فائض القوة وفائض القدرة على الاحتمال!
سعادة مصطفى أرشيد*
منذ بزوغ نجم بنيامين نتنياهو في عالم السياسة في مطلع تسعينيات القرن الماضي، أصدر كتابه الشهير «مكان تحت الشمس» الذي حدّد فيه رؤيته السياسية والاستراتيجية وخطوط خرائط الطرق التي يريد أن يسلكها، وقد احتلت إيران جزءاً مهماً منها، فقد كان يرى مبكراً ضرورة الاشتباك مع طهران مع معرفته أكلاف الحرب معها ومع حلفائها (أذرعها حسب المفردات الإسرائيلية) وكان يرى أنّ مشروع إيران النوويّ لا بدّ أن يتطوّر للوصول إلى إنتاج القنبلة الذرية مما لا يبقي (إسرائيل) محتكرة امتلاكها ويخلق توازن رعب بينها وبين إيران ومشروعها الإقليمي الطموح. وقد حاور نتنياهو وقدّم تنظيراته لهذه المسألة مع كلّ الإدارات الأميركيّة وحرّض عليها محاولاً دفع واشنطن للحرب نيابة عن (إسرائيل) لتتحمّل هي ودول الخليج أول أكلاف هذه الحرب والتي مهما كانت فداحتها على (إسرائيل) فستبقى أقلّ خطراً من فداحة خطر امتلاك إيران للقنبلة الذريّة.
صبيحة السابع من تشرين الأول 2023 تمّ النفخ في صفارة البدء في حرب غزة والتي لا تزال مستمرّة حتى الآن ولا تزال مقاومة برغم نفاد ذخائرها وضعف إمكانيّاتها تُبدي روح الصمود والتحدّي وتقاوم بما لديها من إرادة. تعلّقت الآمال بإيران فهي القطب والمحور الذي تدور من حوله قوى المقاومة التي تنتظر من طهران دوراً مؤثراً ومباشراً في هذه الحرب التي قد تتطوّر لتصبح حرباً إقليميّة واسعة، خاصة مع إعلان بنيامين نتنياهو أنّ من أهداف الحرب إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط، ولكن طهران لم تقدّم أكثر من الدعم التسليحيّ عبر الشام والمعنويّ طبعاً، متمسكة بنظرية الإصلاحيين فيها والقائمة على الصبر الاستراتيجي والتمدّد البطيء، وهي سياسة لم تثبت جدواها وأدّت في النهاية إلى انهيار النظام في دمشق لصالح جهات معادية بعد عقد ونصف من صمود الدولة في مواجهة حرب كونيّة، وأدّت في ما أدّت إليه إلى اختصار دور المقاومة اللبنانيّة على الإسناد والمشاغلة إلى أن انتهى الأمر بها إلى الانكفاء.
ظنّت طهران أنّ الحرب النفسيّة والحشد الإعلامي الذي قامت به دولة الاحتلال ومعها أبواق إعلامية غربية حول اقتراب موعد ضربة مؤثرة على إيران ليس إلا تهويشاً فارغاً يهدف إلى الضغط عليها من أجل إبداء مزيد من المرونة والتنازل في المفاوضات مع الإدارة الأميركية الدائرة في مسقط والتي كان موعدها الخامس عشر من حزيران، وبناء عليه كان التصوّر السائد في طهران أن لا ضربة مقبلة، لذلك لم يكن هناك استعداد وجاهزية لاستقبال الحدث الكبير الذي حصل فجر الثامن من حزيران، كانت الضربات (الإسرائيلية) ولا شك مؤثرة ومؤلمة تفوق التصوّر، وأفقدت طهران القدرة على المبادرة بالردّ السريع، وهو ما أحدث حالة من النشوة في تل أبيب وعواصم الغرب والشماتة لدى قوى الانهزام في أمتنا وعالمنا العربي وتسرّع الرئيس الأميركي مطلقاً تصريحات يخاطب فيها إيران: اقبلوا بشروطنا وإلا…
في حين قال (الإسرائيلي) إنّ الهدف من هذه الضربات هو تدمير مراكز البحث والمفاعلات النوويّة، إلا أنّ المؤشرات كانت تذهب لتأكيد أنّ الحدث يتجاوز المشروع النوويّ وإمكانية إبقائه للأغراض السلمية، فكلّ المشروع النووي الإيراني مرفوض ومحظور على طهران الاستمرار فيه، واتضح أنّ الهدف هو هزيمة إيران هزيمة مطلقة ثم إلى تدمير كلّ منجزاتها العلمية والصناعية والتكنولوجية التي استطاعت تحقيق قفزات واسعة فيها، وذلك بفضل الحصار الطويل المفروض عليها والذي وضعها في بدايته أمام أحد خيارين إما التطور ذاتياً أو العيش في حالة الفقر والتخلف، وكان التقدير (الإسرائيلي) أنّ هذه الضربات القوية ستنشط وتبعث القوة في جراثيم العمالة والخيانة التي ستتحرّك وتسقط النظام الذي بدا عاجزاً أمام شعبه عن الدفاع عن البلد وهو ما لم يحصل.
18 ساعة من الإرباك والقلق والإحباط والحزن سادت أوساط المقاومة وجمهورها وانشغلت خلالها براغيث وفئران وذباب مجمعات النفايات مطلقة شماتتها إلى أن انطلق الردّ الإيراني والذي جاء على طريقة الآية القرآنية: (فإنهم يألمون كما تألمون)، ولكن شتان بين ألم وألم، بين ألم مَن يستطيع الصبر والتحمّل والذي استطاع التعاطي مع حصار لـ 46 سنة، بين مجتمع يقارب تعداده الـ 100 مليون إنسان يعتبرون أنفسهم ورثة حضارة عظيمة وإمبراطورية قديمة وأنهم الأمناء على رسالة ومذهب ديني أصبح جزءاً من الشخصية الإيرانية التي تؤمن بالمبدأ الكربلائي انتصار الدم على السيف، ويعتبر الشهادة ربحاً وشرفاً ومجداً يتقبل إثره أهل الشهيد التهاني بدل التعازي، وبين مجتمع يرتعد من صوت الانفجارات حتى ولو كانت مفرقعات احتفالية، مجتمع اعتاد تحقيق الانتصارات وخوض المعارك دون سماع أصوات القنابل أو اشتمام رائحة البارود وبعيداً عن مدنه وتجمعاته السكانية فإذا بالصواريخ تنهال على تل أبيب وحيفا وغيرها محدثة من الدمار في المباني والخسائر في الأرواح ما شاهده العالم على شاشات الفضائيات.
تدرك القيادة الإيرانية تمام الإدراك مقدار قوة (إسرائيل) وأنها تمثل رأس جبل الجليد الذي يضمّ كلّ قوى الشر في العالم، وربما لذلك لا تزال تبحث عن نهاية للحرب بعد ردع العدوان كما يظهر من تصريحات وزير خارجيّتها بأنّ الحرب دفاعيّة مع إشارات أنّ التفاوض سيعود بعد انتهائها، ومن الطبيعيّ أنّ إيران إنْ استمرت في تصدّيها فإنها ستكون في موقع تفاوضيّ أقوى مما كانت عليه قبل الثالث عشر من الشهر الحالي.
حرب لا تزال في بداياتها وهي سجال، ولكن الأكيد أنها من تداعيات السابع من تشرين الأول 2023 وهي متعلقة حكماً بها، ويجب أن تكون نتائجها مشتركة وما ينعكس على طرفي الحرب في قوس يمتدّ من طهران إلى غزة.
*سياسيّ فلسطينيّ مقيم في الكفير ـ جنين – فلسطين المحتلة
2025-06-18
