فلسطين – الوضع الإقتصادي بعد “أوسلو”
الطاهر المعز
يقتضي “القانون الدولي” (اتفاقيات جنيف) توفير المُسْتَعْمِر حَدًّا أدنى من وسائل العيش للشعب الواقع تحت الإستعمار (خدمات دُنْيا وتعليم وصحة ونقل وماء وكهرباء…)، وتَخَلَّصَ الكيان الصهيوني من هذه “الواجبات” أو “الأعباء” التي تَكَفَّلَت بها “الأطراف المانحة” منذ اتفاقيات أوسلو، لتُصْبِح السلطة الفلسطينية قوة رديفة تسهر على أمن المُسْتوطنين، وليُصْبِح الإحتلال الصهيوني لفلسطين أرْخَصَ احتلال في التّاريخ البَشَرِي، وانصب اهتمام العدو على مضاعفة عدد المُسْتوطنات وافتكاك الأراضي وشق الطرقات الخاصة بالمستوطنين في أراضي القُدْس والضفة الغربية، وبالتوازي مع ذلك قَضَتْ اتفاقيات أوسلو وما تلاها على القطاعات الإقتصادية الفلسطينية المُنْتِجَة، واستفاد الكيان الصهيوني من اجتياح أسواق الضفة الغربية وغزة بالكامل، ورغم بعض البيانات التي تنشرها سلطة الحكم الذاتي الإداري بشأن نمو الإقتصاد، فإن بيانات البنك العالمي تُظْهِرُ تراجع الإنتاجية وتراجع مستوى المعيشة وتراجع نصيب الفرد من الدّخل، وارتفاع البطالة والفقر (عن تقرير لجنة الارتباط التابعة للبنك العالمي- أيار/مايو 2017)، وأصدر الإتحاد الأوروبي دراسة أظْهرت أن النمو الاقتصادي -إن حَصَل- فهو يعتمد على قطاعات غير منتجة، ومنها قطاع البناء، مقابل خنق الإحتلال للقطاعات المنتجة، ولذلك لا يخلق نمو الإقتصاد الفلسطيني وظائف لأنه مصطنع ومتذبذب، بسبب تبعيته للاحتلال، وارتباطه المباشر بالسياسة النقدية والتجارية للإحتلال، مما يُفَسِّرُ تراجع نسبة مساهمة قطاع الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي من 19% سنة 1994 إلى 11% سنة 2016، ومساهمة قطاع الزراعة من 12% إلى 4% خلال نفس الفترة، وأدّت سياسة مصادرة الأراضي ومصادر المياه (المستمرة منذ وجود الإحتلال) إلى فقدان 110 آلاف وظيفة، خلال نفس الفترة، ما رفع معدل انعدام الأمن الغذائي إلى حوالي 30% من فلسطينيّي الضفة الغربية وإلى 72% في غزة (سنة 2015)، وفق مركز أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني… يضطر حوالي 112 ألف فلسطيني للعمل في الأراضي المحتلة سنة 1948 بدون أية ضمانات ولا حقوق، ويمثل هذا العدد نسبة 12% من قوة العمل في الأراضي المحتلة سنة 1967، لأن الإقتصاد الفلسطيني (الذي لا يتمتع بأية استقلالية) غير قادر على استيعاب 800 ألف وافد على “سوق العمل”، حيث بلغ معدل البطالة 27% في الضفة الغربية وغزة، سنة 2016، وهو رقم متفائل، ويوظف القطاع غير الرسمي حوالي 36% من إجمالي القوة العاملة… تَتَجَلّى تبعية الإقتصاد الفلسطيني في توجيه 90% من الصادرات نحو الجزء المحتل سنة 1948، وفي استيراد 80% من حاجات الضفة الغربية وغزة من أراضي 1948 (وهذه النسبة مَفْرُوضة في اتفاق باريس)، وعلى أية حال فإن سلطات الإحتلال تُسَيْطِرُ على الحدود ولا شيء يدخل فلسطين أو يخرج منها (بما في ذلك البشر) دون خَتْم الإحتلال وموافقته، بل يتحكم الإحتلال في حركة إنتاج ونقل السلع داخل الضفة الغربية، عبر الحواجز ونقاط المراقبة والتفتيش، ويتحكّم الاحتلال في التجارة الخارجية للضفة الغربية وقطاع غزة، طبقًا لاتفاقية باريس (1994) الملحقة باتفاقية أوسلو، التي كَرّسَتْ (بموافقة قيادات منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسها ياسر عرفات) سلب الفلسطينيين أي هامش اقتصادي، والتعامل يعملة الإحتلال (شيكل) كما يفرض اتفاق باريس اتحاد تجاري بين المُسْتَعْمِر والمُسْتَعْمَر، ويفرض تحصيل الكيان الصهيوني الضرائب، ومنها الضرائب الجمركية وضريبة القيمة المضافة، لتستخدمها وسيلة للضغط السياسي…
قَدّرت منظمة الأمم المتحدة للتنمية في آسيا الغربية (أونكتاد) خسائر قطاع غزة خلال عدوان 2014 بنحو 7,6 مليار دولارا (البنية التحتية والأصول الإنتاجية) كما قدرت المنظمة نسبة البطالة ب42% ونسبة الفقر بنحو 38% في غزة، بينما تصل نسبة البطالة إلى 18% في الضفة الغربية، وفق ما وفره البنك العالمي من إحصاءات (2014)، ويتوقع البنك العالمي تراجُعَ نسبة نمو الإقتصاد الفلسطيني سنتي 2017 و 2018، وارتفاع عجز الميزان التجاري إلى الميزان التجاري عجزاً كبيراً عند المستوى 15,5% سنة 2017 وإلى 15,4% سنة 2018 وعجز الموانة إلى متوسط 9,5% خلال نفس السنوات، ولا يستطيع الإقتصاد الفلسطيني أن ينمو بشكل مستقل عن الإحتلال لأنه لا يمكن له بناء شراكات اقتصادية مع العالم الخارجي، أو إقامة مشاريع تنموية داخل الضفة والقطاع، لأن “شرعية” السلطة مُسْتَمَدّة من اتفاقيات أوسلو وملحقاتها (أهمها اتفاق باريس الإقتصادي) ولا يمكن التخلص من اتفاق باريس واستبداله باتفاق يمكن من حرية التجارة، أو انتهاج خيارات اقتصادية بدِيلَة، ودعم قطاعات الطاقة والصناعة والزراعة…
في هذه الظروف ورد إعلان الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” يوم السادس من كانون الأول 2017 نقل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية لدى دولة الإحتلال إلى القدس “عاصمة إسرائيل”، تنفيذًا لقرار اتخذه المجلس (الكونغرس) منذ 1995، ما أثار ردود فعل شعبية، من مظاهرات واعتصامات وإضرابات، وطالبت القوى الوطنية في مصر والأردن بإلغاء اتفاقيات “كمب ديفيد” و”وادي عربة”، وطالبت بعض القوى الفلسطينية بإنهاء كل الاتفاقيات مع العدو، لكن من سيتخذ قرار إنها العمل بهذه الإتفاقيات؟ أَهِي سلطة رام الله التي تستمد “شرعية وجودها” من هذه الإتفاقيات؟
يمكن تفعيل المقاطعة النشيطة، أو ما يسميه الرفيق عادل سمارة “التنمية بالحماية الشعبية”، انطلاقا من تجربة الإنتفاضة (1987) التي أَخْمَدَتها منظمة التحرير الفلسطينية بتوقيعها اتفاقيات أوسلو، وذلك بمقاطعة البضائع الصهيونية، والبدء بما هو غير ضروري، وبما يوجد له بديل لدى الفلسطينيين، ومحاولة إيجاد بدائل للعاملين في المستوطنات الصهيونية بتنشيط قطاعات اقتصادية أهملتها السلطة أو كانت ضحية اتفاقية باريس، والإمتناع عن تسديد الضرائب التي يجبيها الكيان الصهيوني، وغير ذلك من وسائل المُقاومة التي يمكن أن تتضرر منها بعض الفئات والقطاعات الإقتصادية الفلسطينية، لكن الإقتصاد الصهيوني هَشٌّ بدوره (رغم الدّعم الأمريكي والأوروبي، أي الإمبريالي) فقد تأثر بانتفاضة 2000 وقَدّر الإحتلال خسائره بحوالي عشرة مليارات دولارا، ويُعْتَقَدُ أنها أعلى من ذلك، إضافة إلى اعتماد الإقتصاد الصهيوني (ووجوده) على الهجرة الإستيطانية والسياحة والإستثمارات الخارجية، وتتأثر هذه القطاعات بعدم الإستقرار، ولذلك وجب العمل على وقف تدفق المستوطنين (إن لم نستطع دفْعَهم إلى العودة إلى بلادهم) وتدفق السائحين والإستثمارات الأجنبية وإشعار الشركات بأن فتح فروع لها في فلسطين المحتلة أمر غير مضمون العواقب، وتكثيف النشاطات التي تزيد من خسائر الإقتصاد الصهيوني، وتكثيف حملة المقاطعة التجارية والأكاديمية والثقافية وغيرها في أمريكا وأوروبا والعالم… جميع البيانات الواردة مقتطفة من مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، ومركز “البديل” للتخطيط والدراسات الإستراتيجية (مصر- وهو موقع حَجَبَتْه سُلْطة الجنرال عبد الفتاح السيسي)
2017-12-15
عن نشرة كنعان