بعد أوكرانيا من جراء هذه الحرب التي تعمل واشنطن على إطالة أمدها لأنها المستفيد الأكبر من تبعاتها وأثارها السلبية التي خلفتها على اقتصاديات دول أوروبا الغربية بالخصوص، وعلى القادة الأوروبيين بالتالي العمل على تبني استراتيجية أوروبية موحدة من أجل ايقاف هذه الحرب التي لن تخدم إلاّ الولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة لروسيا والصين، التي ستنتعش اقتصادياً وتزيد مداخيلها من العملات الصعبة في مقابل انهيار اقتصاديات دول القارة ودخولها مرحلة الانهيار والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي ستهدد بتفككها لعدة دويلات متناحرة فيما بينها.
– كاتب جزائري
2022-11-07