فرنسا – بعض أسباب ومظاهر تعزيز قوة اليمين المتطرف
الطاهر المعز
دعم الفساد والإرهاب في الخارج
نموذج مجموعة لافارج للإسمنت وتمويل الإرهاب في سوريا
أعدت دائرة القضاء الجمركي الفرنسي خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2020 تقريرًا موجزًا لقضية شركة “لافارج” للإسمنت في سوريا كالتالي: استمرت شركة لافارج في تشغيل مصنعها للإسمنت في سوريا، غير بعيد من الرّقّة، معقل داعش، رغم المخاطر، واعتادت إدراة لافارج على العمل في بيئة تتدهور تدريجيًا لدرجة تُعرّض حياة الشركة والمجموعة بأكملها للخطر […]. وهكذا، خلال عامين، وانطلاقًا من انعدام الثقة الطبيعي بالمخاطر التي تُواجهها في بلدٍ في حالة حرب وخاضع لسيطرة الجماعات الإرهابية المسلحة، تعاملت إدارة لافارج مع داعش للمحافظة على هوامش ربح الشركة، بينما كانت العديد من الشركات بصدد إنهاء أنشطتها في سوريا، وبينما رفضت الحكومة الفرنسية مقاضاة شركة لافارج العابرة للقارات، ذات المنشأ الفرنسي، أعدت منظمات غير حكومية ( سنة 2016 و 2017) التقرير المُشار إليه، ومن ضمنها منظمة غير حكومية تدعى شيربا في باريس، والمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، ومقره برلين.
بدأت محكمة باريس، ابتداءً من يوم الثلاثاء 4الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، محاكمة شركة الإسمنت متعددة الجنسيات “لافارج” (التي اندمجت الآن مع مجموعة هولسيم السويسرية، وجنّدت 19 محاميا للدّفاع عنها)، المتهمة بتمويل الإرهاب بعد أن دفعت ملايين اليورو، بين عامي 2012 و2014، لعدة جماعات إرهابية في سوريا، من بينها تنظيم داعش، وهو التنظيم نفسه الذي تَبنّى عمليات إرهابية في باريس وسان دوني بعد عام، ويمثل أمام المحكمة ثمانية أفراد، من ضمنهم عدد من المديرين التنفيذيين السابقين، بمن فيهم الرئيس التنفيذي برونو لافونت، في هذه المحاكمة المتعلقة ب”الجشع المُؤَسّسي”، لأن ، والتي تتميز بإنكار جميع المتهمين ارتكاب الجرائم المذكورة في مُذكّرة مكتب المدعي العام لمكافحة الإرهاب، وهي محاكمة غير مسبوقة لشركة متعددة الجنسيات، ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى 16 كانون الأول/ديسمبر 2025، وأشار تقرير قضاة التحقيق، والذي صدر خلال شهر تشرين الأول/اكتوبر 2024، إن الدافع وراء الاتفاق الذي أبرمته شركة لافارج مع داعش في سوريا كان “اقتصاديا بحتاً” ، وإن “جميع المتهمين، في إطار منطق السعي إلى تحقيق أرباح للكيان الاقتصادي الذي يخدمونه، أو بالنسبة لبعضهم أرباحًا شخصية مباشرة، نظموا أو صدقوا أو سهلوا أو نفذوا سياسة تتضمن إرسال التمويل إلى منظمات إرهابية”، و قدر القضاة أن شركة لافارج دفعت 3,1 مليون يورو لجماعات إرهابية للحفاظ على تشغيل مصنع إسمنت، يقع على بُعد حوالي مائة كيلومتر من الرقة، “العاصمة” السابقة لتنظيم داعش الذي تدعمه تركيا مباشرة، والولايات المتحدة بشكل مُقَنّع، فضلا عن مبلغ 1,9 مليون يورو وُزّع على موردين “مرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية “، ولا سيما لتوفير المواد الخام الأساسية لإنتاج الإسمنت.
تواجه شركة لافارج كذلك إجراءات قانونية في الولايات المتحدة، ووافقت على دَفْعِ غرامة بقيمة 778 مليون دولارا لتجنب المحاكمة، بسبب ارتكاب “جريمة شنيعة” ( الإتفاق مع داعش) وفق القضاء الأمريكي.
أهملت وسائل الإعلام الفرنسية بعض المسائل الهامة، عند تناول هذه القضية:
لم يتم اتهام شركة لافارج بارتكاب ( أو بالتواطؤ في ارتكاب) جرائم ضدّ الإنسانية رغم الحديث عن تمويل منظمات إرهابية تعتبرها دعاية حكومات الدّول الرأسمالية “عدُوًّا”، مثل داعش، كما إن شركة لافارج عَرّضت العُمال السُّورِيِّين للخطر، فقد ارتكبت المنظمات الإرهابية ضدّهم انتهاكات خطيرة واستخدمتهم كرهائن لابتزاز الشركة التي تستغلُّهُم، ولكن لا وسائل الإعلام ولا القضاء الفرنسي ولا أحد يهتم بحقوق هؤلاء العُمّال ولم تُدْرج المحكمة تهمة “تعريض حياة الآخرين للخطر” ضمن التُّهَم المُوجّهة للشركة العابرة للقارات، خصوصًا بعد تنصيب قادة “النُّصْرة” ( فرع القاعدة في سوريا) بواسطة تركيا، عضو حلف شمال الأطلسي، كحُكّام جدد لسوريا، متعاونين مع الكيان الصهيوني، ومع القوى الإمبريالية التي استقبلت زعيم الإرهابيين بحفاوة، وأصدرت محكمة النّقض ( أوائل سنة 2024) قرارًا بالتّخلِّي عن “تهمة تعريض حياة الآخرين عمدا للخطر لفترة طويلة”، حيث اعتبرت “إن إدانة الجريمة غير قابلة للتطبيق، بسبب عدم وجود أساس نصي واضح في قضية لافارج وموظفيها السوريين”، واعتبر بعض الدّيمقراطيين المُدافعين عن حقوق الإنسان إن الإعتبارات القانونية تُمثّل “غطاء للإنتهاكات التي يرتكبها النّظام الإستعماري الجديد والتي تُمكّن الشركات العابرة للقارات من استعباد شعوب الجنوب العالمي وتأجيج الجرائم الدولية وتدمير الحياة، فقد كانت حياة العُمّال السّوريين مُعَرَّضَةً للخطر لسنوات عديدة، وتم تجاهلها بينما تمت حماية المغتربين الفرنسيين في سوريا أو في مناطق أخرى من العالم، بمن فيهم تُجّار المخدّرات والمرتزقة والجواسِيس…”
يُجَسّد قرار محكمة النقض عدم تطبيق القانون الفرنسي على شركة فرنسية المنشأ لها فُروع في الخارج، وعدم تطبيق القانون الفرنسي على عُمّالها السُّورِيِّين تطبيق ازدواجية المعايير والتّمْيِيز الواضع – باسم القانون – بين العُمّال الفرنسيين والسّورِيِّين لدى نفس الشّركة، ولهذه الأسباب أصرّت بعض المنظّمات الحقوقية على تجميع شهادات عن معاناة الموظفين والعُمّال السُّورِيِّين والمَخاطر التي تعرّضوا لها بحكم عملهم في شركة لافارج في سوريا، وطالبت هذه المنظمات بمحاسبة مسؤولي شركة لافارج التي تحاول – بمساعدة جهاز القضاء الفرنسي – التّنصُّل من كل مسؤولية رغم اعتراف بعض مسؤوليها بالمفاوضات والإتفاق مع المنظمات الإرهابية – داعش بشكل خاص – “لتقاسم الكعكة، والمُحافظة على نشاط الشركة وإيراداتها وأرباحها في ظروف صعبة”…
فساد مجموعة “بولوريه” في إفريقيا
أولا النفوذ الإعلامي والسياسي لمجموعة بولوريه
أضرب صحافيو أسبوعية “جريدة الأَحَد” ( Le Journal Du Dimanche – JDD ) لمدة فاقت الشهر، بدعم من مئات المثقفين والصحافيين والشخصيات الفرنسية ، بسبب تعيين مدير تحرير اشتهر بمواقفه الدّاعمة لليمين المتطرف، وأثار استحواذ الفرع الإعلامي لمجموعة فنسانت بولوريه ( من ضمنها قناة التلفزيون “سي نيوز” ومجموعة فيفندي التابعة له) أو مجموعة لاغاردير على مجموعة هامة من وسائل الإعلام السمعية والبصرية والمكتوبة جدلا حتى في البرلمان الفرنسي المعروف بجموده وعدم فاعليته في مواجهة الحكومات، بسبب انتشار الدفاع عن نظريات اليمين المتطرف في وسائل الإعلام، والدّفاع العَلَني عن العُنصرية وكراهية العمال المهاجرين والمسلمين والإفريقيين والعرب، وفي مقدّمتهم الشعب الفلسطيني، كما تُخصّص هذه القنوات الإعلامية برامج أسبوعية أو يومية للدفاع عن نظرية ” الاستبدال العظيم” التي يدّعي مُروّجوها إن الأجانب يجتاحون أوروبا وسوف يصبحون أغلبية، فيما لا تزيد نسبتهم ( مع أبنائهم وأحفادهم ) عن 6% أو 7% من العدد الإجمالي لسكان أوروبا الغربية، ويقومون بالأعمال التي ينفر منها السكان المحليون لأنها شاقة وغير مُجزية، وتقل نسبتهم بكثير في أوروبا الوسطى والشرقية ، وتُركّز قناة التلفزيون “سي نيوز” المملوكة لمجموعة بولوريه على الهجرة والإسلام والأمن وشباب الضواحي، وتستفيد من ذلك، حيث ارتفعت نسبة مشاهدتها في فرنسا…
يحتل فنسنت بولوريه المرتبة العاشرة أو الحادية عشر في قائمة فوربس لأثْرَى أثرياء العالم وفاقت ثروته سنة 2023 عشر مليارات يورو بفضل الأنشطة الصناعية والتجارية والإعلامية، وورث الملياردير فنسنت بولوريه هذه الثروة عن عائلته التي استفادت من الإستعمار الفرنسي لإفريقيا الغربية ( بشكْلَيْه القديم والجديد) وشملت نشاطات مجموعة بولوريه الشّحن والنقل البحري والمقاولات في نيجيريا وغانا وساحل العاج والكامرون وغيرها، ومكّنته علاقاته المتينة بقادة سياسيين في دول أفريقيا من الإستحواذ على وسائل الإعلام المحلية وتحويلها إلى فُروع لوسائل الإعلام الفرنسية التي يمتلكها، فضلا عن شركات الإشهار والدعاية والاتصال مثل شركة «هافاس» العابرة للقارات، وساعده صديقه الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي على تصميم وتنفيذ استراتيجيته لنشر الفكر اليميني وتقليد مجموعة فوكس نيوز الأمريكية ومجموعة روبرت مردوخ، كما أنشأ بولوريه مدرسة خاصة للصحافة، تنشر الفكر اليميني المتطرف، وبذلك تمكّن فنسنت بولوريه ومجموعته الإقتصادية والمالية من بسط نفوذهما على قطاعات النقل والإعلام والإعلانات في أوروبا وإفريقيا، وهي سابقة تاريخية في تركيز وبَسْط النفوذ من أجل ترويج لبرنامج سياسي وتوجهات إيديولوجية يمينية متطرفة، مما سمح لليمين المتطرف بالتّغلْغُل في الفضاء الإعلامي والثقافي والسياسي الفرنسي ( كما في ألمانيا وأوروبا الشمتالية وإيطاليا وهولندا وغيرها من البلدان الأوروبية)، وأدّى تسويق امبراطورية بولوريه الإعلامية لبرامج وأفكار اليمين المتطرف إلى احتلاله مكانة هامة في كافة مواقع الحياة السياسية…
لعبت وسائل الإعلام التي يمتلكها بولوريه ( خصوصًا القنوات التلفزيونية سي نيوز و سي 8 ومحطة الإذاعة أوروبا 1 وصحيفة الأحد “ج يدي دي “) دَوْرًا كبيرًا في التّقارب بين أحزاب اليمين “المعتدل” و المُتطرف بهدف تشكيل “اتحاد اليمين” بكافة فصائله، وكان هذا الهدف واضحًا خلال الإنتخابات النيابية لصيف 2024 التي فتحت الباب لتحكّم اليمين المتطرف في الإيقاع السياسي الفرنسي، من خلال تركيز وسائل الإعلام التي يمتلكها بولوريه على المواضيع المُحبّبة لليمين المتطرّف والمناهضة للمهاجرين والمسلمين والتي تدّعي إن وجود المهاجرين سبب انعدام الأمن ( المُفترض ) وهي دعاية مُضَلِّلَة تندرج ضمن إيديولوجية “صراع الحضارات” وتندرج مساهمة بولوريه ومجموعته الإعلامية في التّرويج المُكثّف والمُستمر لهذا التّضْلِيل، وتحويل الأنظار عن انخفاض القيمة الحقيقية للأجور وارتفاع أسعار الغذاء وإيجار السّكن والنقل وخصخصة الرعاية الصحية وارتفاع نسبة البطالة والفَقْر وما إلى ذلك من المشاكل الحقيقية التي تطمسها مختلف وسائل الإعلام، المرئية والمسموعة والمكتوبة، المملوكة لمجموعة بولوريه المُتَحيِّزة إلى اليمين المتطرف، بعد أن ألغت برامج التحقيقات الاستقصائية واستبدلتها بمحتوى هابط وببرامج إخبارية لا تُرَوّج سوى وجهة نظر اليمين المتطرف، وتسريح الصحافيين الذين يُروّجون لإنتاج محتوى جادّ وموضوعي…
يمتع بولوريه بنفوذ واسع في مؤسسات الدّولة الفرنسية، وتمكّن من مُلاحقة موقع صحفي نَشَر تحقيقًا عن “آلية استيلاء شركات فرنسية – منها مجموعة بولوريه – على الأراضي الزراعية في إفريقيا، ولاحق كافة صحافيي هذا الموقع والوسائل الإعلامية التي أشارت إلى التّحقيق، كما لاحقَ قضائيًّا صحافيًّا كان يُعِدُّ كتابا عن توسُّع نفوذ فنسنت بولوريه، أي قبل مرحلة النّشْر، وطلب مؤلف الكتاب من الملياردير بولوريه استخدام حق الرّد على ما قد يعتبره تضليلاً أو ظُلْمًا له، فما كان من بولوريه سوى أن لاحقه قضائيا وطلب مبلغ 700 ألف يورو على سبيل العطل والضرر، كما لجأ الملياردير بولوريه إلى رَفْع خمس دعاوى قضائية في فرنسا وفي إفريقيا ضدّ مُعِدِّي شريط وثائقي عن امبراطوريته التجارية والإعلامية، ولئن خسر بولوريه جميع القضايا، لأنها واهية، فقد نجح في استنزاف خصومه مالياً وإضاعة وقتهم وجُهدهم، وهي وسيلة لِرَدْعِ الصحافيين أو وسائل الإعلام المنافسة ولثَنْيِهِم عن تناول مواضيع تخصّ بولوريه وشركاته، أو علاقاته برجال السياسة مثل نيكولا ساركوزي وزعماء اليمين المتطرف وتأثيره في المسار الإنتخابي في فرنسا وفي إفريقيا…
ثانيا: النفوذ السياسي والإقتصادي في إفريقيا
قدّم ائتلاف إحدى عشر جمعية من فرنسا وغينيا وتوغو وساحل العاج والكاميرون وغانا والكونغو، دعوى قضائية من خلال شكوى إلى النيابة العامة المالية في باريس، خلال شهر آذار/مارس 2025، لمقاضاة مجموعة بولوري بسبب استحواذها على امتيازات موانئ في أفريقيا، بوسائل غير مشروعة، وتضمنت الدّعوى المطالبة بإعادة جزء من أرباح مجموعة بولوريه إلى المجتمعات المتضررة من هذا الفساد والتي تم تهجيرها من أراضي أجدادها، بتواطؤ مع السلطات المحلية في عدة دول أفريقية، سمحت لبولوريه بالإستحواذ على عدة موانئ في ظل ظروف غامضة، قبل بيع أصول الشركات الفرعية المتخصصة في النقل والخدمات اللوجستية في أفريقيا، “بولوري أفريكا لوجيستكس”، لشركة الشحن السويسرية MSC مقابل 5,7 مليار يورو في عام 2022، مما أتاح لمجموعة بولوريه تحقيق مكاسب رأسمالية قدرها 3,15 مليار يورو ضمن أرباحها للعام 2022. أما سبب اختيار تقديم الدّعوى إلى القضاء الفضاء لأن “لِلْمُفْسِدِين صلة مباشرة بفرنسا: فهم يحوّلون عائدات هذه الممارسات الاحتيالية عبر مصارف في فرنسا”، وفق جان جاك لومومبا ( ابن شقيق باتريس لومومبا ) الذي يرأس جمعية “التعويض لإفريقيا” المُناهضة للفساد، ويتهم ائتلاف الجمعيات فنسنت بولوريه وابنه بتلقي سلع مسروقة وغسل الأموال، في خمسة من أصل ستة عشر امتيازًا للموانئ الإفريقية التي تم بيعها سنة 2022، وتمكنت الجمعيات والمُحامون المتطوعون من إثبات هذه التّهَم بعد تحقيقات دقيقة للغاية بشأن موانئ كريبي (الكاميرون) وأبيدجان (ساحل العاج) وتيما (غانا) ولومي (توغو) وكوناكري (غينيا)، وتم إثبات ممارسات المحسوبية واستغلال النفوذ وتضارب المصالح المرتكبة، بين سنتَيْ 2004 و 2022، أثناء الاستحواذ…
طالبت الدّعوى باستعادة هذه الأصول، التي نشأ جزء منها “بوسائل احتيالية، بعد تلقِّي أموال عامة واستخدامها – واستخدام النّفوذ والرشوة – للحصول على مكاسب غير مشروعة وعقود وامتيازات لتحقيق أرباح وفوائد ناتجة عن ممارسات غير مشروعة، وبالتالي وجبت معاملتها كأصول غير مشروعة، وغير نزيهة، وإعادة هذه الأرباح إلى السكان الأفارقة المتضررين” من خلال تمويل مشاريع التنمية شرط عودتها بالنفع الحقيقي على الشعب…
حصلت مجموعة بولوريه في العديد من بلدان إفريقيا على امتياز استغلال الموانئ، في توغو وفي غينيا دون طرح مناقصة وفي سرية تامة ( في توغو وغينيا، على سبيل المثال)، واحتجّ عمال ميناء مدينة كوناكري – عاصمة غينيا – لرفضهم منح الامتياز لبولوري، لأنه كان “يخطط لخفض الأجور”، لكن بولوري كان يتمتع بحصانة كاملة، لأنه ساعد الرئيس ألفا كوندي في حملته الإنتخابية، من خلال تقديم شركة الإعلانات التابعة لمجموعة “هافاس” العابرة للقارات خدمات للمرشح ألفا كوندي الذي كان مهدّدًا بالهزيمة، وحصل نفس الأمر في توغو
صدرت يوم الخميس 24 نيسان/ابريل 2025 دراسة من 72 صفحة بعنوان “نظام بولوريه: من النهب المالي إلى النضال السياسي “نشرتها منظمة أتاك ومرصد الشركات متعددة الجنسيات، بشأن الأرباح التي حققها الملياردير بولوريه من قطاع الخدمات اللوجستية في أفريقيا، ومكّنته عمليات النّهب هذه من تمويل توسعه في مجال الإعلام والثقافة، سواءً في فرنسا أو في قارة إفريقيا، وتناولت الدّراسة الهيكل المالي المعقد لامبراطورية بولوريه بخطوطها العريضة الضبابية، وتفاصيل استحواذها على شركات إعلامية عديدة في أفريقيا، كما تٌدّم الدّراسة تحليلا لاستراتيجية التّوسّع والتورّط في قضايا فساد واسعة مثل مشروع ( EACOP ) التابع لشركة توتال إنرجيز في أوغندا، ومصالح صندوق الثروة السيادية النرويجي في المجموعة، فيما أوصت لجنة الأخلاقيات التابعة للصندوق النرويجي وكذلك الجمعية السويسرية للاستثمار المسؤول (ASIR)، بإدراج شركات مجموعة بولوريه في القائمة السوداء .
شبكات الدّعم للملياردير بولوريه
استفاد فنسنت بولوريه من ثروة العائلة وكذلك من زملاء الدّراسة في المؤسسات التعليمية المُخصّصة للنّخبة، والذين أصبحوا يحتلون مواقع نفوذ في مجالات المصارف والسياسة والقضاء، منذ رئاسة فاليري جيسكار ديستان ( من 1974 إلى 1981) ومن جاء بعده سواء من “اليسار” (الحزب المُسَمّى “اشتراكي”) أو من اليمين، مثل برنارد كوشنر، صديقه الحميم من مدرسة ليسيه تورغو في باريس، وزملائه من خريجي معهد الدراسات السياسية، الذين تولوا مناصب سياسية في عهد الرئيس فاليري جيسكار ديستان، وكان غي بين، المستشار السابق لفرانسوا ميتران في الشؤون الأفريقية، ضيفًا دائمًا على حفلات عشاء الرؤساء الأفارقة في باريس وكان صديقًا لبولوريه، وربط الصلة بينه وبين العديد من الرؤساء الأفارقة، ويَسّرت له شبكة العلاقات الواسعة الإستحواذ على المؤسسات الإقتصادية والإعلامية والثقافية في فرنسا وكذلك في إفريقيا وأصبح يسيطر على الاستوديوهات، وشركات الإنتاج السمعي البصري، وقاعات العروض، ومنصات البث عبر الإنترنت، وسلاسل البيع بالتجزئة، وناشري ألعاب الفيديو، لتصبح مجموعة بولوريه “آلة حرب ثقافية وإعلامية في خدمة اليمين المتطرف والعنصرية والشوفينية”، بتواطؤ من السلطات الفرنسية التي تعتبره بطلا قوميا ينافس شبكات آبل ونتفليكس وغيرها من الشبكات الأمريكية، كما استفاد من الإرث الإستعماري الفرنسي في إفريقيا منذ عقد الثمانينيات من القرن العشرين، فاستحوذ على شركات التّبغ والسجائر ( القطاع الذي ورثه عن عائلته ) ثم على مجال اللوجستيات والبنية التحتية للنّقل البري والسكك الحديدية والموانئ ) في غياب الشفافية والمُحاسبة بفضل علاقاته الوثيقة مع رؤساء الدول الأفريقية التي مكّنته من الحصول على العديد من الامتيازات في ساحل العاج و وغو وغينيا والغابون وغانا ونيجيريا والكونغو وبنين…وغيرها وأنشأ شركات فرعية مثل (Bolloré Africa Logistics ) وعين وزراء أفارقة سابقين في مناصب إدارية هامة مثل “مارتين كوفي ستودر، وزيرة الإتصالات في حكومة ساحل العاج من 2006 إلى 2007 وارتفعت إيرادات الفرع الإفريقي لمجحموعة بولوريه من 766 مليون يورو سنة 2002 إلى نحو مليارَيْ يورو بعد ثماني سنوات ( سنة 2010) وإلى 2,7 مليار يورو سنة 2015، وأصبح بولوريه يمتلك إحدجى عشر شركة، بين سنتَيْ 2015 و 2022، وحققت هذه الشركات إيرادات بقيمة 7,5 مليار يورو، وحققت أرباحًا قياسية بلغت 2,2 مليار يورو، وباعت المجموعة بعض الشركات التابعة لها في إفريقيا بقيمة 5,7 مليار يورو وحققت أرباحًا قياسية من عملية البيع بلغت ( الأرباح) 3,15 مليار يورو سنة 2022…
حصانة سياسية وقضائية
واجه بولوري قضايا عديدة وأهمها تخص حادث قطار إسيكا سنة 2016 في الكامرون، والذي أسْفقَر عن 82 قتيل، وواجه تقارير عديدة تضمنت وثائق تُثبت تورّطه في رشوة مسؤولين في توغو وغينيا، واستخدام عمالة الأطفال في مزارعه، فضلا عن الشكاوى والقضايا التي تم ذكرها في فقرات سابقة، بتهم عديدة من بينها الرشوة والفساد واستلام سلع مسروقة وغسيل الأموال وغيرها… .
لا تزال مجموعة عائلة بولوري تسعى للتوسع في مجالات عديدة، أهمها الإعلام الذي تم تكريسه لصالح اليمين المتطرف وتجري المجموعة مفاوضاتٍ للاستحواذ على شركة “ملتي تشويس” الجنوب أفريقية، لتضُمّها إلى شبكة “كانال + ” المتواجدة في حوالي خمسة عشر دولةً أفريقيةً ناطقةً بالفرنسية، والتي لا يمكن مشاهدتها سوى عبر نظام الإشتراك، وبها ثمانية ملايين مشترك، بنهاية سنة 2023، مما يعزز التوسع المالي لمجموعة بولوريه في إفريقيا، وبلغت إيرادات شبكة “كانال + ” في إفريقيا سنة 2023 أكثر من 850 مليون يورو، ويمكنها إضافة حوالي 21 مليون مشترك ورفع إيراداتها بنسبة 45% بعد الاستحواذ على شبكة “ملتي تشويس (MultiChoice) التي لها مشتركون في البلدان الإفريقية الناطقة بالإنغليزية والبرتغالية، ولذلك، لا تعتزم مجموعة بولوريع التّخلّي عن فُروعها في إفريقيا، لأن ربحيتها عالية، ولا تزال المجموعة تتوسّع في القطاعين الثقافي والإعلامي ويتوسع معها استخدام هذه المنصات في مشروع ديني كاثوليكي وسياسي يميني متطرف يهاجم الأفارقة والمسلمين والمهاجرين في فرنسا وينهب ثرواتهم وثقافته في إفريقيا…
بولوريه بوق اليمين المتطرف الفرنسي والعالمي
يسعى الملياردير فنسنت بولوريه منذ سنوات إلى تحالف بين أحزاب اليمين “المعتدل” والمتطرف، وكثّف جهوده منذ 2023 لتحقيق التقارب بينهما وتشكيل تحالف انتخابي قبل موعد الإنتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2027، ويدعم اتحاد أرباب العمل الفرنسي ( ميديف – MEDEF ) هذه الخِطّة، الذي أعلن رئيسه باتريك مارتن: ” يجب الإقتداء برجال الأعمال في إيطاليا (كونفيندوستريا ) الذي يعملون في جو من الوئام مع حكومة جورجيا ميلوني” ( اليمينية المتطرفة)…
تمثّل نشاط مجموعة فنسنت بولوريه وخصوصًا وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة التي تملكها المجموعة، في دعم اليمين المتطرف عقائديا وسياسيا وإعلاميا، وجرت لقاءات مباشرة بين بولوريه وجوردان بارديلا ( رقم 2 في “التدجمع الوطني” أهم أحزاب اليمين المتطرف في فرنسا) سنة 2024، وكان دور النّشر التي يملكها بولوريه ( فيارد – Fayard ) قد نشرت كتابَيْن ( 2024 و 2025) وتولّت وسائل الإعلام التي يمتلكها بولوريه إقامة ضجّة كبيرة حول الكتابَيْن وصاحبهما، والتقى بولوريه مع مارين لوبان ( ابنة الزعيم المؤسس ورئيسة “التجمع الوطني”) يوم 13 تشرين الأول/اكتوبر 2025، وبذلك يقوم رجل الأعمال فنسنت بولوريه بدور الوساطة بين نقابة أرباب العمل وأهم أحزاب اليمين المتطرف، بدعم علني من مليارديرات آخرين مثل بيير إدوارد ستيرين، صاحب صندوق الاستثمار أوتيوم كابيتال، وفرانسوا دورفي الذي يُدير شركةً أخرى تُعتبر المُمول السري لحزب عائلة لوبان، وهي خطوات يَسَّرَت الاندماج الأيديولوجي بين رأس المال واليمين المتطرف، في حين يقدّم حزب “التجمع الوطني” نفسه على أنه حزب الشعب، لكنه يدافع عن “حق الأثرياء والشركات الكبرى في الحفاظ على امتيازاتهم الضريبية”، وللتذكير فقد تضاعفت ثروات أغنى 500 شخص في فرنسا بأكثر من الضعف منذ سنة 2017، من 500 مليار يورو إلى 1,2 تريليون يورو، بينما يعيش قرابة عشرة ملايين شخص في فقر مدقع، وينام أكثر من ثلاثة آلاف طفل في الشوراع، وحصل أصحاب أسهم الشركات المُدْرجة في سوق المال بباريس ( كاك 40) سنة 2024 على أرباح قياسية بقيمة مائة مليار يورو، وصَوّت نواب حزب “التجمع الوطني” في مجلس النواب الفرنسي ضد العمال وضد زيادة الحد الأدنى للأجور وضد ربط الأجور بالتضخم وضد تجميد أسعار الضروريات الأساسية، وضدّ مجانية وجبات المدارس للأطفال من ذوي الدخل المحدود، وضد تجميد الإيجارات، بل كتب جوردان بارديلا ( ثاني أكبر زعيم في حزب اليمين المتطرف) خلال شهر أيلول/سبتمبر 2025، رسالةً إلى رجال الأعمال لطمأنتهم بشأن برنامج حزبه، واقترح ” ميثاق ثقة ” يتضمن خفضًا كبيرًا في ضرائب الشركات الرأسمالية الكبيرة بنحو عشرين مليار يورو وإلغاء ضريبة الممتلكات التجارية والضريبة على القيمة المضافة للشركات، “لدَعم تنافسية الشركات الفرنسية”، فضلا عن ما تضمنه برنامج اليمين المتطرف من “خفض الإنفاق العام المسرف، وتعزيز الإنتاج من خلال تبسيط اللوائح وخفض الضرائب” ورفض حزب “التجمع الوطني” ضريبة الشركات التصاعدية، ما يعني أن الشركات الصغيرة جدًا والشركات الصغيرة والمتوسطة تخضع لضرائب أعلى من الشركات الكبيرة.
دعمت العديد من المجموعات المالية والإقتصادية والإعلامية في فرنسا وفي مقدمتها مجموعة فنسنت بولوريه أحزاب اليمين المتطرف ( وعلى رأسها “التّجمّع الوطني”) لأن هذه الأحزاب من أشدّ المؤيدين لتأبيد النظام الرأسمالي، ومن الدّاعين للتضييق الشديد على حرية التنظيم النقابي، وأظهرت الأحداث التاريخية دعم القوى الرأسمالية الأحزاب الفاشية والأنظمة الديكتاتورية وتعاونت مع الإحتلال النازي للمحافظة على مصالحها…
2025-11-08