كانوا جميعاً وراء الرئيس العراقي صدام حسين في حربه ضد إيران الإسلامية، ما بعد الشاه، الأميركيون وحلفاؤهم الأوروبيون، السعوديون وحاشيتهم الخليجية والمصريون في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، أيّدوا العراق في الحرب وأمدّوه بالعون، ليس عن حسن نية طبعاً. لا شك في أن حكام العراق، كانوا يعرفون ذلك ولكن من المرجح أنهم كانوا يجهلون أن ما يبتغيه أصدقاؤهم المخادعون والمراؤون ليس أقل من إهلاكهم!
زعم الأميركيون عندما سئلوا عن الخسائر التي تسببوا بها في أفغانستان، في حاضر الأفغان ومستقبلهم، أن التضحية بهم لا تساوي شيئاً في موازين الولايات المتحدة الأميركية مقابل إسقاط الإتحاد السوفياتي، علماً أن هذا الأخير كان يوشك على السقوط تلقائياً دون الحاجة إلى الوقود الأفغاني. ولكن ما نعرفه هو أن أفغانستان لها حدود مشتركة مع إيران وباكستان وهي ليست بعيدة عن بحر قزوين والقوقاز الروسي، فضلاً عن الصين. باختصار شديد تقع أفغانستان في منطقة استراتيجية وغنية بالنفط قد تفوق أهمية جزيرة العرب.
أنا لا أعرف في الحقيقة الأسباب التي حدت السعودية إلى اتخاذ إجراءات عدائية ضد قطر رغم أن الطرفين كانا حتى الآن، شريكين رئيسين في الفاجعة العربية الكبرى التي تكاد أن تمحو العروبة. مثلما أن العراق والكويت كانا على مقياس أدنى شريكين في الحرب على إيران في سنوات 1980.
ليس مستبعداً أن يكون الأميركيون هم الذين أوقعوا آل سعود في الوهم. حكام العرب شديدو الحساسية لدى سماع الإطراء الأميركي. ربما لأن الأخير ممسك بمصائرهم، فهو يعرف حقيقة الإنفصام الملموس بين الحاكم وبين الناس، بمعنى أن الحاكم في بلاد العرب وكيل على الناس وليس ممثلاً عنهم، ينبني عليه أن علاقة الحاكم بالسيد الأميركي أو بالمستعمر تختلف في جوهرها عن علاقة الناس بالأميركي أو بالمستعمر. لا رأي للناس. ينجم عنه أن المصادمة التي تحدث أحياناً بين الحاكم من جهة وبين المستعمِر من جهة ثانية لا تعني بالضرورة الشعب، والعكس صحيح أيضاً. ولكن هذا موضوع يأخذنا إلى مفهوم الوطن والأمة الذي غمره منذ سنوات 1970 غبار الهزائم وأغرى دولار النفط أهل البلاد بالتخلي عنه.
غرد الرئيس الأميركي الدمية أن «حكام قطر» يدعمون الإرهاب! ربما يكون الأمراء السعوديون أخذوا قوله على محمل الجد، على أنه موافقة على التضحية بقطر! لا سيما أن الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا يساعدون السعوديين في الحرب ضد حفاة اليمن، كما أنهم سمحوا لهم بإرسال قواتهم إلى البحرين من أجل قمع إنتفاضة «الأكثرية الشيعية» هناك، فظن السعوديون انه مسموح لهم ما لم يكن مسموحاً للحكومة العراقية التي خدعها الأميركيون فغزت الكويت دون إذن أميركي!
لكن يبدو أن الأمور إختلطت عليهم. فدولة قطر ليست اليمن بكثافتها السكانية ومخزون النفط في باطن أرضها وباب المندب الذي يتحكم بحركة الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، وخليج العقبة حتى لو أعطتهم الحكومة المصرية الحالية جزيرتي تيران وصنافير، فالأفراد زائلون ولكن المصريين باقون منذ الأزل وإلى الأبد. (القول لجمال عبد الناصر).
ودولة قطر، ليست البحرين، التي إذا طبقت فيها، يا للأسف، «الديمقراطية المذهبية» التي فرضها الأميركيون على العراقيين ولم يرفضها هؤلاء الأخيرون، فإن حكومة البحرين سترتبط على الأرجح بعلاقات وثيقة مع جارتها في إيران. بتعبير آخر سيحاول البحرينيون إصلاح علاقتهم بالسعودية وبالقواعد الأميركية الموجودة على أرضهم،علماً أن هذه مسألة ليست سهلة على الإطلاق!
أعتقد أن التباس الأمور في الرؤية السعودية مرده إلى أنهم يعتبرون دولة قطر مشابهة لدولة الكويت التي إحتلتها القوات العراقية في 2 آب 1990 بـأمر من الرئيس العراقي آنذاك. وهذا خطأ كبير. إذ يجب ألا ننسى أن الكويت كانت في سنوات 1960 مرتعا لحركة قومية عربية ناشطة شكلت رافداً قوياً لحركة التحرير الوطني الفلسطينية، هذا من ناحية، أما من ناحية ثانية فأغلب الظن أن آل سعود لا يقرأون جيداً السياسة الأميركية، فلا يخطر ببالهم أن الأخيرين ربما يكونون قد توصلوا إلى خلاصة مفادها أن المملكلة السعودية هي في الحاضر في وضع يشبه العراق المنهك نتيجة حربه مع الإيرانيين وبالتالي فإن الموقف منها يتحدد قياساً على رجحان كفة ميزان الربح لصالح المحافظة عليها كما هي أم تقسيمها وتحييد المناطق الغنية فيها.
وفي مختلف الأحوال فعلى الأرجح أن الإيرانيين والأتراك تنبهوا أخيراً إلى الخطر الكبير الذي تبطنه مغامرة سعودية ضد قطر، على نسق الحرب ضد اليمنيين، بممالأة أميركية في ظاهر الأمر فقط، فعجّل ذلك المشاورات بينهما حيث إتفقا على كسر الحصار السعودي حول قطر وإرسال قوات تركية وربما غير تركية، إليها لإفهام السعوديين والتابعين لهم، بأن غزو قطر ممنوع، حتى لو تظاهر الأميركيون بالرضى. صحيح أن القطريين والأتراك والسعوديين توكلوا بتنفيذ خطة أميركية، ولكن الوكالة لا تعني بالضرورة النجاح أو الإنتحار!
2017