في حضرة الدم والمحو: بين مشروع الإبادة ومأزق الذات!
خالد عطية
ليس هذا زمن الأسئلة المكرورة، ولا الوقت يسمح بإجابات مريحة. ما نعيشه منذ السابع من تشرين الأول 2023، وقد دخل عامه الثاني في آب 2025، لم يعد مجرد عدوان مؤقت أو جولة قتال متكررة في تاريخ فلسطين، بل هو حرب إبادة شاملة، مدروسة، ومعلنة، تطحن غزة حتى العظم، وتحاصر الضفة، وتستهدف المخيمات، وتشطب الفلسطيني من خرائط الجغرافيا والسرديات معاً. ومع ذلك، لا يزال البعض يتعامل مع الكارثة بوصفها خللاً إدارياً، أو نتيجة تهور طرف، أو أزمة إنسانية تستدعي “المساعدات”، لا وقف الاستعمار.
المجزرة لم تكن طارئة. هذا النمط من القتل هو بنية قائمة، لا استثناء. ومشروع التهجير هو برنامج دولة، لا انحراف جيش. وما يُصاغ في باريس ونيويورك من مؤتمرات وبيانات، ليس إلا الوجه السياسي و لا ينفصل عن المسار الأشمل: تفكيك المعنى الفلسطيني من أساسه، وإعادة تشكيله ضمن شروط الهيمنة الدولية الجديدة.
ولأن هذه المقاومة، رغم الثمن الفادح، كسرت سردية الضحية الساكنة، وأربكت ميزان الردع، ووضعت العالم أمام صورة الفلسطيني الفاعل لا المستجدي، فقد وُصفت بالإرهاب، ودُفعت غزة ثمنًا لجرأتها. لم تُدان المقاومة لأن فعلها غير مشروع ، بل لأنها خرّبت معادلة السيطرة: كيان قوي وآمن، في مقابل شعب مروض وخائف. ما بات مطلوبًا هو قتل المعنى، لا فقط الإنسان.
ورغم ذلك، لا تزال بعض النخب تتحدث عن “واقعية سياسية”، وكأنها وصفة سحرية لإرضاء الجميع. يتناسون أن “الواقعية” المفروضة ليست سوى استسلام ناعم يعيد إنتاج أوسلو بلغة جديدة، ويصنع من السلطة أداة ضبط لا أداة تحرر. كأن المطلوب من الفلسطيني أن يرضى بدور الضحية–المتسول: يُقتل ثم يُدان، يُجوع ثم يُطلب منه الاعتذار.
أما الخطاب الدولي، الذي يحتفي به البعض كاختراق، فما هو إلا إعادة تموضع ناعمة للهيمنة. فالمجتمع الدولي لم يتحرك إلا حين بات من الضروري احتواء الفلسطيني وإرجاعه إلى مربع “المقهور” الذي لا يملك إلا أن يشكر المانحين. المساعدات تُشترط بنزع السلاح، والإعمار يُقايض بالولاء، وكل من يقاوم يُستثنى من مشروع “المرحلة المقبلة”.
وفي هذا السياق، يصبح الهجوم على “المقاومة” مجرد مدخل لغسل يد المحتل وشركائه، وإعادة هندسة الفلسطيني ضمن شروط وظيفية محددة: فلسطيني بلا مشروع، بلا مقاومة، بلا ذاكرة، بلا حلم، يُعاد تعريفه وفق ما تسمح به تل أبيب وواشنطن، ويُمنح فقط حق الحياة ككائن “غير مخرّب”.
لكنّ الخطورة لا تكمن فقط في الخارج، بل في الداخل. فما نراه من انقسام، وصراعات ضيقة، وتحالفات مشروطة، وتحولات في الخطاب، ليس إلا نتيجة لغياب المشروع الوطني الحقيقي الجامع، وما لم تتم إعادة تعريف هذا المشروع على قاعدة التحرر الفعلي، لا التكيف مع شروط المنتصر، فإننا سنعيد تدوير الهزيمة بأسماء مختلفة.
السؤال الآن لم يعد فقط: “من يحكم غزة؟” بل “من يملك حق تعريف فلسطين؟ من يُمثلها؟ من يقرر أولوياتها؟” في ظل مشروع إحلالي استيطاني لا يكتفي بالمحو الجغرافي، بل يسعى لشطب الفلسطيني كفكرة. وهنا يكمن التحدي: ليس فقط أن نقاوم المحتل، بل أن نعيد بناء الذات – سياسياً وثقافياً ووجدانياً – على قاعدة الانتماء لمشروع تحرري حقيقي، لا مجرد إدارة “الأزمة”.
لم نعد نملك ترف الحياد، ولا متسعاً لمجاملة خطاب مهزوم. الأطفال الذين يُسحقون في غزة لا يحتاجون شعارات، بل مشروعاً يعيد للدم معناه. اللاجئ في الشتات، المحاصر في جنين، المُهدد في القدس، والمهمّش في أراضي 48، كلهم ينادون بصوت واحد: لا نجات من الإبادة إلا بثورة وعي، ومشروع مقاومة يخلع جلد الهزيمة.
فهل نستجيب؟
2025-08-06
