فتح.. بين التحرر وبيع الوهم!
بقلم / عنان بدر
بعد واحد وستين عاماً على انطلاق حركة فتح، فإن النقاش النقدي لا يمكن اعتباره ترفًا فكريًا ولا موقفًا عدميًا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية، خصوصًا لمن ينطلق من الحرص على المشروع الوطني الفلسطيني، لا من موقع الإنتفاع او الخصومة الحزبية. فمن حق الفلسطينيين، بل من واجبهم، مساءلة الحركة التي قادت المشهد السياسي لعقود، واحتكرت القرار الوطني الفلسطيني، ثم أوصلته إلى ما هو عليه اليوم.
عند العودة إلى النظام الداخلي لحركة فتح، نجد خطابًا واضحًا لا لبس فيه يؤكد على الكفاح المسلح كوسيلة مركزية ووحيدة لتحرير فلسطين ويفترض أن يكون ذلك من خلال قيادة جماعية ترفض الفردية وتتمتع باستقلالية تامة عن الأنظمة العربية وعن الضغوط الخارجية
غير أن الواقع لم يعكس إلا مغامرات سياسية غير محسوبة وفي بعض الأحيان يشك الباحث بأنها مغامرات فاشلة مع سبق الإصرار والترصد، خصوصًا في عهد عرفات وصديقه كرزاي فلسطين كما اعتاد أن يسميه محمود عباس حيث أظهرت هذه المغامرات تناقضًا جوهرياً مع مبادئ الحركة التي أعلنتها عند انطلاقتها والتي بسببها حصلت على تأييد منقطع النظير من اللاجئين الفلسطينيين وعلى رأس هذه المبادئ تحرير كل فلسطين التاريخية وعودة اللاجئين ورفض أية حلول سلمية. هذه المبادئ كانت ايضاً مفتاح الحركة للسيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية.
ورغم الرمزية التاريخية المصطنعة لياسر عرفات والتي لا تنسجم مع انجازاته، فإن تجربته اتسمت بتناقض واضح فقد هيمن على المال بشكل مطلق وبالتالي جمع السلطات بيده وأنتهى الأمر بتهميش الأطر القيادية للحركة التي لم تكن لتحصل على المال إلا من خلال تقديم الطاعة والولاء له. وتحولت طريقة إدارة القرار الوطني لأسلوب شخصي أكثر منه مؤسساتي أو جماعي. لقد شكل القبول باتفاق أوسلو السري والخياني الذي يناقض جوهر الميثاق الثوري لفتح ويناقض ايضاً الميثاق الوطني الفلسطيني قبل حذفه بنود التحرير فيه، دون العودة الحقيقية لقاعدة الحركة أو للشعب الفلسطيني. شكل كل هذا نقطة تحول جعلت من قيادة جماعية ثورية إلى مركزية فردية، ما مهّد لمزيد من المغامرات والشطحات والتنازلات التي حولت فتح من حركة تحرر ثوري الى حارس ووكيل امني للمحتل.
لقد كذب ياسر عرفات على الشعب الفلسطيني حينما تحدث عن الدولة الفلسطينية لأنه وببساطة جميع الإتفاقات الموقعة تتحدث عن حكم ذاتي محدود, بل إن الصهاينة رفضوا إضافة كلمة “الوطنية” للسلطة في نصوص الإتفاقيات ولم يكن من ياسر عرفات إلا ان قبل بذلك. ورغم تأكيدات وزير الخارجية الامريكي الاسبق جيمس بيكر في رسائله لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية وعلى رأسها عرفات أن الاعتراف الأميركي بالمنظمة لا يعني دعم دولة فلسطينية مستقلة وأن اقصى ما يمكن الوصول إليه هو حكم ذاتي فلسطيني محدود وبأن السيادة على القدس واللاجئين ليست مطروحة للنقاش الجدي وبأن الكيان الصهيوني هو الطرف المرجعي في أي ترتيبات نهائية.
هذا الموقف لم يكن اجتهادًا شخصيًا من بيكر، بل عقيدة سياسية أميركية رسمية أصر بيكر على ان يؤكدها لقيادة المنظمة. لقد تجاوز عرفات بقبوله بالحكم الذاتي حتى البرنامج المرحلي الذي طرحه في عام 1974 وأقرته المنظمة بأغلبية فتح والذي أراد إقامة دولة فلسطينية عل ما يتم تحريره دون التراف بإسرائيل. المشكلة الجوهرية كانت في قبول هذا السقف وتسويقه كإنجاز وطني وبأنه الطريق للدولة وهذا غير صحيح على الإطلاق. لقد قبل ياسر عرفات ووقع على اتفاقات معروف مسبقًا أنها لن تقود إلى التحرير.
لقد أكد جيمس بيكر في مذكراته The Politics of Diplomacy بأنه لم يعد الفلسطينيين بدولة بل تحدث صراحة عن Autonomy (حكم ذاتي) على غرار الطرح الإسرائيلي.
وبعد إنقلاب محمود عباس على عرفات بمباركة أمريكية وصهيونية، كان لا بد من ان يتنازل ويقدم ما لم يقدمه عرفات وهو ما كان فعلاً وبالتالي لم يعد التناقض مع مبادئ حركة فتح خفيًا بل صار قطيعة صريحة مع تاريخ فتح فقد أعاد التأكيد كما فعل ياسر عرفات عن التخلي العملي عن الكفاح المسلح بل وتجريمه وقام بتحويل التنسيق الأمني إلى “عقيدة مقدسة” غير قابلة للنقاش او التقصير تحت اي ظرف وإستعان بذلك بالجنرال الأمريكي كيث دايتون.
كل ذلك واكثر ادى الى تعطيل الأطر التنظيمية (المجلس الثوري، المؤتمرات العامة وحتى اللجنة المركزية) التي اصبحت شكلية اكثر منها عملية اصبح الجميع يتسابق على الارتقاء في السلم الوظيفي بعد ان تم ربط المشروع الوطني بالوظيفة السلطوية لا بالتحرير.
هنا ورغم الجهد الإعلامي الهائل الذي يبيع وهم الدولة والسيادة إلا ان فتح لم تعد حركة تحرر وطني، بل اصبحت إدارة مدنية تحت الاحتلال تتغنى بتاريخ نضالي اصبحت هي تحاربه بكل ما اوتيت من قوة.
اليوم وبعد واحد وستين عاماً على انطلاقة حركة فتح تجد ان شعارها التقليدي “ثورة حتى النصر” تم استبداله بشعار جديد “هنا باقون” واصبح الترويج لثقافة الصمود على الارض جوهر ولب “النضال الفتحاوي”. ورغم ان هذا النضال لا يستطيع ان يوقف مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات التي ولا إعتدائات المستوطنين وتجريف الأراضي او حرق اشجار الزيتون وإقتلاعها.
لقد أفلست حركة فتح بعد ان ربطت وجودها بوجود “السلطة الفلسطينية” التي تعمل وكيلاً امنياً للإحتلال ورغم الدولة المزعومة إلا ان الناس تدرك بأن الدولة تعني السيادة على الأرض والناس تدرك ايضاً ان السيادة الحقيقية هي للإحتلال وليس للسلطة وان سيادة السلطة فقط على المساكين من ابناء هذا الشعب.
فشل مشروع الدولة رغم الاعترافات الدولية وتوسع الاستيطان إلى مستويات غير مسبوقة وتعمق الانقسام الفلسطيني بشكل حاد بحيث اصبحت فتح تقف في جهة وبقية الفصائل الفلسطينية تقف في الجهة المقابلة مما يجعل مسؤولية هذا الانقسام تقع على فتح التي تآكلت الثقة الشعبية بها وبقياداتها التي ما انفكت تروج لإنجازات إدارية، بينما الإخفاقات وطنية واستراتيجية.
من حركة ثورية إلى شبكة نفوذ وفساد
لقد تحولت حركة فتح من حركة تحرر ثورية إلى شبكة نفوذ وفساد. إن أخطر ما أصاب فتح ليس فقط فشلها السياسي، بل تحولها الاجتماعي والتنظيمي. فصعود طبقة من المتنفذين المرتبطين بالسلطة والمال وتحوله الى برجوازية حقيقة اصبح واقعاً لا يمكن إنكاره. بل إن الحركة أصبحت تستخدم كأداة لنيل الامتيازات من وظائف ورواتب وتصاريح في حين تم إقصاء المخلصين والوطنيين من الكوادر التاريخية والميدانية.
لم يعد سراً بأن فتح تحولت من حركة تحرر الى شبكة مصالح ونفوذ مغلقة، يُكافأ فيها من يقدم الولاء المطلق ويُعاقَب ويقصى فيها من يفكر في النقد.
في ذكرى إنطلاقتها الواحدة والستين، لا تحتاج فتح إلى مهرجانات وإحتفالات، بل تحتاج إلى مراجعة جادة شجاعة تعيد وصل ما انقطع بين مبادئها المكتوبة وممارساتها الواقعية وإلا، فإن التاريخ لن يذكرها كحركة تحرر، بل سيذكرها التاريخ كحركة أدارت اعادت انتاج الإحتلال وساهمت في إحتلال ابناء شعبها.
ختاماً دعوني اترككم مع بعض الأسئلة لتجيبوا عليها بأنفسكم:
هل حركة فتح حركة تحرر أم حزب ام سلطة؟
هل تمثل حركة فتح إرادة الشارع أم مصالح نخبة برجوازية؟
هل لا تزال حركة فتح قادرة على مراجعة ذاتها؟
هل هناك أي امل لإصلاح حركة فتح؟
1/1/2026