بيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان…
في ذكرى الغزوِ الوحشي للعراق وآثارِهِ المدمّرة المستمرّةِ!
في مِثْلِ هذا اليوم من صبيحة ِيوم 19/3/2003 أيْ قبلَ عشرين عاماً بدأ العدوانُ العسكريُ الأمريكيُ/ البريطاني على الأراضي العراقية، بعدَ 13 عاماً من الحصارِ المريرِ الذي ذاقَ فيه العراقيون أمَرَّ أيامهم عبرَ التاريخِ كلِّهِ، وهمْ يواجهون الفقرَ والفاقةَ والجوعَ والمرضَ والعوزَ الذي لاحدودَ لهُ، ويتمنون الخلاصَ بالسبلِ كلِها. وبقيت حقائقَ الغزو وأسبابُهُ غيرَ واضحةٍ، بعد أنْ تخلّت الأمم المتحدة عن واجباتِها الأممية، وخضعتْ للهيمنةِ الأنجلوساكسونيةِ، التي فضحتْها مواقفُ دولٍ كبرى، انتقدتْ ورفضتْ الحربَ على العراقِ مثل فرنسا وألمانيا وروسيا والصين، وقد هدّدَ أغلبُها برفعِ حقِ النقضِ “الفيتو” ضدَّ قرارِ الغزوِ.
لكنّ الحقائقَ تكشّفتْ بصورةٍ جليّةٍ بعدَ أنْ تمكّنتْ أمريكا من احتلالِ العراقِ، ضاربةً بعرضِ الحائطِ القوانينَ والمواثيقَ الدوليّةَ كلّها. ثم جاءَ قرارُ الأممِ المتحدةِ رقمَ 1483 ليذرِّ االرمادَ في العيونِ، وهو يذْكرُ أمريكا بوصفِها دولةَ احتلالٍ، ليمنحَها الحقَّ الحصريَّ بالتصرفِ بمقدراتِ العراقِ السياسيةِ والاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والثقافيةِ، بشكلٍ كاملٍ ومطلقٍ. مع الحقَّ للقيامِ بالاعتداءِ المتواصلِ على حياةِ العراقيين وحريتِهم، للحدِّ الذي يستطيعُ فيه الجيش الغازي، الذي يضمُّ شذاذِ الآفاقِ، بممارسةِ هواياتِهِم ورغباتهِم المريضةِ بقتلِ الأبرياءِ المدنيين رجالاً وأطفالاً ونساءً، وتصيّدهم كما يتصيَّدون طيورَ السَّمانيِّ.
تلكَ الجرائمُ ما زالتْ حيّةً في أذهانِ العراقيين وفي نفوسِهِم الأبيّةِ، ولنْ تُمحى مهْما طالَ بها الزمانُ، وسوفَ يشهدُ التأريخُ يوماً كيفَ يقفُ الأحرارُ بثباتٍ لردِّ هذهِ المَظْلَمةَ التي لا تُمحى. فالشعبَ الحرَّ لا يموتُ ولا تموتُ حميَّتُهُ.
لقد عُرفتْ الحقائقَ مؤخراً بعدَ أنْ قامَ غالبيةُ الضالعينَ بالغزوِ والمعنيينَ بهِ يومذاك بتأكيدِ “إنَّ الغزوَ كانَ حماقةً مُتعجرِفةً لمْ تستندْ إلى أيّةِ معلوماتٍ استخباريّةِ حقيقيّةِ، بلْ كانتْ تزويراً لمعلومات كاذبةٍ”. وفي الحقيقةِ، إنّ المنطقةَ هيَ التي كانتْ مستهدفةً بصورةٍ كاملةٍ بحملاتِ الغزوِ والعدوانِ. وقد انكشفَ هذا بعدَ أنْ ذكرَ هؤلاء المسؤولون عن جريمةِ غزوِ العراقِ أنّ القضيةَ لاعلاقةَ لها بأسلحةِ الدمارِ الشاملِ في العراقِ، ولا بعلاقةِ صدّام حسين بتنظيمِ القاعدةِ. وهو التنظيمُ المعروفُ آنذاك، بصلتِهِ الوثيقةِ بأجهزةِ المخابراتِ الأمريكيّةِ، وهو صنيعتُهم الذي عبرَهُ أضعفوا الأنظمةَ الحاكمةَ في المنطقةِ، وأفشلوها وأعجزوها في النتيجة، حَسْبَ تأكيدِ خبراءِ ومستشاري وزارةِ الدفاعِ الأمريكيةِ “البنتاغون”.
ثُمَّ جاءَ تقريرُ “لجنةِ تشيلكوت” البريطانيةِ ليكشفُ بشكلٍ دقيقٍ وواضحٍ مسؤوليّةَ غزوِ العراقِ، الذي اعتبرَهُ عدواناً صارخاً، على عضوٍ في المجتمعِ الدولي والأممِ المتّحدةِ، دونَما سببٌ حقيقيٌ، ويكشفُ من هم الضالعونَ ومُخطّطو الغزوِ والجريمةِ التي لَحِقْتْ بالعراقِ أرضاً وشعباً وثروات. والتقريرُ يتّهمُ الرئيسَ الأمريكيَّ “جورج بوش الابن” ورئيس الوزراء البريطاني “توني بلير” بشكلٍ صريحٍ في الضلوعِ بالتخطيطِ لغزوِ العراقِ، بذريعةِ أسلحةِ الدمارِ الشاملِ الكاذبةِ، وعدمِ الانصياعِ لقراراتِ الأممِ المتّحدةِ.
بعدَهُ جاءَ اعتذارُ “توني بلير” في 6 تموز 2016 للشعبِ البريطانيِ عن غزوِ العراقِ واعتبارُهُ خطأً جسيماً اقترفَهُ هوَ في فترةِ رئاستِهِ للحكومةِ البريطانيةِ. ومِنْ ثُمَّ جاءَ اعترافُ وزيرِ خارجيةِ أمريكا آنذاك “كولن باول” مهندسَ الذرائعَ للحكومةِ الأمريكيةِ والكونغرسِ، أمامَ الأممِ المتّحدةِ، ليقولَ للعالمِ إنّهُ “خُدع”،.. “ويصرّحَ أنّ “غزوَ العراقِ نقطةٌ سوداءَ في حياتي”. ومنْ ثُمَّ اعتذارُهُ عن تلكَ الجريمةِ. لقدْ أظهرَتْ لنا هذهِ الاعترافات كَمْ هوَ هائلٌ حجمُ هذه الجريمةِ التي نُفِذَتْ بطريقةِ الاستهتارِ بالقوانينِ الدوليةِ، وازدراءِ السلمِ العالميِ وحريّةِ الشعوبِ، والاستهانةِ بحياةِ الناسِ. وعرّفتنا بحقيقةِ الخططِ التي وُضعتْ آنذاك للعراقِ والمنطقةِ، خصوصاً إذا اطلعنا على “مذكرة لوران” ذاتَ الثلاثةِ والعشرين بنداً الموجّهةَ إلى “مجلسِ الدفاعِ الأمريكي” والتي وضعتْ خطّةً كبيرةً في عامِ 2002 للتغييرِ العدوانيِ في منطقةِ الشّرقِ الأوسطِ، التي أكّدتْ شمولَ العراقَ أولاً وسوريا وايرانَ ومصرَ، والسعوديةَ بتغييرِ أنظمتِها، وزرعِ من تؤهلَهُم أمريكا لتوفيرِ الهيمنةِ والسلطةِ الفعليّةِ لها في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ.
إنّ الحقائقَ التي تكشّفتْ اليوم تُثبتُ أنّ نظامَ صدام حسين بكلِّ فاشيّتِهِ لمْ يَكُنْ هوَ المقصودُ بالتغييرِ، ولا نظامُ الأسدِ أوْ نظامُ حسني مبارك أوْ نظام علي صالح والحوثيين، ولا حتى نظامُ الملاليَ في إيران؛ بلْ أنّ المقصودَ بخطّةِ العدوانِ والغزوِ تلكَ، هو منطقةُ الشرقُ الأوسطُ كاملةً، في سبيلِ السيطرةِ عليها، والتصرفِ بمقدراتِها إلى حدودِ الإفقارِ لجموعِ الشعوبِ هذهِ، وتضييعِ مستقبلِها والسيطرةِ على ثرواتِها والتصرفِ بمصائِرِها بصورةِ عدوانيةِ، يحركُ هذا كلَّهُ الجشعُ الرأسماليُ الإمبرياليُ اللاإنساني.
الذي حدثَ أنَّ العراقَ هو منْ وقعَ عليهِ ثُقلُ الصدمةِ والاندفاعةِ العدوانيةِ الأولى. وتحمّلَ أقسى ما فيها، وما في نتائجِها من مرارةٍ وفوضى وقتلٍ مجانيٍ وفسادٍ حتى هذه الساعةِ. ولا نعفيَ الفاشيّةَ الحاكمةَ آنذاك ممّا لحقَ بالعراقِ منْ ظلمٍ وعدوانٍ، وما فعلَهُ تهورُها في شنِّ الحروبِ، وقمعُها المنفلتُ ضدَّ الشعبِ العراقيِ، ومصادرةُ حريّتَهُ بالكاملِ، حيثُ لمْ يفلتْ مِنْ هذا القمعِ وعنفِ السلطةِ حتى أنصارُها واعوانُها ومرتزقتُها. وقد تَرَكَ النظامُ الحاكمُ آنذاكَ، الأبوابَ مشرعةً على مِصْراعَيْها للتدخّلِ الأجنبي. وهو النظامُ الذي انهزمُ قبلَ بِدءِ أيّةِ معركةٍ، حينَما سيّرَ سفراءَهُ ووسطاءَهُ نحوَ واشنطن ومنحَ الأعداء وشركاتِهم ما يرغبون فيه، غيرَ عارفٍ، بسببٍ من جَزَعِهِ، وأميّةٍ سياسيةٍ أيضاً، بالمخططاتِ العدوانيّةِ الخطيرةِ الهائلةِ الوقعِ التي وُضعتْ للهيمنةِ على المنطقةِ من قبلِ القوى الإمبرياليةِ الكبرى وشركاتِها الاحتكاريةِ صاحبةِ الشأنِ الأولِ في قضايا العدوانِ على الشعوبِ الآمنةِ، ومصادرةِ حريَّتِها ونهبِ ثرواتِها. ويفصحُ “تقريرُ تشيلكوت” أنّ القضيّةَ لا تتعلقَ بصدام ولا بالعراقِ وحدِهِ حينما جرّمُ “توني بلير” الذي وعد “جورج بوش الأبن” إنَّهُ سيلتزمُ باتّباعِ خطواتِهِ “مهما حصلَ”.
لكنّ ما الذي نتجَ عنِ العدوانِ منذُ اللحظةَ الأولى؟ وما الذي يعانيهُ العراقيون نتيجةَ الغزوِ الآنَ، ومنذ 20 عاماً؟ سنذكرُ النتائجَ المرّةَ بإيجازٍ وألمٍ ممضٍ، داعينَ أحرارَ العراقِ إلى الانتباهِ والعملِ على إزالةِ آثارِ العدوانِ التي ما زالتْ مستمرةً، وتستنفذُ ما تبقّى منْ حريّتِنا ومستقبلِنا ووجودِنا في كلِّ منعطفٍ، وعلى نحوٍ يوميٍ. ونستهضُ همّةَ الغيارى في التصدّي لهذا التردّيَ المتواصلَ، والعملِ على وقفِهِ بقوةٍ وإصرارٍ وثباتٍ، والكفّ عن الاستسلامِ والسلبيّةِ، فهي حياتُنا وهذه قضيتُنا ومستقبلُ بلادِنا، ولايصح أن نُدْعى إلى وليمةٍ نحنُ أصحابُها.
لقد تمخّضَ الاحتلالُ منذُ الساعات الأولى عن زرعٍ الفرقةِ على أُسسٍ مذهبيةٍ وطائفيّةٍ وأثنيّةٍ، وعزّزَ ذلك بعدَ أيامٍ قليلةٍ، بالطلبُ الرسميُ من قِبَلِ المحتلين لحضورِ العراقِ سياسياً، عبرَ فرْضِ التقسيمِ المذهبي والطائفي والعرقي للسّاسةِ الذينَ جاءوا مع الدباباتِ الغازيةِ. ثم قامَ المحتلونَ بتسليمِ مقاليدِ الحكمِ، وأمورِ الدولةِ إلى المنظماتِ والأحزابِ التي توافقتْ معهم في مؤتمرِ لندن، وما جرى ترتيبَهُ في كواليسِ الخارجيّةِ الأمريكية. وهي الأحزابُ الدينيّةُ والأثنيةُ الكرديّةُ. فبدأتْ النزاعاتُ بينَ هذه الأطراف في الحالِ وفقاً لمخطّطِ الاحتلالِ في فرضِ الفوضى وعدمِ الاستقرارِ. وبسببِهِ تحصّنَ كلُّ طرفٍ خلفَ ما ينتميَ إليهِ، وهيَ انتماءات قامتْ على الوهمِ والخرافةِ. وكانَ منْ أولِ أسبابِ الانفلاتِ والفوضى حلُّ المؤسستينِ العسكريّةِ والأمنيةِ العراقيتين. الأمر الذي تركَ البلادَ للفوضى والقتلِ المجاني والثأري الذي طالَ الناس كلّهُم، واستوطنَ الفزعُ حياةَ العراقيين لسنواتٍ حتى بعدَ أنْ تشكّل الجهازُ الأمنيُ الجديدُ، والمؤسّسةُ العسكريّةُ المُهلهلةُ اللّتينِ لا تمثلانَ العراقيين، بل تمثلان الأحزابَ التي تمحضُ ولاءَها لدولٍ غيرَ العراقِ.
ما حصلَ عليهِ العراقيون منْ هذه الجائحةِ؛ الحربَ الطائفيةَ التي ما زالتْ آثارُها ماثلةً، ونيرانُها تحتَ الرمادِ يحاولُ كثيرون، خصوصاً دولُ الجوارِ، إشعالَ جذوتَها الخابيةَ. انتشارَ القتلِ والمصادرةِ على الهويّةِ. وتعرُضَ العراقِ إلى التقسيمِ عمليّاً على أساسين، ديني وعرقي. وجُنِّد المدعو ،”أبو مصعب الزرقاوي” من قبلِ أطرافٍ عدةٍ، كان رأسُهم الحلفَ الخليجي الصهيوني، ليصنعَ أبشعَ أنواعِ المصادرةِ لحياةِ الناسِ أوّلُهم الشيعةَ. وأسّسَ كراهيّةَ طائفيةَ لا تخمد. وبالمقابلِ قامتْ الأطرافُ المذهبيةُ الشيعيةُ بأفعالٍ ممائلةٍ، فقتلتْ مليشيات أحزابِ وتياراتِ الحكومةِ الأبرياء من السنّةِ بلا حدودٍ ولا رويّةٍ، وتدخّلتْ دولُ الجوارِ في كلِّ لحظةٍ في جرائمِ القتلِ تلكَ ودعمتْها، فيما كان المحتلون يحمون هذه الافعالَ، وينظمونَها.
ثُمَّ اخترعوا التفجيراتَ في الأسواقِ والتجمعاتِ على نفس الأسسٍ الطائفيةِ والعرقيةِ. وراحَ ضحيّةَ ذلك مئاتُ الآلافِ من الناسِ الأبرياءِ الذينَ لا ذنبَ لهمْ إلّا أنّهم منْ طرفٍ مذهبيٍ آخرَ، وقد لا يفقهونَ سببَ انتمائِهم حتى. وقد تركَ المحتلون الأمورَ تجري دونَما معالجةً أو متابعة بلْ بدرايةٍ وقصدٍ. وهم يعلمونَ أنّ دولَ الجوارِ بمذاهبِها المختلفةِ وراءَ تلكَ التفجيراتِ وخلفَ المنظماتِ التي تأسّست لتشجيعِ العمليات الانتحاريّةِ وتنظيمِها.
ولقد تكلّلتْ السياسةُ الاستعماريةُ الجديدةُ هذه، بإنشاءِ منظمةٍ إرهابيّةٍ خطيرةٍ أخرى، ما زالَ المحتلونَ يحافظونَ على مسافةٍ آمنةٍ ونافعةٍ لمصالحِهم معها، هيَ ما يُدعى”الدولة الإسلامية في العراق والشام – داعش”، التي لمْ تتورعْ عنْ ارتكابِ أفضعِ وأبشعِ الجرائمِ التي لا تنتمي لأيِّ دينٍ أو تديُّنٍ. من جانبٍ آخرَ، عزّزتْ السياسةُ الاستعماريّةُ هذه دورَ المليشياتِ وصمتتْ عن تسليحِها، وحمتْها بسبلٍ مختلفةٍ ومتباينةٍ، بالسكوت عن جرائمها تارةً أو صِنعِ واستخدامِ بعضِها تارةً أخرى، أو دعمِها علناً لأسبابٍ مفهومةٍ. فتجدُ أّن المليشياتَ الدينيةَ للأحزابِ الحاكمةِ هي القوّةُ الفعليّةُ في الحياةِ السياسيةِ للدولةِ العراقيةِ، أو هي الدولةُ العميقةُ التي تضعُ أحزابَها على رأسِ الحكومةِ. فهنالكَ من المليشيات مثلاً؛ منظمةُ بدرٍ وكتائبُ السلامِ، وعصائبُ أهلِ الحقِ، وفرسانُ الدعوةِ. إضافةً إلى مليشياتٍ صغيرةٍ أخرى، تنضوي تحتَ إبطِ هذا أو ذاك. وهنالك مليشيا البيشمركة التي تنقسمُ إلى بيشمركةِ البرازانيين، وبيشمركةِ الطالبانيينَ، وهما من المليشياتِ المتعاديةِ. كما أنّهُ من الأمورِ المعلنةِ والمكشوفةِ أنّ هذين الفصيلين المليشياويين يحظيان بمساعدةٍ ودعمٍ عسكريٍ واستخباريٍ أمريكيٍ وبريطاني وألماني وفرنسيٍ. ويجري تنظيمُ قواهِما عبرَ خبراءٍ من الدولِ الأربعِ هذه. ويجري أيضاً تسليحُهما وتدريبُهما علناً. وتحظى حكومةُ أربيلَ بأهميّةٍ كبيرةٍ وامتيازٍ يتخطّى أهمية الحكومةِ في بغداد. وقد صرّحت الخارجيةُ الأمريكيةُ علناً، أنّها تعملُ على تغليبِ حكومةِ أربيل وتفضلَها على بغداد، من ناحيةِ التسليحِ وإعدادِ الجيشِ العراقي والتعاونِ والدعمِ، على الرغمِ من اتفاقيّةِ الدفاعِ المشتركِ مع بغداد. كلُّ ذلكَ لإيجاد فرصٍ للنزاعِ بين الطرفين وفرضِ الهيمنةِ.
أمّا في المستوى الاقتصادي، فأنّ المحتلين أهملوا عن قصدٍ، المصانعَ والمعاملَ العراقيةَ التابعةَ للقطاعِ العامِ، التي يربو عددُها على عشرةِ آلافِ معملٍ، والتي كانتْ مصانعاً منتجةً تسدُ أغلبَ الحاجاتِ المحليةِ، من موادٍ الكترونيةٍ وكهربائيةٍ وأدوات عملٍ حُرَفيّةٍ وبضائعٍ للاستهلاكِ المتوسطِ والسريعِ، قبل حروب الطاغية. وقد تركوها من دونِ تأهيلٍ عرضةً للتخريبِ والتآكلِ. ورفضوا إعادتِها للعملِ، ذلك لمنعِ تشغيلِ اليدِ العاملةِ العراقية، ونشرِ البطالةِ والفقرِ، وتحويلِ العراقِ الى بلدٍ مستهلكٍ فحسب. ومن ذااكَ تحوّلَ أغلبُ العمّالِ إلى البطالةٍ المعلَنةٍ الكاملةٍ، يستلمون رواتبَهم وهم في منازلِهم. فخسرَ العراقُ خبراتَه العمليةَ الفنيّةَ، التي طالما أحيَتْ هذه المعاملَ. وفقدَ العمّال “عادات العملِ” التي تُعتبرُ من الخسائرِ الجسيمةِ في حياةِ العراقِ الاقتصاديةِ، والتي يتطلبُ إعادتِها إلى الوجودِ سنوات طويلةً، التي تتطلبُ تأهيلاً وتدريباً، وحضوراً عملياً في ساحات العملِ الفعليّةِ.
وحينما نتحدّثُ عن الزراعةِ، فإنّ قطعَ المياهِ من قبلِ دولِ الجوارِ وتراخي الأممُ المتّحدةُ والموقفُ الدوليُ من قضيةِ تعطيشِ العراقِ، بدتْ واضحةً جداً، ولا تبعدُ كثيراً عن الإصرارِ على إهمالِها دولياً بتأثيرِ الهيمنةِ الأمريكيةِ حسبَ خطة تعجيز العراق اقتصادياً وإعاقة نهوضه، وتركه ساحةً لاستهلاكِ بضاعة المحتلين وحلفائِهم. لقد تُركَ العراقيون يواجهون العطشَ وجفاف الأرضِ بمفردِهم، وتناسى العالمُ طرحَ القضيةِ على بساطِ المباحثاتِ والكشفِ عن المقررات الدوليةِ بشأنِ الدولِ المتشاطئةِ وأحقيةِ دولِ المصبِّ بالمياهِ بالتساوي مع دولِ المنبعِ. كلُّ ذلك يجري وفقَ خطّةٍ كبيرةٍ أنتجَها الغزوُ منذُ ساعاتِه الأولى، وعزّزها الكومبرادور الذي وظّفهُ المحتلون فأُهملتْ القضيةُ تماماً وسكتَ حكامُ العراقِ عنها.
هذا ما حصلَ عليه العراقُ وأكثرَ بكثيرٍ، منذُ عشرين عاماً من الغزوِ والعدوانِ الاستعماريِ، وما زالَ العراقُ ينزفُ.
حزب اليسار الشيوعي العراقي
19/3/2023