غزة والإقليم وفرص استعادة الدولة الأردنية!
جمال الطاهات
معركة أبي قير قبالة سواحل الإسكندرية في الثاني من آب عام 1798، والتي دمر فيها الأسطول البريطاني بقيادة نيلسون، الأسطول الفرنسي الذي حمل نابليون إلى مصر، وصفها المؤرخ الأمريكي برنارد لويس بأنها المعركة التي نقلت مركز القرار لتحديد مصير منطقة الشرق الأوسط إلى خارجها. ومعركة غزة سيصفها المؤرخون بأنها المعركة التي أُعلن فيها استرداد الإقليم لمصيره، حيث أصبحت قواه الحية وتفاعلاتها من داخله طرفاً فاعلاً وشريكاً كاملاً في تقرير (شكله ومستقبله).
لكن من الضروري ألا يعتقد أحد أن نتائج حرب غزة نهائية. هي حرب ضمن سلسلة حروب متوقعه لتشكيل منظومة إقليمية جديدة. فكما جاءت حرب عام 1967 لتلغي نتائج حرب السويس، هناك حروب متوقعه، لتغيير الديناميكا الإقليمية التي أنتجت حرب غزة. فهذه الحرب فتحت بوابات لتحولات كبيرة ممكنة، لن تتحقق دون صراعات، قد يكون بعضها مروعاً.
إذ أن افساد بعض دول الإقليم وإضعافها وتخريب مؤسساتها لتنسجم مع مشروع اليمين الإسرائيلي، أنشأ فراغاً لا تستطيع إسرائيل ملؤه، فاستغلته أطراف إقليمية أخرى. إستراتيجية اليمين الإسرائيلي بإضعاف حلفائها في الإقليمي، أدت إلى فراغ يتم الآن ملؤه من قبل قوى تحاصر إسرائيل وتستنزف قيمتها الإستراتيجية.
ويبدو أن كل من تحالف مع اليمين الإسرائيلي، أو استجاب لشروطه، ضعف حتى تحول (أو أنه في طور التحول) لساحة اشتباك. استراتيجية اليمين الإسرائيلي وإصراره على إبقاء إسرائيل كياناً متعالياً على الإقليم، كوسيلة لفرض هيمنتها الإقليمية والحفاظ على وزنها الدولي، وصلت لنهايتها وأصبحت تنتج نقيض أهدافها. ولن يكون بمقدور إسرائيل أن تسند أي طرف إقليمي يقوم بالمهام التي تطلبها منه، أو أن تحمي من يعمل ضمن محدداتها من التداعي الداخلي كما حصل لسلطة رام الله.
وتأتي ضمن هذا المشهد تسريبات صحيفة (صنداي تيليغراف) يوم الاحد الماضي، عن قبول أمريكي أولي لفكرة الطلب من “دولة عربية” القيام بمهمة إدارة الضفة الغربية وغزة. إضافة لتسريبات عن عبارات قالها المستبد الفاسد في جولاته الأخيرة لإقناع العالم بدور أمني وإداري أردني (انتقالي) في الضفة الغربية وغزة. ولتقييم هذه المقامرة الأردنية، لا بد من العودة لسياق التحولات الإقليمية والدولية التي قادت إلى حرب غزة. فحرب غزة قيمتها في كونها تكشف عن تحولات دولية وإقليمية كبرى، تساعد على تمييز الخيارات الإستراتيجية الصحيحة عن الألاعيب والمقامرات.
أولاً: غزة (إمكانية استراتيجية) انتجها الإقليم بديناميكيته الخاصة، ووسائله المتواضعة، وليست حسابات قوى ساكنة. وعليه فإن الصراع سوف يتمدد باتجاه أي طرف يعبث به. ولن يكون بمقدور الأردن، إنجاز ما عجز عنه الجيش الإسرائيلي. فرصة الأردن في الدخول كضامن “لمرحلة انتقالية”، ضمن إطار دولي يقدم حاضنة لتشكل الدولة الفلسطينية ضمن إطار اتفاقيات أوسلو، كانت مناسبة في فترة حصار عرفات في المقاطعة. ولكنها فرصة مضت وانقضت إلى غير رجعة.
ثانياً: اتفاقيات أسلو لم تعد إطاراً لأي تسوية. لقد رفعت حرب غزة سقف توقعات الشعب الفلسطيني، فتجاوز إطار اتفاقيات أوسلو التي سعى اليمين الإسرائيلي على مدى عقود لتقويضها. كما أن هذه الاتفاقيات، لم تعد إطاراً لتسوية الصراع ضمن التحولات الإقليمية الأخيرة. فقد جاءت أسلوا بعد هزيمة العراق عام 1991، وليس في ظل حاجة إسرائيل لتحالف دولي لضمان ملاحتها في البحر الأحمر، ولحاملتي طائرات لمنحها فرصة الانتصار على حماس في غزة.
ثالثا: حركة القوى الإقليمية، كما حركة القوى الكبرى عالمياً، تتجه لتسوية الصراع وتصفيته، وليس إدارته وإدامته. وهذا يتناقض جوهرياً مع بنية النظام الأردني، الذي نمى وتغذى من الحصول على أدوار في إدارة الصراع، واعتراض “فرص تسويته” عبر التحالف مع اليمين الإسرائيلي. تحولات القوى إقليمياً وعالميا انهت عصر إدارة الصراع، من قبل وكيل يعتمد أمريكياً، كما تم اعتماد الأردن بعد عام 1948 من قبل بريطانيا. يضاف إلى ذلك التناقض البنيوي بين رفض أمريكا لتدويل تسوية الصراع، مع السعي لأخذ دور في إدارته.
وعليه، فإن محاولات تكرار ما قام به عبد الله الأول بعد حرب عام 1948، تكشف الإفلاس السياسي للمستبد الفاسد وعائلته. وعلى القوى الديمقراطية في الأردن أن تبدأ بالاستعداد لهذا التطور الممكن. إذ أن رفض اتخاذ الخطوة الضرورية لدفع مشروع الدولة الفلسطينية من قبل الأردن للأمام، تأكيد على استمرار عقلية البحث عن (دور سياسي) يضمن مكافآت مالية لمعالجة التداعي الاقتصادي وتزايد المديونية، ويزيد من احتمالات تورطهم بما تورط به جدهم، الذي قُتل بسبب فعلته على عتبات المسجد الأقصى.
وتتبدى الآن، في ضوء اقتراب الصراع من التسوية بفاعلية التحولات الإقليمية والدولية، فرصة تاريخية لاسترداد الدولة الأردنية سلطة وموارد. فالتورط المتوقع للمستبد الفاسد وعائلته، سيقودهم إلى سلسلة من الأخطاء والخطايا، ليس مطلوباً إلا حسن استثمارها، لكسر ذراع اليمين الإسرائيلي، وإلحاق هزيمة ساحقة به، وفتح البوابات العريضة لتمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه المشروعة.
وبغض النظر عن صحة أو عدم صحة التسريبات الصحفية، فإن غياب مظلة إقليمية ودولية لمساهمة أردنية مباشرة في أدارة الصراع، تضع النظام امام مأزق غياب الخيارات التي تمكنه من ادامة معادلته الراهنة. فإذا لم يكن للمستبد الفاسد دور في المرحلة القادمة، فهذه فرصة للاستمرار باستراتيجية الرفع المتدرج لشدة الاشتباك معه (وتجنب المعارك الفاصلة الآن)، والاستعداد للمرحلة التالية لرحيله، وذلك بالعمل على تجهيز البرامج البديلة لإدارة الدولة بعد استردادها سلطة وموارد. وهو ذات البرنامج في حال صحت التسريبات، وأن المستبد الفاسد وعائلته متورطون في تحالف (معزول وفاقد للروافع الإقليمية والدولية) مع اليمين الإسرائيلي لإدارة الضفة الغربية وغزة. فهذا يعني فشل محقق، وانكشاف سريع، وفرصة لا تعوض لاسترداد الدولة سلطة وموارد.
أخيراً، إن المفتاح الحقيقي لفهم فرصة التغيير في الأردن، تتعلق بالإفلاس السياسي والاستراتيجي للمستبد الفاسد وعجزه عن التكيف. وهذه ليست مسألة أفكار، بل قدرة متعلقة بمرونة بنيوية. فالتحولات الدولية والإقليمية التي كانت كامنة منذ سنوات ظهرت على السطح من خلال خرب غزة، وفرضت نفسها على جميع الأطراف الإقليمية لتطوير خياراتها الاستراتيجية لضمان ديمومتها. والجميع يراقب، ويستعد لسقوط من يعجز عن التكيف. إسرائيل تنكفئ، وينكشف عجزها عن التمدد، وضرورة إعادة هيكلة معادلتها الاجتماعية السياسية الداخلية للحفاظ على فرصها في البقاء. والمستبد الفاسد يصر على البحث عن مغامرة خارجية للحفاظ على معادلة دستورية لا يمكن الحفاظ عليها.
2023-12-20
