كيسنجر .. إدارة الأزمة وبناء المستقبل!
إميل أمين.
في السابعة والتسعين من سنوات عمره الطويل، لا يزال العالم يهرع إليه، إنه العقل الاستراتيجي الأكبر، والمفكر والسياسي الأمريكي الأشهر في الولايات المتحدة الأمريكية طوال أكثر من خمسة عقود.
حين يدور الحديث عن هنري كيسنجر، فأنت لا تعرف وقتها أهي مصادفة قدرية أم موضوعية، أن تتشابك خيوطه، وتتقاطع خطوطه مع الصين، منشأ فيروس كورونا، ذاك الذي حوّل نهار البشرية إلى قلق، وجعل من ليلها أرق.
عبر صحيفة “وول ستريت جورنال” الشهيرة، كتب كيسنجر في الأيام القليلة الماضية مقالا عنوانه:The Coronavirus Pandemic Will Forever Alter the World Order “جائحة فيروس كورونا ستغيّر النظام العالمي إلى الأبد “.
وكعادته، ومثل زرقاء اليمامة ، بدا كيسنجر بعيد النظر، فيما يخص الرؤية الأممية، لكن التحقيق والتدقيق في سطور المقال يقودان إلى القطع بأن كيسنجر هو عنوان الوفاء والولاء لفكر سيادة أميركا، من غير أن يصاحب الإيمان العميق بهذا التوجه ارتباط جذري بتوجهات المحافظين الجدد أو أي وشائج لطرح “القرن الأميركي”، بمعنى أن تكون المائة عام التي بدأت مع الألفية الثالثة، أميركية بامتياز.
يستلفت النظر، أول الأمر، وصف كيسنجر للحظة الآنية العالمية بأنها سوريالية، وهي حركة فنية أدبية تعني بما هو “فوق الواقع”، وما يتجاوز النظام أو المنطق، وهذا ما خلّفه كورونا بالفعل حول البسيطة، من أدناها إلى أقصاها.
كيسنجر مهموم ومحموم بالولايات المتحدة الأميركية، في المبتدأ والخبر، والمقارنة عنده حاضرة بين أوضاع أميركا في زمن الحرب العالمية الثانية، حين كان هنري الشاب جنديا في فرقة المشاة الرابعة والثمانين في “معركة الثغرة” عام 1944، وكيف أنها كانت مجتمعة على هدف وطني عظيم، وبين حال أمريكا اليوم، وهي بلد منقسم، وفي حاجة ماسة، إلى حكومة فعالة بعيدة النظر، ضرورية للتغلب على العقبات غير المسبوقة سواء في حجمها أو نطاقها العالمي.
ما سطره كيسنجر، عبر الوول ستريت، لا يمكن بحال من الأحوال نزعه عن سياق رؤيته للصين منذ أوائل سبعينيات القرن العشرين.
في الرابع والعشرين من فبراير من عام 1972، تَحدث كيسنجر، وكان وقتها يشغل منصب مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون، موجّها خطابه إلى رئيسه بالقول: “إن الصينيين خطر مثل الروس على حد سواء، وحتى إنهم في المنظور التاريخي أكثر خطورة من الروس”.
في ذلك الوقت، أي قبل خمسة عقود، تنبأ كيسنجر بأن الرئيس الأميركي القادم بعد عقدين من الزمان، إذا كان حكيما، فإنه سيعتمد على الروس في سياسته ضد الصين.
ووقتها اقترح كيسنجر على نيكسون استخدام “لعبة توازن القوى”، واستغلال التناقضات القائمة بين موسكو وبكين، فقد كانت واشنطن في حاجة لإظهار تقرُّب ولو زائفا من بكين، بغرض التأثير على النهج السوفيتي، ومعاقبتهم إن أمكن دون إشعال فتيل حرب عالمية.
يتساءل المرء، هل كان كيسنجر مرة أخرى، هو عقل ترامب الفاعل، في إحداث التوازنات المطلوبة، لكي تبقى أميركا الرقم الصعب وصاحبة المركز الأول الذي يتطلع إليه ترامب، وحتى قبل دخوله البيت الأبيض؟.
باختصار غير مخلّ، يمكن القطع بأن العلاقة بين ترامب وكيسنجر كانت ولا تزال عميقة، حتى قبل أن يدخل الأول البيت الأبيض رئيسا مثيرا للجدل، بطباعه وشخصيته الإشكالية، وقد ابتعثه إلى الصين في أبريل من عام 2016، وفي عمق معركة الانتخابات الرئاسية، ما استدعى وقتها علامة استفهام: “هل يعد الرجل التسعيني ونيّف هو المخطِّط الجديد لإستراتيجية الأمن القومي الأميركي، وتشارعاتها وتنازعاتها مع الصين على وجه الخصوص؟.
قدّم كيسنجر لترامب بضعة أسئلة جوهرية ومحورية لبناء رؤية مستقبلية للقرن الأميركي، وغالب الظن أن ترامب اعتمدها في غير تؤدة أو رويّة، إذ ليس له دالة على الفكر السياسي العميق بخلاف الناصح المغرق في قراءاته ودراساته عن شبنجلر وتوينبي وكانط، والمستلهم توجهاته من عند مترنيخ وبسمارك، وهي أسماء حكماء لم تتقاطع طولا أو عرضا مع ترامب رجل الأعمال وصاحب فن الصفقات العقارية.
“ما هي الأشياء التي نسعى لتحقيقها؟ وما هي الأشياء التي نحاول تجنُّبها حتى لو كان يجب محاربتها بشكل شخصي؟ والأجوبة على هذه الأسئلة هي الركائز الأساسية للسياسة الخارجية الأميركي، والتي ينبغي أن تشكّل أساس القرارات الإستراتيجية التي يتخذها أي رئيس”.
كانت هذه هي وصفة كيسنجر لترامب، لكن من الظاهر للعيان أن الأخير قد استنفذته معارك فرعية عديدة على الطريق، منها ما هو داخلي، لا سيما مع الديمقراطيين، وبعضها خارجي، جُلُّه مع الصينيين، عطفا على إيران وكوريا الشمالية، بالإضافة إلى النقاش الطويل مع الأوربيين حول الأوضاع الاقتصادية.
غير أنه، وعلى حين غرة، كانت قارعة كورونا المستجد، والتي رأى فيها كيسنجر لحظة تحوّل مفصلي وعلامة فارقة في سجل التاريخ الإنساني المعاصر، فهل رأى ثعلب السياسة الأميركية، ولو من على البعد، لحظة دراماتيكية معولمة قائمة وقادمة؟.
يمكن أن يكون الأمر كذلك، فالنتائج في تقديره ستخلف اضطرابات سياسية واقتصادية قد تستمر لأجيال على حسب تقديره، كما أنه لا يمكن لأية دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة ، أن تتغلب على الفيروس في جهد وطني محض.
في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، تلك اللحظة التي خُيِّلَ للأمريكيين معها أنهم تربّعوا على عرش القطبية المنفرد، وباتت مصائر وأقدار العالم طوع أمرهم، اعتبر العم سام أنه زمن “النظام العالمي الجديد”، وفيه أميركا الاستثنائية، قادرة على القيادة والريادة بمفردها.
اليوم يكاد كيسنجر يلغي هذه النتيجة، والتي تعد قفزً على حقائق التاريخ وطبائع الجغرافيا، جازما بأن المعالجة الجذرية لتبعات واستحقاقات كورونا لا بد لها من أن تقترن في نهاية المطاف برؤية وبرنامج تعاون عالميين، وإذا لم يحدث ذلك فإن الأسوأ سيواجه الجميع.
لا تخلو جعبة كيسنجر من أطروحات، هي في واقع الحال ومن باب خلفي، تحفظ لأميركا موقعها وموقفها، حتى وإن كانت المتقدّم بين متساوين primus inter pares. وعنده أن خطة مارشال ومشروع مانهاتن يقدمان لنا دروسا وعِبَرًا نخلص منها إلى ثلاث ركائز: مزيد من العلم لدعم المرونة العالمية تجاه الأمراض المعدية، والسعي لمعالجة جراح الاقتصاد العالمي، لتحجيم تدايعات الفوضى الوشيكة، لا سيما الواقعة على الضعفاء حول العالم، وأخيرا العمل على حماية مبادئ النظام العالمي الليبرالي، والدفاع عن قيم التنوير لتستمر ديمقراطيات العالم.
العالم بحسب كيسنجر في طريقه إلى معركة عالمية فكرية طاحنة، سوف تتبدى ملامحها ومعالمها، بعد وقف الجائحة أو عكسها، وتاليا الخلاص منها صحيا، وساعتها ستتمّ مساءلة الأيقونات المؤسساتية، والنظريات الأيديولوجية التي حكمت العالم منذ الحرب العالمية الثانية حتى الساعة.
العالم على شفير هاوية، فإما النجاح في إدارة الأزمة، أو الفشل الذي يمكن أن يؤدي الى حرق العالم.
كاتب ومحلل سياسي
2020-06-24