كلمة السفير علي محسن حميد
في أربعينية د. أبو بكر السقاف ، بمقر حزب التجمع الوحدوي التقدمي بالقاهرة
السيدات والسادة الكرام
اسمحوا لي في مستهل كلمتي أن أتقدم بجزيل الشكر لقيادة حزب التجمع وللصديق العزيز نائب رئيس الحزب والنائب البرلماني الأستاذ عاطف مغاوري على استضافتنا في هذه القاعة الرحبة لإحياء أربعينية علم من أعلام اليمن ومناضل حقيقي، هو المفكر والكاتب والفيلسوف وأستاذ الفلسفة بجامعة صنعاء الدكتور أبو بكر عبد الرحمن السقاف، الفيلسوف الأول في اليمن بدون منازع وفقيد الحركة الوطنية اليمنية .إن أفضال حزب التجمع علينا لاحصر لها ففي هذه القاعة تم في فبراير عام ٢٠٠٧ إحياء الذكرى الخامسة لاغتيال الشهيد جار الله عمر الذي أتى الرئيس علي ناصر محمد خصيصا من دمشق للمشاركة فيها ليتحدث عن جارالله حديثا من العقل والقلب ومن المعرفة الوثيقة به ولكن دموعه التي انهمرت بغزارة لم تمكنه من إكمال إلقاء كلمته وكان هذا أيضا حال الدكتور حسن أبو طالب الذي عرف جار الله عن قرب وكتب عنه بعد اغتياله مقالين في الأهرام ومقال طويل في مجلة “وجهات نظر” الشهرية ١١١١
ج١وهو كما نعرف أهم خبير مصري في شؤن اليمن . وشاركنا في تلك المناسبة الصديق العزيز الأستاذ أحمد الجمال كمتحدث وهو معنا الآن يشرفنا بحضوره ومشاركته بكلمه يكرم بها د.السقاف الذي عرفه وهو بذلك يؤكد علي تاريخية الروابط اليمنية – المصرية وأبديتها.
نضال السقاف ضد جمهورية نهاية التاريخ :
اعتقد البعض أن تغيير النظام السياسي من ملكي إلى جمهوري عام ١٩٦٢هو كل الغاية ونهاية الطريق وليس الوسيلة لإحداث تغييرات اقتصادية وسياسية ذات معنى. هذا الوضع أدركه د. السقاف في وقت مبكر وكرس جهده للدعوة إلى جمهورية حقيقية تُلمس إنجازاتها في الواقع المعاش وتهتم بتنمية الاقتصاد والإنسان وتُحترم فيها كافة الحقوق بما فيها حق العمل والتعليم والحريات للرجال والنساء سواء بسواء. كان السقاف يرى في التحديث الذي حدث منذ سبتمبر١٩٦٢ في الجمهورية العربية اليمنية تحديثا سطحيا لم يؤثر في البنية القديمة التي ازدادت قوة وتمكنت من إفراغ الجمهورية من قيمها ومضامينها حتى أصبح النظام الجمهوري المكسب الأوحد في نظر الكثير من اليمنيين .ولم يكن ماحدث بعد انقلاب ٥ نوفمبر ١٩٦٧ بعيدا عن قناعته وخاصة بعد تغييب أدوار جمهوريين حقيقيين من الفعل السياسي وما تلاه من تجاهل لمبدأ المواطنة كأساس للعلاقة بين الدولة والمواطن. كانت المواطنة لديه مساوية للجمهورية وللحداثة وبغيابها يبهت كل ادعاء مخالف. إن تجاهل مبدأ المواطنة في الممارسة السياسية هو مادفع جارالله عمر للتشديد عليه قبل وبعد الوحدة مع إضافته لكلمة “المتساوية” إلى المبدأ. وفي الحقيقة أنه لو طبق هذا المبدأ كثقافة وسياسات لما أمكن عقب انقلاب ٥نوفمبر١٩٦٧التخلص بالتصفيات الجسدية والسجن والفصل من العمل والتشريد لجمهوريين دافعوا عن الجمهورية بدمائهم وأموالهم منذ قيامها وحتى الانتصار في حصار السبعين وكانت مكافآتهم فوق ماسبق ذكره الاتهام بالطائفية التي لم تكن لتصدق إلا على من مارسها فعلا من بعض ساسة وعسكر الانقلاب .
كان دفاع السقاف عن الحريات الفردية جزء لايتجزأ من ثقافته التي لم تقبل التمييز والانتقاء. وقد يكون الماركسي الوحيد الذي وقف ضد اعتقال صحفي إسلامي ينتمي إلى إخوان اليمن من قبل جهاز الأمن الذي وصفه ب” جهاز لنظام حكم سلطاني في دولة سلطانية. وقد عرّف السقاف في كتابة الذي نشر في القاهرة بإسم مستعار هو محمد عبدالسلام السلطنة في كتابة “الجمهورية بين السلطنة والقبيلة في اليمن الشمالي” بأنها “السلطة المطلقة للحاكم وغياب نظام تمثيلي يقوم على المواطنة” ونجح السقاف في سعيه لاستعادة الصحفي الإسلامي لحريته. وكماركسي أيضا وقف ضد سجن شابة هي بسمة الزغير بعد أن لقي والدها رجل الأعمال محمد سالم الزغير مصرعه في جريمة زُعم أنها “غامضة” ولكن كان السقاف على ثقة بأن القتلة محميون من سلطة عليا وأنهم طلقاء فيما الإبنة بسمة في السجن منذ ليلة الجريمة ،وقد تابع قضيتها الكاتب الصحفي مؤسس ورئيس جريدة النداء سامي غالب الذي تسلم ملف القضية من السقاف ونجح في سعيه الحثيث للإفراج عنها ولكن بعد عام تقريبا.
خطف السقاف:
ناصبته السلطة ومن تعاون معها من بيروقراطيين وشخصيات محسوبة على الفكرالتقدمي وغير التقدمي العداء ولم يسلم السقاف من أذى السلطة المتوحش لأنه كان يناهضها وسط استسلام كثيرين لسياساتها ولسطوتها. تلك السلطة كانت تفعل غير ماتقول وكانت تقوم بدور تضليلي يناقض خطابها الإعلامي والسياسي عن ثورية نظامها وديمقراطيته والتزامها بتطبيق مبادئ الثورتين اليمنيتين سبتمبر واكتوبر واتفاقات الوحدة عام ١٩٩٠ واحترامها للحريات العامة بينما ما كانت تقوم به من أعمال لاتقوم به إلا عصابات المافيا التي اعتادت اغتيال رجال القضاء ورجال الأمن والمنشقين من بين صفوفها. تعرض السقاف من قبل مافيا النظام لاختطافين الأول في ١٠ فبراير ١٩٩٥ والثاني في ٢٤ ديسمبر 1996وهي الفترة التي تحالف فيها نظام صالح مع حزب الإصلاح الإخواني، أمنياً وماليا وسياسيا وعسكريا. واقتباسا من مقال للأستاذ منصور هايل فقد كان الاختطاف الثاني هو الأكثر بشاعة وهمجية حيث قامت عصابة مسلحة تابعة للدائرة الأمنية برئاسة الجمهورية باختطافه وتكبيله وضربه بالعصي الكهربائية ورمي جسده وهو ينزف دما في قرية” بيت بوس” وهي إحدى ضواحي صنعاء البعيدة حينذاك والتي لم تكن مأهولة بالسكان وقد أصيب السقاف بكسور في أكثر من موضع في جسمه وفقد إحدى عينيه وقد ساعدته بنيته القوية وإرادته الأقوى على النهوض مرة ثانية ولم يَكبُ أبدا. وقد انفردت صحيفة يمن تايمز الأسبوعية بنشر صوره وهو مضرج بالدماء وتملأ وجهه وصدره الكدمات و ما أصاب إحدى عينيه من ضرر جسيم.
ماذا كان موقف السلطة؟
عبر عن موقفها بدون مواربة الشيخ الراحل عبد الله بن حسين الأحمر رئيس السلطة التشريعية بمقولة ربما كانت عفوية أوأنها سُكّت بعناية وقصد سياسي ولشهرتها لاتزال تُردد حتى اليوم وهي “من كتب لُبِج” ، أي أن من يعارض السلطة في كتاباته فجزاءه الضرب والتعذيب الذي أصبح في نظره حقا من حقوق السلطة.اختفى هنا التعاطف مع الضحية والانتصار لمبدأ من مبادئ حقوق الإنسان والوقوف مع حق المواطن الطبيعي في حرية التعبير وفي الحماية اللذان يكفلهما الدستور الذي أقسم الرئيس الراحل والشيخ الراحل عدة مرات على تطبيقه واحترامه. وعلى العكس هاهو الشيخ رئيس حزب الإصلاح يجاهر بتأييده الصريح لخطف وتعذيب مواطن مدني أعزل سلاحه الكلمة و لم يحمل السلاح يوما واحدا في حياته. ولاشك أنه لو كان للسقاف قبيلة وعصبية تحميه لتغير موقف الشيخ ولكنه لم يكن يملك من وسائل القوة سوى أعداء كل استبداد : القلم، والفكر الحر، والشجاعة، والموقف. إن تفويض الشيخ للسلطة بالتعذيب وصمت إدارة جامعة صنعاء وزملاء السقاف في المهنة وطلاب الجامعة وكُثر غيرهم كان دليلا على تفشي سياسة القمع وشيوع أجواء الترهيب. كان ذلك الصمت رسالة للسلطة بأن لااعتراض على أفعالها وعلى ما تقوم به من انتهاكات ومخالفات كبيرة للدستور ولقيم المجتمع والقوانين. أماالسلطة فكانت رسالتها هي أن هذا هو جزاء من يعارض نظامها الذي لايحق لأحد معارضته..لقد جعل نظام صالح الخطف والاغتيال وخاصة قبل وبعد حرب ١٩٩٤ حوادث عادية لكثرة حدوثها ولعدد ضحايها الكبير .
لم يكن للسقاف طموح شخصي وما كان يريده فقط هي جمهورية حقيقية وليس جمهورية العصبيات النوفمبرية التي لاعلاقة لها بما تحمله الجمهورية من أهداف ومبادئ ،وخاصة بعد قيام الوحدة التي كان من إنجازاتها الورقية : التنمية المجتمعية مع دور رائد فيها للقطاع العام بنص الدستور قبل أن يعدل بعد حرب عام 1994، التعددية السياسية، الديمقراطية، حرية التعبير والمواطنة المتساوية.
رأى السقاف عن حق بأن جمهورية دولة الوحدة انحرفت عن مسارها وأصبحت جمهورية خوف وعظما غير مكسو بسياسات تخدم مصالح الناس كافة .لقد كان من واجب السلطة التشريعية أن تسن تشريعا يحرم انتهاك حقوق الإنسان و الاغتيالات والخطف والتعذيب في السجون وخارجها ولكنها تماهت مع السلطة ولم يكن ماقاله الشيخ الأحمر سوى تعبير خام عن قبول الإسلام السياسي لتعذيب الخصوم وعن غياب الثقافة المؤسسية والشعبية للدفاع عن حقوق الإنسان للمعارضين السياسيين الذين يكفل الدستور حقهم في ممارسة هذا الواجب والحق.
إن الخطف والتعذيب يقعان ضمن عقوبات حد الحرابة الذي تجاهله “أنصارالشريعة” ، المسيسة، كمصدر وحيد للقوانين والسياسات الذين رفضوا باستماتة النص السابق، مصدر رئيسي للقوانين. “” تطبيق حد الحرابة :
كان ينبغي في دولة ينص دستورها على أن “الشريعة هي المصدر الوحيد للتشريع” أن يطبق حد الحرابة على كل من له صله بتنفيذ جريمة خطف وتعذيب السقاف.هذا المبدأ تؤيد تنفيذه مذاهب إسلامية عديدة ويطبق وفقا لها على من يعتدي على النفس ويعترض على المصلحين ويضع العقبات في طريقهم ومن يخطف مسلما ويهدده بالسلاح ويصدق هذا حتى على من يتلف الزرع ويقتل المواشي، كما يطبق على من يسلبون الناس أموالهم في القطاعات الحكومية.لقد فقدنا الجمهورية التي نادى بها السقاف و تحولت في سنوات ماقبل ثورة الشباب السلمية عام ٢٠١١ إلى جمهورية وراثية ومجرد إسم وعلم ونشيد وطني وتحقيق المصالح الخاصة وإهدار المال العام، يحكمها رئيس، وُصف بالرئيس الرمز الذي كان يرى أن من حقه أن يكون فوق الدستور والقوانين ولايراعي مصالح المجتمع ويغتال من يريد. وهو الذي شن حربه عام ١٩٩٤ تحت غطاء “الشرعية الدستورية” وبهذا المحتوى والنهج نقل الجمهورية تعسفا من فجر التاريخ إلى نهايته وحكم عليها بالإعدام. وفي ختام هذه الفقرة أذكر عبارة صالحة لهذا السياق قالها أحد المسؤلين للراحل أحمد محمد الحربي أوردها في كتابه من فكرة الثورة إلى دولة الوحدة ، ١٩٥٨- ١٩٩٠، هي” قلتم تشتوا جمهورية أدينا لكم جمهورية وقلتم تشتوا وحدة أدينا لكم وحدة …ماعد تشتوا ؟.
الوحدة: السقاف انفصالي
الوحدوي منذ ريعان شبابه والمؤسس الأول للعمل النقابي الطلابي اليمني الموحد في خمسينيات القرن الماضي بالقاهرة الذي رأس أول تنظيم طلابي يمني وصاغ بيان الاتحاد في ٢٣ يوليو ١٩٥٦ الذي أكد على وحدة اليمن الطبيعية، حوله نظام الرئيس صالح إلي انفصالي لأنه لم يكن في صف نظامه وعارض علي سياساته قبل الوحدة في الشمال وبعدحرب ١٩٩٤ في الجنوب وهي السياسات التي أفضت إلي الوضع الكارثي الذي تعيشة اليمن اليوم ومن نافلة القول أن السقاف تحمل التعذيب وقطع راتبه وفصله من الجامعة لأنه كان وحدوياً ولو كان انفصاليا لاحتضنه صالح. والحقيقة أن التعذيب والضغط المالي والوظيفي على السقاف كان يهدف إلى الضغط عليه وإجباره على ترك صنعاء والذهاب إلي عدن. كان بمقدوره أن يفعل مافعله غيره من تلقاء نفسه لو كان يفكر فقط بمصلحته، والأمثلة لاحصر لها، وأن يقرر الذهاب إلى الجنوب حيث كان يستطيع أن يعيش ويعمل هناك بأمان ويكون أكثر قربا من أسرته ورفاقه ولكنه كان يشعر أن الوطن واحد وأن عليه قبول ضريبة مواقفه وأنه كصاحب رسالة لن يتخلى عن أدائها في المكان والمجتمع الأكثر حاجة إليها، والحاجة إليها كانت في الشمال أكثر من الجنوب. وعندما قامت الوحدة عام ١٩٩٠ تحقق أحد أحلامه ولكنه حذر من عواقب التسرع في تحقيقها وقد حدث ماكان يخشاه هو وشاعر اليمن العظيم عبد الله البردوني نتيجة الهرولة السياسية المتبادلة. البردوني والسقاف لم ينظرا كغيرهما إلى الوحدة من منظور عاطفي بحت وكانا يدركان عواقب الوحدة مع نظام صالح ولم تكن كارثة حرب ١٩٩٤ إلا إحدى مخرجات الهرولة، وموقف السقاف والبردوني منها معلوم ومدون. وبكل تأكيد أنه لو كان المناخ السياسي حينها يسمح لاتُهم السقاف بالكفر والردة والشيوعية وهي التهم التي وجهت إلي أ. د. حمود العودي وحوكم عليها غيابيا عام ١٩٨٥ وطلب منه الاستتابة أو تنفيذ عقوبة القتل فيه قبل سماع وحهة نظره. كان تكفير د. العودي نتيجة شكوى سياسية من أربعة من قادة الإخوان على رأسهم النائب البرلماني عمر أحمد سيف رفعوها إلى الرئيس صالح الذي استجاب فورا و أمر النيابة بالتحقيق مع د. العودي بصفة عاجلة. لقد تسببت تهمة التكفير بلجوء د.العودي إلى عدن وهو ماكان يراد أن يفعله د. السقاف بعد عقد من الزمان .
تكريم السقاف :
في الختام فإن فقيد اليمن يستحق أن يكرم لقاء تضحياته وماقدمه لطلابه ولوطنه بتسمية قاعة في كلية الآداب بإسمه وإنشاء كرسي بإسمه في جامعة صنعاء
وشكرا لإصغائكم.
21 يناير 2023