فنزويلا تحت ظلال الـ(سي آي إيه)
برلمان “رودريغيز” يشرّع الوصاية الأمريكية
شرّع برلمان كاراكاس خصخصة النفط وفق توجيهات واشنطن، مستبدلاً “السيادة الوطنية” بتبعية اقتصادية تنهي حقبة الثورة البوليفارية وتفتح البلاد للشركات الأمريكية
سعيد محمد*
تشهد فنزويلا، في أعقاب عملية “العزم المطلق” واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو – والسيدة الأولى سيليا فلوريس -، تحولات سياسية واقتصادية متسارعة تعيد رسم هوية البلاد بشكل جذري. ففي الوقت الذي لا تزال فيه صور الزعيم التاريخي هوغو تشافيز تزين جدران المؤسسات الحكومية، يقود “الحرس الجديد” بقيادة الرئيسة بالوكالة ديلسي رودريغيز ورئيس البرلمان شقيقها خورخي، عملية تفكيك ممنهجة للإرث الأيديولوجي “للتشافيزية”، مستبدلين شعارات “السيادة الوطنية” بتشريعات تفتح أبواب قطاع النفط على مصراعيه أمام الشركات الأمريكية، وذلك تحت مظلة تعاون أمني وسياسي مباشر مع واشنطن، دشنته زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) مؤخراً إلى كاراكاس.
وفي خطوة تضفي صبغة قانونية على الواقع الجديد، صادقت الجمعية الوطنية الفنزويلية (البرلمان) التي يسيطر عليها الحزب الاشتراكي الموحد الحاكم، في مناقشة أولية يوم الخميس الماضي، على قانون جديد للنفط يمثل قطيعة تامة مع ربع قرن من هيمنة القطاع العام. وبحسب صحف لندن يتيح التشريع الجديد للشركات الخاصة الأجنبية والمحلية تشغيل حقول النفط وتسويق الإنتاج بشكل مستقل، مما ينهي عملياً احتكار شركة النفط الوطنية.
وتتضمن بنود التشريع الجديد حزمة من التنازلات السيادية والاقتصادية غير المسبوقة في تاريخ الثورة البوليفارية، إذ يمنح الشركات حق تشغيل الحقول على نفقتها الخاصة، ويخفض معدل حصة الدولة من 30% إلى 20% و15% في بعض الحالات لضمان “الجدوى الاقتصادية” للمشاريع. والأخطر من ذلك، يعيد القانون العمل بآلية “التحكيم الدولي” لفض النزاعات، متجاوزاً المحاكم المحلية، وهو ما يمثل تراجعاً صريحاً عن سياسات السيادة القضائية التي رسخها تشافيز.
وفي اعتراف صريح بمصدر هذا التشريع، أكد أحد نواب الحزب الحاكم للصحف، مشترطاً عدم الكشف عن هويته، أن واشنطن كان لها اليد الطولى في صياغة هذه البنود، قائلاً: “هناك العديد من الأشياء التي أمر بها الغرينغوز (الأمريكيون)… هذا القانون يأتي مباشرة من الولايات المتحدة”. ويأتي هذا الإقرار متوافقاً مع تصريحات مكتب أورلاندو كاماتشو، النائب الذي قدم المشروع باسمه، بأن السلطة التنفيذية هي من صاغت المسودة، في إشارة إلى حكومة ديلسي رودريغيز التي تعمل بتنسيق وثيق مع إدارة الرئيس دونالد ترامب.
هذا الانقلاب التشريعي جاء بعدما استقبلت كاراكاس جون راتكليف مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، في زيارة رسمية التقى خلالها الرئيسة المؤقتة لمناقشة “تعاون ثنائي أكبر” في سقوط لعقيدة “معاداة الإمبريالية” التي شكلت الهوية السياسية للبلاد طوال ثلاثة عقود.
وتعمل الحكومة الحالية، بقيادة رودريغيز، على تسويق هذا الانقلاب الجذري تحت شعارات الدبلوماسية الواقعية. ففي خطابها الأول عن حالة الأمة، قدمت توازناً دقيقاً بين إدانة العملية الأمريكية ضد مادورو باعتبارها “هجوماً واختطافاً”، وبين الدعوة الصريحة للبراغماتية في التعامل مع واشنطن قائلة: “دعونا لا نخاف من الدبلوماسية”، حاثة المشرعين على تمرير قانون النفط الجديد لفتح الحقول أمام الاستثمارات الجديدة.
أمام هذا التحول الدراماتيكي، لجأت السلطة الجديدة إلى فرض سردية صارمة لضبط القواعد الحزبية المصدومة. فقد استبدلت الحكومة شعارات العداء لأمريكا بشعار جديد يزين القبعات والسترات التي توزعها السلطة: “الشك خيانة”. يهدف هذا الشعار إلى تجريم أي تساؤل حول شرعية التحالف الجديد مع واشنطن، واعتبار أي اعتراض على السياسات الجديدة نوعاً من الخيانة للوطن، في مفارقة تاريخية.
ويواجه أنصار هوغو تشافيز، الذين تربوا على فكرة استخدام الثروة النفطية لتمكين الفقراء ومواجهة الأطماع الإمبريالية، صعوبة بالغة في استيعاب المشهد. فبينما يقبع خليفة تشافيز في زنزانة أمريكية بانتظار محاكمة هزلية، تنفذ نائبته وأخوها رئيس البرلمان الأجندة الأمريكية بحذافيرها.
وتقول تقارير من الأرض أن ثمة استقطاباً بدأ يطفو على السطح بين القاعدة الشعبية التشافيزية والقيادة البراغماتية الحالية. وفيما ترى كوادر وسطى ودنيا أن الامتناع عن بيع النفط هو السبيل الوحيد لعودة مادورو، يخشى كثيرون أن ترسانة بلادهم العسكرية، التي طالما تفاخرت الحكومة بشرائها لحماية البلاد من الغزو الخارجي، وفشلت كلية في مواجهة العدوان الأمريكي، قد تستخدم الآن لقمعهم.
على أن مراقبين قالوا إن التظاهرات التي خرجت يومياً للمطالبة بإطلاق سراح مادورو بدأت بالفتور في ظل واقع اقتصادي متردٍ. فقد تسبب الحصار الأمريكي القاسي (المؤيد دولياً) في انهيار إنتاج النفط – في بلد يمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (300 مليار برميل) -، والذي كان يبلغ 3 ملايين برميل يومياً في عهد تشافيز، ليصل إلى حوالي 500 ألف برميل يومياً في عام 2020، قبل أن يرتفع قليلاً إلى 950 ألف برميل العام الماضي بفضل الترخيص لشركة “شيفرون” الأمريكية – الشركة الغربية الكبرى الوحيدة التي سمح لها بالعمل في البلاد -. وانعكس ذلك على قيمة القدرة الشرائية للمواطن الفنزويلي بعد انهيار قيمة العملة، وعجز القطاع العام على تلبية الحاجات الأساسية لقطاع عريض من المواطنين.
ورغم تعهدات رودريغيز بأن عوائد تسليم النفط للولايات المتحدة ستنفق في المجال الاجتماعي وتحسين البنية التحتية، يقول خبراء إن سيطرة واشنطن الفعلية على قطاع النفط، و”إدارتها” فنزويلا عن بعد كمحمية خليجية، لن تنعكس ايجابياً في مدى قريب على حياة الطبقة العاملة، بسبب البنية التحتية المتهالكة لصناعة النفط نتيجة الحصار الاقتصادي والتكنولوجي المديد لفنزويلا.
وكانت شركات الطاقة الأمريكية الكبرى قد حذرت إدارة الرئيس دونالد ترامب من صعوبة عودة سريعة لمستويات إنتاج ضخمة من الآبار الفنزويلية بالنظر إلى حجم الاستثمارات الهائل المطلوب – في سياق تراجع أسعار النفط العالمي -، وقبل الحصول على “ضمانات قانونية جادة” لإعادة بناء القطاع. ولا شك أن قانون الأخوين رودريغيز الجديد يوفر – بدقة متناهية – الضمانات المطلوبة، بينما تظل عقدة هوامش الربح المنخفضة مسألة مرتبطة بديناميكيات تتجاوز فنزويلا.
وفيما يواصل خورخي رودريغيز الترويج لتشريع الخصخصة باعتبارها “ضرورة لزيادة الإنتاج”، وتواصل ديلسي رودريغيز الحديث عن “الدبلوماسية”، يجد المواطن الفنزويلي نفسه أمام الحقيقة القاسية: لقد تحولت بلاده من رأس حربة لمناهضة الإمبريالية إلى ساحة نفوذ أمريكي مباشر، بتشريع ومباركة من البرلمان ذاته الذي كان قبل أقل من شهر يهتف “الوطن، الاشتراكية، أو الموت”.
—————————
يمكنكم متابعة الكاتب عبر صفحته على تطبيق Substack من خلال الرابط
التالي:
https://substack.com/@counterculture68
لندن
2026-01-27