في ذكرى رحيل السياب
السياب الشاعر الكبير وليس السياسي
محاولة لتفكيك العلاقة بين الثقافي والسياسي
أحمد الناصري
يعد السياب من القامات الشعرية الكبيرة والهامة، الذي يحتاج الى مزيد من الدراسة والنقد والنشر، بسبب شعريته العالية الجميلة، ومنجزة الشعري الكثيف الباهر. بإعتباره من أوائل مكتشفي الشعر العربي الحديث، وهو يملك مواصفات عالمية حقيقية، ربما يجري التعرف عليها والإعتراف بها، في حالة عودة اللغة العربية والأدب العربي الى مواقع العالمية من حيث نوعية النتاج والتأثير والمشاركة في الأدب والفكر العالمي، وتوسيع وإزدهار الترجمة من العربية الى اللغات العالمية الأخرى، الى جانب جميع النواحي الحياتية المترابطة الأخرى. مثلما حصل في حالة إنتشار أدب أمريكا اللاتينة، رغم إنها بلدان تقع في الأطراف العالمية، ولم تحقق تقدماً إقتصادياً وتقنياً، لكن بسبب قوة وحداثة الأدب اللاتيني، إضافة الى إستخدانه اللغة الإسبانية، التي توسعت وأنتشرت، بعيد سقوط غرناطة، وقيام العالم الكولونيالي الحديث، ومن ثم بداية عصر النهضة، وتحول أوربا الى المركز العالمي الجديد، وإنتشار اللغة الإسبانية في الأمريكيتين .
والسياب شاعر بالدرجة الأولى والرئيسية وأولاً وأخيراً، وله مشاركاته وآراءه السياسية، لكنها لا تشكل قضية هامة متقدمة في حياته، ربما جاءت كتأثر بسيط وسريع ومبكر بالأحداث والأشخاص الذين يحيطون به، مثل معظم الحالات في بلداننا، ثم تأثر بالتقلبات والصراعات الحادة الإجتماعية والسياسية التي مر بها، وربما أضرت بحجم منجزه الشعري ومستواه أيضاً، لإنه سيضطر للأخذ والرد، والكتابة في مجالات مفروضة عليه، وليست كتابة شعرية داخلية طبيعية.
أعتقد إن الماركسية والشيوعية قد أفادت السياب كثيراً، خاصة في تكوين بداياته الشخصية والعامة، وتعميق نظرته الإجتماعية والحياتية، وتوسيع شبكة علاقاته الثقافية والقرائية والإجتماعية والشخصية، وكل ذلك هام في عراق الإربعينات، يعني في بلد ومجتمع محدود ومتخلف، يخطو خطواته الأولى نحو التكوين الحديث والتقدم الذي لم يزل بعيداً، بلد لا توجد فيه جامعات متخصصة عريقة ولا نوادي فكرية أدبية كبيرة وفعالة، ولا صحافة أدبية متخصصة ولا ترجمة يعتد بها، وحيث تخرج السياب وكل مجايلية من معهد المعلمين العالي، الذي تحول الى كلية الآداب لاحقاً.
لقد ساهمت الماركسية والشيوعية، بإعتبارها مدرسة فكرية وثقافية هامة، بما أتيح لها من حرية شحيحة أن تنشر الأفكار الفلسفية ولو البسيطة والمختصرة، بسبب المنع والمحاربة والإرهاب الفكري الرجعي في مجتمع تقليدي، والخوف والقلق من الفكر التقدمي الجديد، والصراعات الإجتماعية التي كانت دائرة حول كل شيء تقريباً مهما كان صغيراً أو بسيطاً، ونشر المعلومات ولو المبسطة أيضاً عن المدارس والتيارات الأدبية والفنية المتنوعة، مع الميل الواضح للواقعية الإشتراكية، حتى بنماذجها النمطية التافهة، كما ساهمت الحركة الشيوعية العراقية في تشجيع الشعر والمسرح والتشكيل والقصة، وكل أنواع الفنون والآداب والأمثلة كثيرة ومعروفة. ولا أعتقد إن الماركسية في العراق على الأقل، قد حاربت ومنعت وتصدت للمدارس الأدبية الجديدة الأخرى، عدا محاربها للفكر الرجعي المتخلف المعادي للإنسان، بدليل تبني بعض الماركسيين وجهات نظر هذه المدارس، كما حصل مع بداية التجربة، ومرة أخرى في الستينيات خاصة، وهي تجربة مر بها عدد من مثقفي العالم، وهذا لا يعني عدم وجود رأي سلبي أو رافض لهذه الإتجاهات داخل الحركة الشيوعية العراقية، أو تشجيع وترويج لبعض الأسماء، وحجب أسماء أخرى، بغض النظر عن المستوى الإبداعي، وهذا يعود في أحيان كثيرة الى مستوى وثقافة الأشخاص الذين يقودون ويشرفون على العمل الثقافي في الحزب وفي صحافته الثقافية، والنظرة الى أهمية ودور الثقافة في مجتمع متخلف، وعلى طبيعة الوضع السياسي المتقلب الذي يمر به البلد الى حد كبير، وتأثير المدرسة السوفيتية ، والصراعات المحلية والعربية والعالمية، أبان الحرب الباردة.
من الضروري أن يجمع وينشر كل شيء عن السياب، وأن تنشر كل شاردة وواردة له وعنه، وكل قصاصة تركها مهما كانت بسيطة أو غير ضرورية، كجزء من ثراته الشخصي، مثله مثل الرواد الأوائل والجواهري الكبير والبياتي والملائكة وسعدي يوسف وحسين مردان ومحمود البريكان وبلند، وكل الأسماء العراقية التي شاركت في تأسيس وبناء الثقافة العراقية، وهذا تقليد عالمي رصين وراسخ، لكي تتسهل عملية قراءة حياته بشكل موضوعي دقيق، ومدى تأثيرها على تكوينه ومصادره وإنتاجه الأدبي .
لقد قرأت مادة نشرها الشاعر اللبناني عبده وازن في جريدة الحياة يوم 23 . 02 . 07 تحت عنوان مثير، لكنه غير ثقافي، لا مبرر له، رغم ثقافة وازن الجميلة :- (اعترافات» تنشر للمرة الأولى بعد 42 سنة على رحيله … بدر شاكر السيّاب «الشيوعي»… عادى الشيوعية واتهمها بالخيانة ) يقول وازن في بداية المقال ( كان الشاعر العراقي بدر شاكر السياب في الثامنة عشرة عندما انتسب الى الحزب الشيوعي العراقي. ملأ استمارة الانتساب عام 1944 مع عمه من طريق احد الشيوعيين الإيرانيين. ولكنْ لم تمض ثماني سنوات حتى انسحب منه لاعناً اللحظة التي اصبح فيها شيوعياً. وكانت قصيدته الشهيرة «المومس العمياء» التي كتبها عام 1954 هي التي حملته على الانسحاب، بعدما وجد فيها الشيوعيون نزعة قومية عربية وعادوه من جرائها. ). أعتقد إن المشكلة الأولى تكمن هنا في عمر السياب وتجربته البسيطة، وربما في طريقة إنتماءه، بإعتبارها ليست خيار شخصي وذاتي توصل له بدر بواسطة قناعاته وتطورها، ومن حق بدر وأي إنسان آخر أن ينتمي الى أي حزب أو أية حركة ثقافية أو فكرية أو سياسية، ثم ينسحب منها، وينتقدها دون أن يلعنها كما ورد على لسان الكاتب .. وكلنا يعرف طبيعة الخلافات الحادة في مجتمعنا العراقي، التي وصلت اليوم الى درجات مرعبة تشمل الجميع، فلقد جرت خلافات ومعارك فكرية وثقافية في لبنان وكذلك في مصر على نحو أقل حدة، وهي أكثر وأوسع من العراق، لكنها كانت تنتهي بشكل هادئ آخر.
يقول وازن في مكان آخر ( لم ينتسب السياب الشاب او الفتى (حينذاك) الى الحزب الشيوعي «عقائدياً» أو ايديولوجياً، على رغم اطلاعه على بعض المبادئ الشيوعية، بل كان انتسابه كما يعبَر، ناجماً عن كرهه للظلم وحبه للناس وعطفه «على الفقراء والبائسين» وميله الى الخير والعدل. ) إذن لا توجد قضية هامة في إنتماء السياب الشاب للعمل السياسي والحزبي ومن ثم تركه له، ولا توجد مشكلة في عدم تبنيه للمادية الديالكتيكية والإلحاد، ولا أدري شخصياً، إن كان السياب قد درس المادية الديالكتيكة دراسة متخصصة وعميقة ثم رفضها أم لا؟ ولكل إنسان الحق في ترك أفكار تخصص فيها أو نظّر لها، وهذا ما حصل لأسماء كثيرة هامة، لكن المشكلة بالنسبة للسياب جاءت من مكان آخر، فقد جاءت من إنجرار الطرفين الى مواقف متقابلة ومتعادية، لأسباب وعوامل سياسية صيقة وشخصية ونفسية عديدة، من أبرزها تأثير أطراف أخرى ضد الشاعر ومع الشاعر، وسلوك الدس والوشايات والمنافسة والحسد في وسط ضيق، ثم إستغلال وتوظيف كل ذلك لأغراض سياسية، خاصة من طرف الحركة القومية والتحالف الرجعي العريض، بعد دخولها في صراع تناحري حاد مع الحزب الشيوعي العراقي، ودخول السلطة بعد ثورة 58 على الخط في وقت مبكر جداً، خاصة بعد الإختلاف بين السلطة والحزب الشيوعي العراقي، يقول وازن ( بعد انسحابه من الحزب راح السياب يكتب ما يشبه «الاعترافات» متناولاً سيرته الشيوعية التي امتدت طوال تلك السنوات الثماني، فاضحاً عبرها «الوجه الآخر» للحزب و «الفكرة الشيوعية الهدّامة»، ودأب على نشر هذه «الاعترافات» بدءاً من 14 آب (اغسطس) 1959 حتى 14 تشرين الثاني (نوفمبر) من السنة ذاتها، في جريدة «الحرية» الصادرة في بغداد، تحت عنوان شامل هو «كنت شيوعياً». )، فلو نظرنا الى تاريخ نشر مقالات السياب ودققنا في تاريخها لوجدنا إنها إنطلقت مع بداية الخلاف بين سلطة عبد الكريم قاسم والحزب الشيوعي العراقي، وهو توقيت خاص، كان على جميع الأطراف أن لا يزجوا الشاعر فيه، وكان عليه طبعاً أن لا ينجر الى هذه اللعبة، وهذا لا يعني التوقف عن طرح رأيه بأية قضية يريد معالجتها. كما حاولت جهات سياسية خارجية تعمل في بيروت، ولديها واجهات ثقافية معروفة وامكانيات مادية هائلة، أن تستغل هذا الخلاف لتنشر للسياب، وهذا ليس إتهام للسياب وليس تخوين له، إنما شرح لطبيعة وأساليب الصراع الجاري في تلك المرحلة، والذي زاد من مشاكل ومعاناة الشاعر للأسف، وإستنزف طاقاته الخلاقة، ووقته الثمين، وعمره القصير، في مسارات جانبية ضيقة، لاعلاقة لها بالشعر والثقافة الحقيقة. يبقى السؤال المهم هنا ما قيمة وأثر هذه الكتابات من الناحية الإبداعية بل وحتى السياسية؟
ثم يقول وازن، ( أن السياب لم يستطع أن يكون شيوعياً، لا شخصاً ولا شاعراً، تبعاً لإيمانه أولاً ورفضه الإلحاد، ثم لنزعته القوية الى مبدأ الحرية في مفهومها الشامل،) وهذه مسأئل هامة تحتاج الى نقاش جاد ومعمق، وربما متخصص، وليس الى رأي سريع وسطحي عام على أعمدة الجرائد اليومية، او الرأي الذي ينطلق من التابو والمحرم، ومن السلوك المؤسساتي القمعي والمانع لبحث هذه المسائل التي لا تزال حساسة ومثيرة في مجتماعتنا للأسف. وفيما يتعلق بقضية الماركسية والإلحاد، فهي قضية فلسفية قديمة وعميقة نشأت مع الإنسان وظلت ملازمة له، وهي ليست مسألة دينية بسيطة وساذجة، فالإلحاد سؤال وجودي فلسفي عميق تكون ونشأ مع بداية تكون العقل الطفولي للإنسان، عندما بدء يتلمس ويكتشف المحيط الطبيعي والإجتماعي والنفسي، وسبق كل الأديان الأرضية والسماوية، وهو أنقسام شبه أزلي في تاريخ العقل البشري الذي عاشه الإنسان منذ زمن غير معلوم، قبل أن تظهر الأديان في فترة متأخرة من حياة البشرية العاقلة، والإلحاد ( أو الفلسفة المادية كما يجري هنا خلط مقصود )، هو رؤية للكون والوجود، وهو ليس تهمة أو سبة، لكي تناقش بهذه الطريقة الفجة، وترفع كراية رثة للدعاية ضد الماركسية، من خلال إستغلال مشاعر الناس البسطاء في مجتمعات متخلفة، وعلى أيدي جهلاء القوم، وأعتقد جازماً إن فيلسوفاً متديناً ومؤمناً ومتنوراً يقبل أن يدخل في جدل علمي موضوعي مع فيلسوف ملحد، دون أن يقصيه ويهدده، وربما يقبل بنتائج جديدة مشتركة، وقد جرت نقاشات وجدل مشهور في داخل جميع الأديان وفي كل المراحل التاريخية، والدين الإسلامي ومصدره الرئيسي يقول ( فمن شاء منكم فليؤمن ومن شاء منكم فليكفر ) ، وليس ماركس هو القائل إن الدين أفيون الشعوب، في خطأ شائع مثلاً، لقد كانت هذه المقولة موجودة قبل ماركس والماركسية، ثم إن الحركة الشيوعية العراقية والعربية لم تطرح في جدول أعمالها وبرامجها قضية الإلحاد والدين في مجتمعات متخلفة، لإنها تواجه مهام اجتماعية وثقافية وسياسية جديدة وكثيرة، عليها المساهمة في حلها . إن قضية الإلحاد أستخدمت بطريقة دعائية فجة ومفتعلة، لأغراض سياسية، من قبل إناس غير مؤمنين بالدين، إضافة الى موقفهم المعادي للتقدم والحداثة، ولمصالح الناس وخاصة الفقراء منهم، وتلك هي المهزلة! أما ما يتعلق بقضية مبدأ الحرية في مفهومها الشامل، فلا أحد يقف ضدها، وهو إنحياز داخلي جميل من قبل الشاعر، ولا شعر وفن وإبداع من دون حرية حقيقية شاملة، فردية وعامة، والماركسية كنظرية نقدية جديدة، لا تتعارض مع الحرية، كما لا تتعارض مع الحداثة أيضاً .لكن موضوع الحرية في الماركسية أهمل من قبل الماركسيين أنفسهم، وتحول الى مشكلة حقيقية مع التطبيقات الخاطئة والبليدة، التي صاحبت التجارب الإشتراكية .
أنني ماركسي لكنني أحب قصيدة ( المومس العمياء ) للسياب، ولا أجد فيها مفهموم قومي خاطيْ، كما إنني مثل السياب، أحب الشعوب العربية أو الشعب العربي، لا فرق عميق هنا، وأتطلع الى وحدتها وتقدمها، وأعمل على تحرير فلسطين وفق ما يريد ويطمح الشعب الفلسطيني، وفق حقوقه التاريخية الثابتة، وهو موقف يتمسك به عدد من المنظمات والأحزاب الماركسية، ولن أتوقف كثيراً عند قصيدة السياب التي يشيد فيها بالإنقلاب الفاشي عام 63، وأعتبارها نتاج للسياب السياسي الفاشل والمضطرب ولا تنتمي للسياب الشاعر الكبير، خاصة من الناحية الشعرية، حيث إنها قصيدة هابطة ومنفعلة فنياً، لكنني أقرأ فيها حالة الشاعر الجسدية والنفسية وهو يمضي أشهرة وأيامة الأخيرة في مستشفى لندني بعيد، ينخر عظامه السل الرهيب ، ويمدده على سرير النهاية، حيث هدد الحياة فيه عندما قال (سأطرق الباب على الموت في دهليز مستشفى!)، وأزيد على ذلك فلو كلفت بطبع ديوان السياب لما إستثنيت هذه القصيدة بالذات، ولا القصيدة التي كتبها في سورة غضب ضد زوجته الكريمة إقبال، وهي قصيدة ظالمة وجائرة بالمقاييس الإنسانية والعاطفية والعائلية، وقد صلحها وتجاوزها الشاعر بقصيدة إعتذار تقريباً، ولا أية قصيدة أخرى، لإنها ضمن تراث الشاعر، ومن حق الدارس والقاريء أن يطلع عليها ويقول رأيه بها، ما دام الشاعر لم يتخذ القرار أو لم يمتلك الفرصة لرفعها أو إلغاءها من اعماله، وربما كان لا يرغب في ذلك .
هناك مسألة حساسة أخرى وردت في المقالة نقلاً عن الكتاب، وهي منقولة بشكل مقصود، حيث ينقل وازن عن السياب ( ويقول في هذا الصدد: «نعم لقد خدمنا الصهيونية وخنّا قضية أمتنا وقضية شعبنا…». ويذكر كيف كان الشيوعيون يشتمون العرب والقومية العربية في مجالس الشراب، مشيدين بما يسميه «كفاح الأخوة اليهود». ويكشف السياب عن ان سكرتارية الحزب الشيوعي العراقي تولاها يهوديان مرتين، هما يهوذا صديق وساسون دلال.) أعتقد إن هذا الرأي يقع ضمن الصراع الذي جرى أنذاك، وهو يأتي ضمن عمليات الطعن والتشهير المتقابلة، وهو رأي غير دقيق وغير موضوعي، وإن تقديم هذه الفقرة بهذه الطريقة، ينطوي على خلط وإسفاف كبير ومؤسف يقع فيه وزان، حيث إن الحركة الشيوعية العربية لم تخدم الصهيونية في هذا المجال، أو هذا الباب، باب تولي سكرتارية الحزب الشيوعي العراقي من قبل يهود، وهذه المعلومة تحتاج الى تدقيق وتفصيل آخر، فهم مواطنون عراقيون، قبل أن تحصل المشكلة الفلسطينية، ووقفوا الى جانب القضية الفلسطينية والشعب العربي ضد الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية العالمية، كما إن الخلط بين اليهود كبشر وبين الحركة الصهيونية هو عمل خطير وموقف غير دقيق، لا يخدم القضية الفلسطينية، وأفاد الخطط الصهيونية بالتهجير القسري والتجميع في الكيان الصهيوني. وكيف يكون موقف حزب وطني عراقي، في بلد عربي فيه من القوميات الأخرى، وهنا لا أقصد اليهود العراقيين لإنهم ليسوا قومية، ولإنهم عرب واليهودية دين وليست عنصر، كيف له أن يتعامل مع الجميع؟ هل يحق للمواطن الذي يتحدر من القوميات والمجموعات الدينية الأخرى أن يعمل في الحزب الوطني العام؟ وإذا عمل هل له حقوق متساوية مع الباقين، ام تتحدد حقوقه مثلاً؟ وكيف لا يقع في التمييز علىأساس قومي او ديني؟ هل يشارك هذا المواطن وفق حق المواطنة في كل ذرة رمل للوطن أم لا؟ هل تحاول الحركة الصهيونية إختراق الحركات الوطنية والثورية أم لا؟ وهل هناك مخاطر من تسلل أو سيطرة عناصر من القوميات الأخرى على مصير الحزب، وقيادة نحو مسارات خطيرة؟ هذه الأسئلة وأسئلة أساسية كثيرة غيرها مطروحة للنقاش، وليس الإختزالات المقصودة والمبتسرة، حيث لم يقل أحد إن ساسون دلال قدم قدم حياته ثمناً لإنتماءه؟ هل يمكن لمواطن عراقي وطني معروف مثل حسقيل قوجمان أن يكون سكرتيراً أو قيادياً في الحركة الوطنية العراقية القديمة أو الجديدة؟ وهذا لا يعني إن الحركة الشيوعية في بلادنا لم تقع بأخطاء كبيرة، خاصة في قضية تأييد التقسيم، التي رفضها فهد، وجرى طرحها وتمريرها بعد إستشهادة، ومن ثم تركها وإهمالها لاحقاً، كما إنني لا أتفق مع الموقف العائم من القضايا القومية والوحدة العربية (الوضع العربي)، وطبيعة الصراعات التي جرت بعد 58 مباشرة، والتي كانت على شكل ردود أفعال سياسية، أكثر مما هي مواقف نظرية وسياسية مدروسة، الى جانب أخطاء فكرية وسياسية أخرى، مع إنني أحمل التحالف القومي الرجعي العريض، المسنود من الخارج، المسؤولية الرئيسية عن الأخطاء والمشاكل والكوارث التي وقعت أنذاك، وقد كررها جناح قومي آخر مرة ثانية، لكن بصور أبشع وأوسع من السابق .
أخيراً يبقى السياب الشاعر العراقي والعربي الأول، على الأقل بالنسبة لي كقاريء ومتابع، ولايهم أن يكون غير سياسي، أو سياسي فاشل، أو سياسي مؤقت ومستقيل أو مستقل لاحقاً، مع إنني كنت أتمنى أن لا تقع تلك الإشكالات المعقدة والمؤسفة للسياب، والتي شغلته وجرته بعيداً عن الشعر، وربما ساهمت في عرقلة تجربته الشعرية ومشروعه الشعري الكبير، وجعلت من نهايته مفجعة وحزينة وغريبة أكثر من المتوقع، حيث لم يساهم في جنازتة أحد غير صديقة الأبدي المطر، وثلة من أصدقائه الخلّص، كما أنني أعشق واتفهم تجربة الجواهري الكبير السياسية الوطنية، بما لها وما عليها، التي مشت وتكونت وسط ألغام وتناقضات عجيبة وغريبة، وأقف الى جانب المواقف السياسية والثقافية الوطنية لسعدي يوسف، رغم أنني أرغب شخصياً، أن أقرأ شعر سعدي ويوسف وكتابته عن الشعر والثقافة أكثر من المقالات السياسية، التي أتمنى أن تحمل دائماً لغة سعدي يوسف الشعرية الرهيفة وروحة الجميلة الوقادة، وهو يملك أدة اللغة العالية والفكرة الواضحة، كي تكون وتبقى على حافة الشعر، رغم مرارة الواقع والأوضاع السائدة اليوم والتي يتصدى لها سعدي يوسف بجرأة نادرة ومفقودة هذه الأيام، لأن الشاعر يكتب للجميع ، ويكتب للمستقبل أيضاً، لكنها ورطة الكتابة السياسية اليومية المباشرة .
لا تستفزوا السياب، ولا تتحرشوا به من جديد، ولا تجروه الى معارك وهميه خاسرة، هي ليست ضمن معاركه الشعرية الثقافية والإبداعية والذاتية .. دعوه يستريح في مستقره الأبدي، يستمتع بقصائدة الخارقة ويعيد قراءتها بصوته الواهن على مسامع الموتى .