فلسطين وسقوط المعنى في زمن الحداثة!
بقلم : خالد صالح عطية
لطالما قُدمت إسرائيل، منذ نشأتها، بوصفها “كياناً وظيفياً” أُنشئ لخدمة مصالح الاستعمار الغربي، وقاعدة متقدمة لحماية التفوق العسكري والسياسي في قلب الشرق الأوسط. هذا التوصيف، ورغم صلاحيته في سياقه التاريخي، لم يعد اليوم كافياً لفهم موقع إسرائيل الحالي داخل النظام العالمي. فبنية هذا الكيان قد تطورت، ليس فقط بوصفه أداة وظيفية، بل كفاعل مستقل يعيد إنتاج أدوات السيطرة والهيمنة، ويشارك في صياغة مشهد الهيمنة العالمي ذاته.
نحن لا نواجه اليوم كياناً محتلاً تقليدياً، بل نموذجاً استعمارياً معولماً هجّانياً، يتقاطع فيه الأمن مع الرأسمال، والتكنولوجيا مع الحرب، والمعرفة مع الإبادة الرقمية. فمن خلال شبكاته العابرة للقارات، وشركاته الأمنية والعسكرية مثل NSO Group وElbit Systems، ومن خلال تسويق برمجياته الرقابية والقتالية كنموذج عالمي للضبط والسيطرة، تجاوزت إسرائيل مرحلة طلب الشرعية إلى مرحلة تصدير النموذج. لم تعد تبحث عن مقعد في النظام الدولي، بل أصبحت من معماريه.
ما تعيشه فلسطين اليوم من إبادة وتجويع وقصف وتدمير، ليس حدثاً عارضاً، بل ذروة لتحول بنيوي في شكل الاستعمار نفسه. فالفلسطيني في غزة أو في الضفة لم يعد فقط ضحية سلاح، بل هدفاً رقمياً تحلله الخوارزميات وتراقبه الطائرات المسيّرة، وتُقيَّم حياته بمعايير “القيمة العسكرية”. أنظمة مثل Habsora و”هوّا” لا تقرر من يعيش ومن يُقصف فقط، بل تعيد تعريف معنى الإنسان نفسه، في منطقة تُجرَّب فيها أدوات السيطرة قبل تصديرها إلى العالم.
وبذلك، أصبحت فلسطين مختبراً مركزياً لإنتاج أدوات الإبادة المعاصرة. إنها ساحة تجريب للمراقبة الرقمية، ولتطويع السكان، ولدمج المعرفة الأمنية في بنية السياسة. القتل لا يُمارس فقط عبر الطائرات، بل عبر الأكواد والبرمجيات والمصطلحات. لقد تحولت إسرائيل إلى رأس حربة الرأسمالية الأمنية، تقدم خدماتها في ضبط الحشود، إدارة الحدود، التحكم في السلوك، ليس فقط لدول الجنوب، بل حتى للدول الغربية نفسها.
تُبرم إسرائيل اليوم تحالفاتها عبر السوق الأمنية العالمية، حيث تُباع المعرفة المستخلَصة من أجساد الفلسطينيين وحياتهم اليومية إلى أنظمة استبدادية وديمقراطية على حد سواء. لم تعد دولة تبحث عن “الحلفاء”، بل أصبحت شريكًا في إنتاج البنية المعولمة للضبط والسيطرة، وتحديد من هو “الإرهابي”، ومن يستحق الحياة.
وفي هذا السياق، فإن الإبادة الجارية في غزة والضفة لا تُفهم بوصفها مجرد عملية عسكرية. إنها تكثيف لحرب تمتد عقوداً، تأخذ اليوم شكلاً أكثر نضجًا ووحشية. ما نشهده هو إبادة مُحوسبة، تُدار بخوارزميات تحدد الأهداف البشرية “المسموح” قصفها، وتحوّل الإنسان إلى هدف قابل للتقييم الحسابي. وهي إبادة مُشهَدة ومُتلفَزة، تُبث على الهواء مباشرة، لكن لا لردعها، بل لشرعنتها بصمت المجتمع الدولي، وتواطؤ الإعلام، وتحليلات “الخبراء”. وهي إبادة تجويعية ممنهجة، تُستخدم كسلاح استراتيجي لإخضاع السكان، عبر الحصار، ومنع المساعدات، وتجفيف الموارد، وتفكيك بنية الحياة.
الفلسطيني اليوم يُباد بأحدث تقنيات العصر، وبأقدم فلسفات الاستعمار. يُقتل، يُجوع، يُشرّد، ثم يُجرَّم ويُلاحَق. يُحوَّل إلى خطر أمني دائم، ويُقدَّم للعالم ككائن فائض عن الحاجة. وهذا ما يُظهر بجلاء أن ما يجري ليس مجرد عدوان، بل هندسة إبادة مرئية، مسوغة، يتواطأ فيها النظام العالمي بكل مؤسساته.
أمام هذا الواقع، لا يمكن للفلسطيني أو العربي أن يواجه هذه البنية بأدوات الماضي. لقد سقط وهمُ النظام الدولي، كما سقطت شرعية كثير من الأنظمة والنخب. لم تعد المقاومة ممكنة من داخل المفاهيم القديمة، ولا من خلال الاعتماد على تحالفات دولية جوفاء، أو وعود بالشرعية التي لن تأتي.
المخرج يبدأ أولاً من إدراك أن فلسطين لم تعد فقط قضية قومية، بل بوابة لفهم العالم نفسه. من يقف مع فلسطين، فهو يقف ضد منظومة كاملة من الاستعمار الرقمي، والهيمنة المعرفية، والتفوق الأبيض، والعنصرية المُمنهجة. ومن يريد أن يقاوم، عليه أن ينخرط في مشروع تحرر فكري، معرفي، وتكنولوجي، لا يواجه فقط البندقية، بل المنظومة التي تنتج البندقية وتسوّقها وتبرر استخدامها.
المطلوب اليوم تحالف شعبي أممي، يتجاوز النخب والأنظمة، ويرتبط بالحركات المناهضة للهيمنة في كل مكان: من هايتي إلى تشيلي، من جنوب إفريقيا إلى كشمير. فكما تحوّلت إسرائيل إلى فاعل عالمي في القمع والسيطرة، يجب أن تتحول فلسطين إلى رمز عالمي للتحرر. وهذا لا يتم بالشعارات، بل بالمشاريع، والمعرفة، والنماذج البديلة.
وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى استعادة الدور التحرري لكل فاعل في المجال العام، من المثقف والكاتب، إلى الفنان، والصحفي، والناشط، والمؤثر الرقمي، والأكاديمي، والروحي، بل وكل من يملك موقعًا أو صوتًا أو أدوات للتأثير. لم يعد كافيًا أن يكون المرء ملتزمًا بخطاب إديولوجي ، أو يحمل شعارات التغيير والتحرر؛ بل عليه أن يسأل بوضوح: في أي سياق تتحرك مواقفه؟ من يستثمرها؟ وما هي المآلات التي تصب فيها؟
لقد سقطت براءة المواقف، وانكشف هشاشة الاصطفافات الإيديولوجية التقليدية. فالمعيار لم يعد هو ما تقوله، بل ما تُنتِجه ممارستك فعليًا، وعلى من تعود نتائجها، وفي صالح أي مشروع تُوظَّف. لم تعد الهوية الفكرية ضمانًا للانحياز الصائب، بل المعيار الوحيد الصالح الآن هو الموقع من مشروع الهيمنة، وخاصة من القضية الفلسطينية بوصفها مرآةً لكل ما هو إنساني، وتحرري، ورافض للاستعمار المعاصر.
فمن لم يكن واعيًا لمآلات حركته، وإن ظنّ أنه مقاوم، قد يجد نفسه – من حيث لا يدري – يُعاد إنتاجه كأداة ضمن المنظومة ذاتها التي يقاومها. والموقف من فلسطين، في هذا السياق، لم يعد تفصيلاً، بل هو اختبار فرز أخلاقي وسياسي يكشف موقع الفاعل من مشروع الإبادة أو مشروع التحرر.
إن إسرائيل، التي بدأت ككيان وظيفي، أصبحت اليوم فاعلاً عالمياً في منظومة السيطرة. من لم يرَ ذلك، لا يمكنه أن يفهم لماذا تواصل الإبادة بلا توقف، ولماذا يَصمّ العالم أذنيه، ويبرر، ويموّل، ويسلّح، ويُسكت الأصوات. ولذا، فإن فلسطين ليست فقط رمزًا للمظلومية، بل اختبار أخلاقي للعالم، ومحكًّا سياسيًا لفهم الحاضر، وبوصلة للانحياز الإنساني الحقيقي.
فمن كان مع فلسطين، فهو مع الإنسان. والباقي تفاصيل.
تحت أعين الكاميرات وفي وضح النهار، تُدار إبادة لا تُنكرها الوقائع بقدر ما تُجمّلها الخطابات. ما يجري في فلسطين، وفي غزة تحديداً، يتجاوز حدود المجازر المادية، ليغدو مجزرة مفاهيمية تُفرغ العدالة من معناها، والإنسان من قيمته، وتحيل الضحية إلى مشهد قابل للقياس والتبرير.
لم تعد مفاهيم “الشرعية” و“التوازن” سوى أقنعة تُستخدم لنفي الفلسطيني، لا فقط وجوداً، بل كرامة وتاريخاً وحقاً في المعنى. ومع تحوّل المجزرة إلى حدث مرئي، محلل، مُبرر، تتحوّل المعركة إلى معركة على الحقيقة ذاتها، وعلى موقع الإنسان في عالم ما بعد القانون.
ما طُرح في هذا المقال لا يتعامل مع الأحداث بوصفها لحظة معزولة، بل كجزء من بنية استعمارية جديدة، تقودها فواعل عابرة للحدود، وتعيد صياغة أدوات الإبادة بأشكال أكثر تحديثاً وتطبيعاً. وفلسطين هنا لا تظهر كقضية فقط، بل كبوصلة أخلاقية ومعرفية تكشف انهيار النظام العالمي، وتفضح حدود الإنسان في ظل الرأسمالية المعولمة.
الصمت لم يعد حياداً، بل مشاركة ضمنية. والكلمة لم تعد رفاهية، بل مقاومة ضرورية لحماية المعنى ذاته. ففي زمن تُبث فيه الإبادة على الهواء مباشرة، يصبح الوعي موقفاً، والموقف مقاومة، والمعرفة نجاة من السقوط الأخلاقي الشامل.
2025-07-27
