فوضى عالمية ولكن مدروسة…!
سعادة مصطفى أرشيد*
يُصاب المرء بالحيرة في تفسير حالة الفوضى التي تسود العالم وتهدّد بقاءه كما عرفه الإنسان في العقود السبعة الماضية، وسبب هذه الفوضى هو الولايات المتحدة الأميركية التي قطعت أشواطاً غير مسبوقة ناشرة الفوضى في جهات الدنيا الأربع، وبما لم يعرفه العالم منذ تأسيس النظام الدولي الذي أخذ شكله عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ يرى كثير من المتابعين أن وراء هذه الفوضى شخص الرئيس الأميركي دونالد ترامب والذي لا يشعر بالحرج بتصرفاته التي تبدو غير متوازنة أو بصراحته في أحاديثه والتي يغلب عليها روح التبجح بعيداً لا عن قواعد الدبلوماسية والسياسة فحسب، وإنما أيضاً عن قواعد السلوك الاجتماعي المهذب.
يقول دونالد ترامب في خطاب علني إنه اتصل بملك من ملوك العرب وقال له أنت تعلم أنك وعرشك لا تستطيعون الصمود لأكثر من أسبوعين دون دعم الولايات المتحدة الأميركية، لذلك عليك أن تدفع وهكذا أخذت منه بمكالمة هاتفية مباشرة أكثر مما كانت تأخذ منه الإدارات الأميركية السابقة بالزيارات والمجاملات، يرسل قوات خاصة لاعتقال رئيس فنزويلا المنتخب وزوجته ثم يأخذ ببيع النفط الفنزويلي لصالح بلاده والشركات النفطية الأميركية باعتباره نفطاً أميركياً سرقته فنزويلا وإن كان يقبع في أعماق أرضها، يريد أن يضم كندا جارته الشمالية والمكسيك جارته الجنوبية وبنما وجزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك العضو في حلف الناتو، ويرى وفريقه أن الاتفاقيات الدولية وقواعد القانون الدولي تنطبق على الجميع إلا عليهم فهم فوق كل تلك القواعد والقوانين.
وإذا كانت كندا وغرينلاند وباقي الدول الكبيرة التي يريد ضمّها للولايات المتحدة تكاد أن تمثل خُمس اليابسة على الكرة الأرضية فإنه لا يستثني غزة الصغيرة جداً من عملية الضم هذه والتي أصبح اليوم رئيس مجلس سلام العالمي الذي يديرها ويحكمها، بمعنى آخر أضاف إلى رئاسة الولايات المتحدة رئاسة غزة وهي التي لا تتجاوز مساحة أرضها مساحة مدينة صغيرة في الولايات المتحدة (300 كيلومتر مربع)، يرسل قوات الجيش الأميركي لقمع متظاهرين من مواطني ولاية مينسوتا الأميركية، ويهدّد بإسقاط النظام في إيران ومن مبرراته أنه يقمع المتظاهرين في شوارع طهران وشيراز وغيرها من المدن الإيرانية.
لكن الزمن قد يكشف أن ما يقوم به ترامب ليس رأياً شخصياً مرتبطاً بأفكاره الشخصيّة أو باستثماراته العقارية التي يتحدث عنها كثير من الناس، وهو في الحقيقة ما تريده الدولة العميقة في الولايات المتحدة وترامب ليس إلا معبّراً عن سياساتها لا عن رأيه الشخصي وإن كان الأسلوب الفظ في التعبير هو العلامة التجارية المميّزة trade mark للرئيس الذي أخذت يطلق عليه بعض الصحف الأوروبية لقب الرئيس البرتقالي.
المسألة في أوكرانيا هي في ابتزاز وإذلال رئيسها زيلينسكي وإجباره على التوقيع على صفقات السيطرة على المعادن الثمينة والموارد الزراعية التي تملكها بلاده، وفي فنزويلا تتعلق بالنفط وشركاته، شيفرون أويل واكسون موبايل، وفي غزة للسيطرة على حقول الغاز في مياهها الإقليمية والتي تحوي تريليونات الأمتار المكعبة من الغاز القريب من أوروبا، وفي غرينلاند على المعادن النادرة والمساحات الواسعة والطريق للسيطرة على المحيط المتجمّد الشمالي، وفي كندا المساحة والإمكانيات الزراعية وفي المكسيك الأمن القومي باعتبارها الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأميركية، وفي بنما قناتها، وفي أرض الصومال السيطرة على مضائق البحر الأحمر وقناة السويس التي يمرّ منها ثلث التجارة العالمية، وفي إيران من أجل إسقاط المشروع الإقليمي المعادي للسيطرة الأميركية وخارج نظام سويفت (التبادل التجاري في الدولار فقط)، إنها جميعها من أجل السيطرة على الطاقة ومصادرها والمعادن ومناجمها والغذاء وحقوله الزراعية.
جميع ما تقدّم من مصالح هي في قلب الدولة العميقة والشركات العملاقة وبيوتات رأس المال التي هي أهم بكثير من الاستثمارات العقارية للرئيس ترامب والتي سيحصل عليها ولا شك كـ”بقشيش”.
إنها الولايات المتحدة الأميركية.
*سياسي فلسطيني مقيم في الكفير ـ جنين ـ فلسطين المحتلة
2026-01-21