المقال المترجم عن صحيفة “يديعوت أحرونوت” – الكاتبة: نوعا ميمان | ترجمة: الأستاذ عارف لوباني | نُشر في “الملتقى الفلسطيني” بتاريخ 26 يوليو 2025، تحت عنوان: “لماذا أعتقد أن المقارنة بالهولوكوست ضرورية؟”
——-
قراءة نقدية في نص نوعا ميمان: اعتراف من الداخل!
بقلم : خالد صالح عطية
لم يكن ما كتبته نوعا ميمان مجرد تأمل صحفي أو مساهمة في نقاش ثقافي. كان بمثابة شهادة أخلاقية مرّة، خرجت من داخل البنية الإسرائيلية نفسها. اعتراف نادر، شجاع ومروّع في آن، بأن ما يجري في غزة اليوم لا يختلف في جوهره عن أفظع ما شهده القرن العشرون في أوروبا.
ميمان، وهي ابنة المؤسسة، لا تكتفي بالملاحظة أو الاستعارة. إنها تمضي إلى المقارنة الصريحة: بين سياسات إسرائيل اليوم وبين أسوأ كوابيس التاريخ الحديث – الهولوكوست. تقول بوضوح: المجازر لا تحتاج إلى أفران غاز كي تُسمى إبادة. فالموت له أشكال أخرى؛ منها التجويع المُمنهج، والترحيل البطيء، وحرمان الناس من الدواء، والقتل المتلفز.
إنه الإلغاء لا على الفور، بل بالتقسيط – أمام أعين عالمٍ لا يستطيع الادعاء بـ”أنه لم يكن يعلم”.
لكن المفارقة القاتلة تكمن في أن هذه الصرخة التي دوّنتها ميمان، لو خرجت من فم فلسطيني، أو حتى من يهودي غير صهيوني، لاعتُبرت تحريضًا أو نفيًا للهولوكوست أو حتى “معاداة للسامية”. إن الجرأة على المقارنة باتت جريمة في عرف النظام الأخلاقي الذي بنته أوروبا حول إسرائيل، بينما هي – من داخل هذا النظام – تملك شرعية الصراخ، ولو همسًا.
تكتب ميمان: “نحن نمثل دور الله… إله رهيب، منتقم، قاتل”. ليست هذه عبارة رمزية؛ بل خلاصة لجوهر ذهنية استعمارية إحلالية ترى نفسها فوق القانون، فوق البشر، فوق الأخلاق. إنها ذهنية تعتبر نفسها ضحية أبدية، حتى حين تكون الجلاد.
تقرأ المقال كفلسطيني، فلا تدهشك التفاصيل بقدر ما يصفعك وضوحها. كل ما ذكرته، نعرفه. عشناه، وسُحقت بسببه مدننا، وقُطعت أوصالنا، وهُجّر أجدادنا. لكن الاعتراف به داخل إحدى أكبر الصحف الإسرائيلية يطرح سؤالًا أخلاقيًا كبيرًا: لماذا لا يُسمع هذا الصوت إلا حين يصدر من داخل الجدار؟
هل نحن بحاجة دائمًا إلى “ضمير من الداخل” كي يُصدّق العالم روايتنا؟
وما جدوى الصدق إذا ظلّ محاصرًا داخل النصوص، لا يُغيّر شيئًا على الأرض؟
ميمان لا تبرر، بل تُدين. لا تكتب للتكفير، بل للتحذير. إنها لا تضع مسافة بينها وبين المذبحة، بل تقول صراحة: نحن فيها، ونحن فاعلوها. وهي إذ تفعل، تعرّي المنطق الإسرائيلي – أو ما تبقى منه – الذي لا يزال يحاول الادعاء بأنه يحمل أخلاق الضحية، بينما يمارس فصول الجريمة نفسها.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نُضفي على هذه الكتابة طابعًا مخلّصًا. فالنظام الذي أنتج ميمان، والذي سمح بمقالها، هو ذاته الذي يقصف ويجوع ويحاصر ويقتل. لا بأس في أن نقرأ، أن نُصغي، أن نُسجّل الشهادة. لكن لا يجوز أن نراهن على هذا الداخل، ولا على قدرته في إيقاف آلة القتل.
فالدولة التي بُنيت على أنقاض شعبٍ آخر، وأُحيطت بشرعية دولية أُنتجت من رماد أوروبا ، لا تتغير بالاعترافات وحدها. لا سيما حين يكون العالم، الذي منحها تلك الشرعية، ما زال يستهلك موتنا كضرورة لبقاء توازنه الأخلاقي الهش.
لهذا فإن مقال ميمان مهم، لا لأنه خلاص، بل لأنه دليل إدانة.
يُضاف إلى آلاف الشهادات التي تفضح المشروع الصهيوني لا كدولة “عادية”، بل كمستعمرة محمية بمنظومة أخلاق كاذبة. مقالها يفضح إسرائيل، لكنه يفضح أيضًا صمت العالم، وعجز الإنسانية، وتواطؤ القانون الدولي.
ما كتبته ميمان يصلح أن يُقدَّم لمحكمة . لكنه أيضًا يصلح لأن يكون مرآة لأوروبا، لتُدرك أن الوحش الذي أنجبته، لم يمت. لقد تغيّر اسمه، وموضعه، ورايته. لكنه لا يزال يفعل الأمر ذاته: يُبيد، ويبرّر، ويُقنّن الجريمة.
وإذا كان هناك درس واحد من الهولوكوست الحقيقي، فهو أن السكوت هو الجريمة الأولى.
الرهان ليس على اعترافات الداخل، مهما بلغت قوتها، بل على ما يُبنى خارج هذا النظام كله.
على وعي، لا يتوسل الاعتراف.
على خطاب، لا يخاف من أن يُقارن، لأن الجريمة لا تتغير حين يُقال عنها اسمها الحقيقي.
إننا لا نريد مقالات شجاعة فقط. نريد عدالة.
2025-07-29
