غريب أنا بعدك يا رسول الله
د. عمر ظاهر
قبل أكثر من سنتين صدمتني كاتبة أردنية حين أطلقت العنان لرغباتها العدوانية البدائية فكتبت أنها تتمنى أن ترى الرئيس بشار الأسد يقطّع إربا. جاء رد فعلي على تلك الكاتبة في مقال تحت عنوان "الكتابة بالسواطير بدلا من القلم" نشر على موقع العرب تايمز في الحادي عشر من سبتمبر عام 2012 (ما يزال هناك على يسار هذه الصفحة).
http://arabtimes.com/portal/article_display.cfm?Action=&Preview=No&ArticleID=28528
وجود الرغبات العدوانية الشريرة في النفس الإنسانية شيء، والوصول إلى حالة الرغبة في التعبير علانية عن تلك العدوانية شيء آخر. واليوم تصيبني الصدمة مجددا مضاعفة ألف مرة عندما اكتشف أن الرغبات العدوانية البدائية والتعبير عنها ليست حكرا على من يكره الرئيس الأسد، بل هي، ومع شديد الأسف، موجودة أيضا عند الذين يدعون أنهم يؤيدون الرئيس الأسد، وكأن الرغبات العدوانية وترخيص الناس لأنفسهم بالإعلان صراحة عنها ظاهرة منتشرة عندنا، فالمقال الذي كتبته يوم التاسع من الشهر الجاري عن العمل الإرهابي الإجرامي في باريس تحت عنوان "وأد الإرهاب فيه حياة للملايين" لم تفاجئني قلة المعلقين عليه على موقع العرب تايمز، مع أني كنت أتوقع أن أسمع ولو من شخص واحد عبارة "كان الله في عونكم يا مسلمي أوروبا"، ولكن صدمني التجريح الذي تعرضته له على موقع آخر حيث وصف بعضهم حزني على الضحايا المدنيين الأبرياء بالانبطاح، بل وإن سيدة ثورية جدا لم تتمالك عواطفها الثورية فوصفتني بالمازوشي الذي يتعاطف مع قاتله. التجريح الشخصي الممجوج تعودنا عليه، والإجحاف بحق الناس يميز العرب مثلما يميز غيرهم. ولا أجدني مضطرا للدفاع عن نفسي. أنا قلت في المقال أمورا كثيرة غير الحزن على الضحايا، الحزن الذي أعود وأؤكده مرة أخرى، ولكن يبدو أن هناك هيستيريا تجعل الناس لا يبحثون إلا عما يساعدهم على إطلاق العنان لمشاعرهم العدوانية المكبوتة تماما كما كانت الحال مع الكاتبة الأردنية.
ما سبب لي صدمة حقيقية هو أن أحدهم كتب في تعليقه "لا أشعر بالحزن إلا على وطني فقط ، لا أشعر بالحزن لا على الشعب الفرنسي و لا على الشعب الفلسطيني و لا على اي شعب عربي آخر ، لأن جرحي عميق ربما لا يشفيه إلا كما حدث في فرنسا او اي قنبلة و لو كانت نووية حتى لو على فلسطين ليس حبا بالانتقام او حب الدم ، بل لكي اتخلص من سذاجتي و حبي للبشر فقط". كذب. مثل هذا الشخص سيفعل الشيء نفسه داخل وطنه فيحزن على هذه المدينة وتلك ويتمنى الدمار لغيرها من المدن التي لم تفعل كما يريد هو.
ليس هناك من غير السوريين من يفهم جرح السوريين ويتألم معهم مثلي أنا، وجرحي أنا مضاعف فشعبي يتمزق منذ أكثر من ثلاثين سنة بين الحروب، والحصار، والغزو، والصراع الطائفي. لكني ما أزال أحتفظ بالقدرة على التفاعل مع أحزان أخي السوري، وأخي الفلسطيني، وأخي الليبي. وعندي استعداد للقتال دفاعا عن أطفال إيران كي لا يتعرضوا لما تعرض له أطفال العراق في ملجأ العامرية، وسأدافع عن شعب تركيا إذا تعرض لما نتعرض له. لم أفقد الأمل بانتصار شعوبنا. الأمل يتلاشى فقط عندما يصل الواحد منا النقطة التي لا يبالي فيها بمحنة غيره، بل ويتمنى أن يحصل لغيره ما حصل له. عندذاك لن تبقى لنا قضية، بل نصبح كائنات مشوهة تريد أن ترى الدمار والخراب في كل مكان، في اسطنبول، وطهران، وباريس، وعمان والرياض. عندما يصل المقاتل من أجل قضية شريفة هذا الحد يكون قد أشرف على الخسارة والهزيمة لأنه لم تعد عنده قضية تميزه عن المعتدي، ويكون قد تساوى مع عدوه الهمجي.
ليس هناك من يحتقر النظام السعودي مثلما أفعل أنا، لكني لم أتمنّ يوما أن يلاقي إخوتنا في الحجاز ونجد ما لقيناه نحن، بل سأقف إلى جانبهم في محنتهم القادمة حتما. أنا أقتدي بالرسول يوم دخل مكة، وأقتدي بغاندي، وبنيلسون مانديلا. ترى هل كان غاندي مازوشيا حين قال لقاتله وهو يحتضر "بارك الله فيك يا ولدي"؟ ثم أنا لم يقتلني الفرنسيون الذين قتلوا في دار النشر وهم عزّل من السلاح شأنهم شأن أي سوري أو عراقي تقتله داعش. عند الحديث في السياسة دعونا نبتعد قدر ما نستطيع عن المفردات والمفاهيم الجنسية مثل المازوشية والسادية، والانبطاح والانتصاب، ونستخدم مفردات أخرى لائقة، خاصة عندما يدور الحديث بين الجنسين. القتل في العالم المتمدن يجوز في حالة واحدة فقط، وهي حالة الدفاع عن النفس، وهي الحالة التي يهاجمك فيها أحد وبيده سلاح فتدافع عن حياتك. وكل قتل دون ذلك هو جريمة يجب إدانتها سواء حصل بحق السوري، أو العراقي، أو الفرنسي، أو الإسرائيلي. بل وحتى القضاء المخول في بعض البلدان بإصدار عقوبة الموت (القتل) تخضعه المدنية للنقد. أية رجولة في أن تدخل على شخص جالس وراء مكتبه أعزل من السلاح وأنت مسلح من سمت رأسك حتى أخمص قدميك فتقتله؟ وأي شيء أبشع من الابتهاج بوقوع مثل هذه الجريمة؟
صدام حسين الذي أذاقنا سوء العذاب لم أخف منه وهو في السلطة، وكتبت عنه ما لم يكن غيري يتجرأ على كتابته، وقفت معه حين صار في قفص الاتهام وعومل بشكل لا يليق بالعدالة. وأعتقد أن القاضي الكردي الأول الذي كلف بمحاكمته استقال (أعتقد وحسب) تحت تأثير رسالة وجهتها إليه باعتباره رجلا مؤمنا، ومحاميا محترفا، وشخصا ذا أخلاق عالية لا يليق به التعاون مع الاحتلال والإساءة إلى العدالة في محاكمة كانت مسرحية لا غير.
أنا أعيش في أوروبا الغربية وأرفع صوتي عاليا بأني أدعم المقاومة اللبنانية وحزب الله والسيد حسن نصرالله، وأدعم الشعب السوري ودولته وقيادته الشرعية المتمثلة بالرئيس بشار الأسد، وأدافع عن شعب إيران، وأنا الكاتب العربي الوحيد في الغرب الذي دافع ويدافع عن الرسول الأكرم، ويدين الرسوم السخيفة، وأنا الوحيد الذي تجرأ فقال إن أول إرهابي في التاريخ كان نبي الله موسى، ولم ينشر المقال الذي قلت فيه هذا غير موقع العرب تايمز وموقع ساحة التحرير. وكل هذه الأمور محظورة في الغرب، ويمكن أن تدخلني في إشكالات معاداة السامية. سأتشرف بدخول السجن دفاعا عن حسن نصرالله وحزب الله، ولن أتأسف على حياتي إذا قتلت دفاعا عن شعب إيران، لكني لن أعرض نفسي للخزي والعار الذي يكمن في الابتهاج بقتل مدنيين في باريس، أو لندن أو غيرها. وفي هذا فأنا لا أفعل ذلك انبطاحا أو مازوشية، أو لأني أحمل جنسية بلد أوروبي، بل لأني عربي أحمل في كياني تربية إسلامية صافية خالصة على نهج محمد بن عبدالله وأهل بيته. غريب أنا بعدك يا رسول الله ولن أطلب المدد إلا منك.
عبارة الأخ السوري الذي لا يحزن إلا على وطنه، ولا يشفيه إلا ما حدث في فرنسا، ظلت في اليومين الأخيرين ترن في أذني. ولو كان شخصا يمكن الحوار معه لسألته ما الذي حدث في فرنسا وكان فيه شفاء لحزنه، وأثار هذه البهجة في نفسه، ورفع معنوياته إلى السماء السابعة؟ وفتح شهيته لإلقاء قنبلة نووية على فلسطين، الأمر الذي لم يصرح به من الإسرائيليين حتى غولدا مائير؟ ما هذا الحزن الذي يشفيه قتل بضعة أشخاص في فرنسا؟ هل اخترق الأخ خط ماجينو فأشرفت الامبريالية الفرنسية على السقوط؟ أنتم متوهمون أيها الإخوة، فما حصل في باريس مجرد جريمة، وجريمة بحقكم قبل أن تكون جريمة بحق بعض الفرنسيين، ما وقع هو إطلاق المرحلة الثانية من "الربيع العربي". الأغبياء وحدهم ينسون أسطورة لوكربي، وورلد تريد سينتر. مقابل بضعة مدنيين فرنسيين سننزف دما غزيرا. لن أتكلم عما سيجري للمسلمين في أوروبا فأنا أعرف أن مصير عشرين مليون إنسان مسلم في أوروبا لا يعني من يدعون أنهم لا يحزنون إلا على وطنهم، ولا يعني اللواتي يفضلن السادية على المازوشية. سيقولون "يصطفلوا". ولكن أيها الأغبياء المرحلة الثانية من الربيع الأسود تستهدف شعبنا في الجزائر. أفيقوا من هذيانكم، فالأولى بكم أن تكونوا في مأتم وليس في عرس. أعرف أن الشعب الجزائري لا يهمكم، ولكن عندما تشتعل النار في الجزائر سيحصل في العراق وسورية ما لم يحصل حتى الآن.
لماذا يجب أن نخشى الخسارة والهزيمة في هذه اللحظات؟ لأن العدو عندما ينجح في خلق اللا أبالية في صفوفنا يكون قد تمكن منا. تعرفون أن العراق وقع منذ عام 1991 حتى عام 2003 تحت الحصار. وكان جورج جالاوي وأوغو شافيز وحدهما يقفان معنا. أما العرب فكانوا يتفرجون علينا ويقول بعضهم عنا متشفيا إننا أهل الشقاق والنفاق، وصاروا يستشهدون بأحاديث للرسول الأكرم لتبرير سكوتهم على محنتنا. ونفس الشيء فعله العرب إزاء سورية، وإزاء محنة أهلنا في ليبيا. لكن اللا أبالية ليست الحالة الأكثر خطرا في حياة الشعوب، بل هذه الحال التي أوصلونا إليها بأن صار الواحد منا يتمنى الموت والدمار لأخيه، ويعلن عن التشفي بمحنته، ولو كانت بحوزته قنبلة نووية لألقاها عليه.*
يا إخوتنا في الجزائر .. قلوبنا معكم، وأيادينا ستتشابك بأياديكم .. نحن معكم في خندق الحرية لنسقط المؤامرة على شعبنا.
* أخي القارئ إن خطر لك أن تعلق على هذا المقال ولم أردّ عليك فذلك لأني في طريقي إلى قرية نائية في الجبال الواقعة بين تركيا وإيران حيث لا أسمع من العالم إلا صوت المؤذن يوقظني عند الفجر بصوته الشجيّ "حيّ على الصلاة .. حيّ على خير العمل"
2015/1/13