غزة بعد سنتين من الإبادة: المقاومة والمسؤولية في ظل الحصار المستمر!
خالد عطية
بعد مرور أكثر من 673 يومًا على أوسع عملية إبادة وتجويع ممنهجة في التاريخ الفلسطيني المعاصر، لم تعد غزة مجرّد ساحة للعمليات الحربية، بل تحوّلت إلى عقدة استراتيجية تتقاطع عندها خطوط الصراع المحلي مع تشابكات الإقليم والعالم. فالدمار الهائل، المصحوب بحصار خانق واستنزاف طويل الأمد، لم ينجح في إقصائها من المعادلة، بل جعلها مركز اختبار حقيقي لصلابة المنظومات السياسية والعسكرية، من العواصم العربية إلى تل أبيب، ومن هناك إلى مراكز القرار الغربي. وهكذا، غدت غزة مختبرًا لمستقبل الإقليم، ومقياسًا يُظهر حدود القوة وعمق التناقضات البنيوية في هذا الصراع الممتد .
القرار الإسرائيلي بالانتقال نحو اجتياح متدرج لما تبقى من القطاع، بدءًا من مدينة غزة ثم الزحف جنوبًا، لا يمكن قراءته بوصفه خطوة عسكرية فحسب، بل كجزء من رؤية أعمق تهدف إلى إعادة إنتاج السيطرة الكاملة عبر تحييد القدرات القتالية للمقاومة، وإعادة تشكيل البنية الجيو–ديموغرافية بحيث تُفكك إمكانات إعادة بناء مركز موحد لها. إنه أيضًا أسلوب في إدارة الصراع بوصفه حالة مستمرة، يُبقي الفلسطينيين في دائرة اللايقين السياسي، ويجعل من الإبادة والحصار أدوات ضبط دائمة، مع توظيف الحرب داخليًا لإعادة ترميم مجتمع إسرائيلي متصدع وبناء شرعية قيادة سياسية متهالكة.
وبالشهادة الحية للكاتب شجاع الصفدي على صفحته 10-08-2025 ، الذي يروي كيف لم يترك الاحتلال حيًا في غزة إلا ودخلته دباباته، محاصرًا مستشفى الشفاء ودمر محيطه، مدمّرًا السرايا والرمال وشارع الجلاء، مركّزًا قواته في ميدان فلسطين، مؤكدًا أن دخول الاحتلال الكامل لغزة لن يضيف جديدًا سوى إحداث مجازر إضافية في مدينة انهارت بنيتها التحتية، إذ لم يعد أمام سكانها القدرة الصحية أو المادية للنزوح، مما يجعل الصمود خيارًا وحيدًا وسط دائرة الموت.
ورغم الكلفة البشرية الهائلة، احتفظ المجتمع الغزي بقدرة على الصمود والمناورة فاقت الحسابات الإسرائيلية والدولية، غير أن هذا الصمود، إذا ظل مجرد رد فعل، سيظل طاقة مهدورة. من هنا، يصبح لزامًا إعادة صياغة البنية الوطنية الفلسطينية بحيث تُدمج كل التجارب في الداخل والشتات، بعيدًا عن اختزال النضال في جغرافيا بعينها، وتحويل المقاومة إلى مشروع تحرري متكامل يجمع القوة الميدانية بالقدرة على صياغة السردية واستثمارها. أما خيار تسليم السلاح، الذي يُسوَّق كمدخل لتخفيف المعاناة، فهو في جوهره تفكيك لمصدر الردع الوحيد، وتجريد للهوية السياسية الفلسطينية من أدوات الدفاع عن ذاتها، والتاريخ يثبت أن نزع المقاومة لم يكن يومًا مقدمة للسلام بل تمهيدًا لمرحلة أعمق من الإخضاع.
في الفضاء العربي، الذي كان يومًا عمقًا استراتيجيًا للقضية، نشهد انكفاءً وظيفيًا واضحًا، حيث اندمجت بعض الدول في مسارات التطبيع، واكتفت أخرى بالدعم الإغاثي والخطاب التضامني دون أدوات ضغط حقيقية، لتتحول فلسطين في أجندات الأنظمة من قضية مركزية للأمن القومي إلى ملف إنساني–سياسي على هامش الأولويات، فيما بقيت في وجدان الشارع العربي معيارًا للكرامة الجمعية.
أما على المستوى الدولي، فقد كشف الدعم الغربي غير المشروط لإسرائيل، رغم انكشاف أبعاد الإبادة، حدود الخطاب الليبرالي حول حقوق الإنسان، ومع ذلك، بدأت مسارات تآكل بطيئة لشرعية القوة الإسرائيلية بفعل تصاعد الحركات التضامنية العابرة للحدود، وظهور اختراقات قانونية في المحاكم الدولية، وهي وإن بدت محدودة الأثر الآني، إلا أنها تؤسس على المدى الطويل لمناخ محاسبة يقيّد حرية العمل العسكري الإسرائيلي.
الدرس الأعمق بعد عامين من الإبادة هو أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على المعنى ذاته. من يكتب تاريخ الحرب، ومن يحدد تعريف النصر والهزيمة، ومن يحتكر الشرعية الأخلاقية للصراع، كلها أسئلة تتجاوز الحصار الجغرافي وتحدد ما إذا كانت التضحيات ستتحول إلى رصيد تحرري أم إلى فصل جديد من المأساة.
إن تسليم السلاح لن ينهي الاحتلال، كما أن استمرار المقاومة بلا أفق استراتيجي سيبقي الفلسطينيين في دائرة الاستنزاف. الخيار الحقيقي يكمن في توحيد الاستراتيجية الوطنية، وإعادة فلسطين إلى قلب الأمن القومي العربي، وتثبيت حضورها في أجندة العدالة الدولية، بحيث لا تبقى غزة جرحًا مفتوحًا، بل تتحول إلى مركز استنهاض لخرائط القوة والمعنى معًا.
هذه الحرب ليست طارئة ولا انفصالًا عن مسار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي الذي يتكرر منذ عقود، بل هي امتداد طبيعي لمرحلة جديدة من التوترات التي تتجاوز حدود غزة لتشمل عمق القضية الفلسطينية برمّتها. لن يفهم هذا التحول الجذري إلا عبر قراءة دقيقة للبنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شكلها الاحتلال، والحصار، والتجويع، ومشروع التصفية المتدرج.
إن إدراك أبعاد هذا الصراع يتطلب وقفة مع الذات، على المستوى الفلسطيني والعربي والدولي، لفهم أن معالجة هذه الأزمة ليست ممكنة إلا من خلال استعادة البوصلة إلى الحقوق الثابتة والإنسانية، وإعادة بناء استراتيجية وطنية جامعة تُجسّد أفقًا للمقاومة الشاملة، والتضامن الحقيقي، والشراكة العادلة.
في النهاية، يبقى السؤال: هل يمكن أن يؤدي الاستسلام للسلاح إلى حل المشكلة؟ التاريخ يقول لنا إن التخلي عن الخيار المشروع للمقاومة، في وجه الاحتلال الذي لا يفهم سوى لغة القوة والكرامة، لن يجلب السلام، بل سيعزز الاستعمار ويطيل عمر المأساة.
2025-08-11
