في معنى أن نبقى داخل السؤال!
بقلم: خالد صالح عطية
يأتي هذا النص لا بوصفه قراءة جديدة في سلسلة الدكتورة غانية ملحيس الفكرية، بل بوصفه تثبيتًا لموقفٍ تشكّل عبر حوارٍ طويل مع الأسئلة التي فتحتها حول الفكر والسياسة وإمكان الفعل الفلسطيني.
لم يعد السؤال الفلسطيني اليوم سؤالًا عن نقص المعرفة، ولا عن غياب التحليل، ولا حتى عن عجزنا عن فهم ما يحدث. لقد فُكِّكت البنية بما يكفي، وانكشف منطق السيطرة بما يكفي، وصارت اللغة التي تشرح كيف يُدار الواقع أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. ومع ذلك، يتسع الشعور بالقلق لا بالاطمئنان، وكأن الفهم نفسه صار عبئًا جديدًا.
هذا القلق ليس ضعفًا معرفيًا، بل علامة على تحوّل أعمق: حين يصل التحليل إلى حدّه، يبدأ سؤال آخر في الظهور — ليس ماذا نعرف، بل ماذا يفعل بنا ما عرفناه.
منذ البداية، كان الفكر يقوم على رفض اختزال المأزق الفلسطيني في السياسة اليومية أو في تفاصيل اللحظة. فالمشكلة لم تكن يومًا نقص المبادرات، ولا غياب الشعارات، بل التحول التدريجي للصراع إلى إدارة طويلة الأمد؛ إدارة لا تلغي السياسة دفعة واحدة، بل تُفرغها ببطء، وتحولها إلى إجراءات، وتحوّل المجتمع نفسه إلى موضوع للضبط بدل أن يبقى مصدرًا للفعل.
في هذا السياق، يصبح أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نخلط بين الحركة والفعل، بين كثافة الخطاب وحيوية السياسة، بين إدارة الأزمة والقدرة على تغيير شروطها.
الفكر، في هذا المسار، لم يكن ملاذًا أخلاقيًا ولا بديلاً عن السياسة. بل كان مساحة مقاومة ضد اختزال المعنى. فالفكر لا يقود المجتمع، ولا ينتج السياسة نيابة عنه، لكنه يحرس المسافة الضرورية بين الفعل ومعناه؛ المسافة التي تمنع السياسة من التحول إلى تقنية إدارة، وتمنع التنظيم من التحول إلى غاية بذاته.
لهذا، كان الحذر دائمًا من تحميل الفكر ما لا يحتمله، كما كان الحذر بالقدر نفسه من الدعوات التي تبحث عن خلاص سريع عبر حلول تنظيمية أو إجرائية تبدو واقعية لكنها تعيد إنتاج المنطق نفسه الذي أوصلنا إلى المأزق.
إن التجربة الفلسطينية الحديثة تكشف مفارقة قاسية: الحوامل السياسية لا تنهار فجأة، بل تتآكل حين تتوقف عن مساءلة ذاتها. يبدأ الأمر حين يصبح الحفاظ على البنية أهم من الحفاظ على المعنى، وحين يتحول التمثيل إلى وظيفة، والسياسة إلى إدارة يومية، والنقد إلى تهديد ينبغي احتواؤه. عندها لا يختفي الفعل، بل يفقد قدرته على فتح أفق جديد.
من هنا يتحدد هذا الاتجاه الفكري بوضوح: ليس مع القطيعة الرومانسية التي تتخيل أن كل ما سبق يجب أن يُمحى، ولا مع الواقعية التي تقبل بالتكيف مع ما هو قائم باسم الضرورة. ما يُبحث عنه هو منطقة أصعب بكثير — منطقة التوتر.
التوتر بين الفكر والتنظيم، بين الحاجة إلى الفعل والخوف من تحوله إلى إدارة، بين الرغبة في الاستقرار وخطر الانغلاق. فالمشكلة ليست في وجود تنظيم أو مركز أو حامل اجتماعي، بل في لحظة تحوّله إلى مرجعية نهائية لا تقبل المراجعة. فالمطلوب ليس البحث عن صيغة تنهي التوتر، بل بناء قدرة على العيش داخله دون أن يتحول إلى شلل أو إلى طاعة.
إن السياسة الحقيقية لا تبدأ من إعلان كبير، بل من قدرة المجتمع على إنتاج فعل قابل للتجدد. فعل صغير، متكرر، يخضع للنقد، ويتغير دون أن يفقد معناه. ليس لأن الفعل الجزئي يكفي، بل لأنه يمنع الاستسلام لوهم اللحظة الحاسمة التي تحل كل شيء دفعة واحدة.
التاريخ الفلسطيني نفسه يعلّمنا أن اللحظات الكبرى لم تولد من قرارات فوقية، بل من تراكم بطيء لمبادرات صغيرة صنعت معنى جماعيًا قبل أن تتحول إلى حدث.
في هذا الإطار، لا يُرى المستقبل بوصفه مشروعًا مكتملًا ينتظر التنفيذ، بل بوصفه عملية مفتوحة تُبنى عبر التجربة والخطأ. نحن لا نحتاج إلى يقين جديد، بل إلى قدرة على العيش داخل السؤال دون أن نشلّ أنفسنا. فاليقين الكامل هو بداية الجمود، بينما الشك المنتج هو ما يحفظ السياسة حيّة.
هذا لا يعني التراجع إلى التأمل أو الاكتفاء بالنقد. على العكس، يعني الاعتراف بأن الفعل الحقيقي يبدأ حين ندرك هشاشته. أن نتحرك دون وهم السيطرة الكاملة، وأن نبني دون أن نتوهم الاكتمال، وأن نقبل بأن كل حامل سياسي يحمل في داخله خطر تحوّله إلى إدارة جديدة، ولذلك يحتاج دائمًا إلى يقظة نقدية تحرسه من الداخل.
ما يشغلني اليوم ليس كيف نصل إلى صيغة نهائية، بل كيف نمنع النهاية من أن تُفرض علينا. كيف نحافظ على المجتمع مصدرًا للمعنى لا موضوعًا للإدارة. كيف يبقى الفكر حيًا داخل الفعل، لا شاهدًا عليه من الخارج.
فالمأزق الفلسطيني ليس فقط في قوة الخصم، بل في خطر أن نتعلم لغته أكثر مما ينبغي، وأن نرد عليه بالأدوات التي تجعلنا جزءًا من منطقه.
ربما يبدو هذا الطريق أقل طمأنينة، لأنه لا يعد بخلاص سريع. لكنه، في نظري، الطريق الوحيد الذي يحافظ على إمكانية السياسة. فالسياسة ليست وعدًا بالانتصار القريب، بل قدرة مستمرة على إعادة فتح ما يحاول الواقع إغلاقه.
وربما يكون أخطر ما يواجه الفلسطيني اليوم ليس غياب الفعل، بل إغراء الاكتمال؛ تلك اللحظة التي نظن فيها أننا وجدنا الصيغة النهائية، بينما تبدأ السياسة فعليًا في الانسحاب.
في النهاية، لا أكتب من موقع من يملك إجابة، بل من موقع من يرفض أن يتحول الفهم إلى نهاية. لقد تعلمنا الكثير، وربما أكثر مما يحتمله زمننا، لكن قيمة هذا الفهم لا تقاس بكمّ ما كشفه، بل بقدرته على إبقائنا يقظين.
أن نبقى داخل السؤال ليس علامة عجز، بل شكل من أشكال المقاومة؛ لأن العالم الذي يريد تحويلنا إلى ملف قابل للإدارة، يخشى قبل كل شيء مجتمعًا يصرّ على التفكير، ويصرّ على أن يبقي المعنى مفتوحًا، وأن يرفض الاكتمال الزائف الذي يُغلق التاريخ قبل أوانه.
فحين يبقى السؤال حيًّا، تبقى السياسة ممكنة، ويبقى المستقبل، مهما بدا بعيدًا، قابلًا لأن يُعاد فتحه من جديد.
2026-02-24