عن تعارض القيم الاشتراكية والاسلام ” القسم الثاني “
علي رهيف الربيعي
ذلك لأن الرأسمالية حين تؤكد أن ما يحرك الانسان إلى العمل والانتاج هو رغبته في الربح ، وأن انكار هذا الحافز يؤدي إلى هبوط الانتاج كما وكيفا ، وإلى اخفاق المجتمع في بلوغ أهدافه ، إنما تبنى موقفها هذا على أساس أن الانسان مخلوق أناني ، مادي ، لا يتحرك إلى العمل إلا من أجل اشباع حاجاته واطماعه الخاصة فحسب . وإنه لمن المؤسف حقا أن الواقع يثبت صحة هذا التصور في أحيان كثيرة ، ومن هنا كانت الرأسمالية أكثر واقعية في هذه الناحية . غير أن هذا النوع من الواقعية يرتكز على قبول الانسان ، بكل عيوبه ، على ما هو عليه . وكل مذهب يتسم بقدر من السمو المعنوي لا يمكن أن يقبل الانسان على ما هو عليه ، فالفلسفات الرفيعة كانت كلها تدعو إلى اصلاح الانسان . والاديان كلها إنما هي رفض للانسان في واقعه التلقائي اللاأخلاقي ، ومحاولة لخلق انسان يتجاوز في سلوكه مستوى السعي المباشر إلى المنفعة والتحرك بفعل الحوافز المادية . وحتى لو أخفق هذا المسعى بحكم الواقع الغاشم ، فإن الاديان ، والاسلام بوجه خاص ، ترسم لنا صورة لعالم آخر تتحقق فيه المثل العليا للانسانية على النحو الذي يبلغ بها ذلك الكمال الذي تعجز عن بلوغه في عالم الفناء الذي نعيش فيه .
وإذن ، فالنظرة التي تسود في النظام الرأسمالي تتضمن تأكيدا للطبيعة ” المادية ” للانسان ، وانكارا لجوانبه الروحية . ومن هنا كان من التناقض ، بل من النفاق الصريح ، أن تقف الرأسمالية مدافعة عن الروحانية ، وتتهم خصومها بالمادية ، مع أن النظرة المادية إلى الانسان جزء لا يتجزأ من المبدأ الاساسي الذي ترتكز عليه ، وهو مبدأ ” المشروع الخاص ” و ” حافز الربح ” . ومن المؤسف حقا أن تترد هذه الحجج نفسها على ألسنة كثير من المدافعين عن النظرة الاسلامية إلى الحياة ، فيقدمون الرأسمالية كما لو كانت أقرب إلى روحانية الاديان من الاشتراكية .
والواقع أن مهاجمي الاشتراكية ، دفاعا عن الدين ، يعطون الشكل أهمية تفوق المضمون ، ومن المؤكد أن كثيرا من الاشتراكيين قد صدرت عنهم تصريحات تتضمن هجوما على الاديان . ولكن مضمون المذهب ذاته يحقق أسمى ما تهدف إليه رسالات الاديان . فالاعتقاد أن الانسان ينبغي أن يبذل جهده في العمل لصالح المجموع ، لا لصالح فرد معين ، ولا من أجل الكسب الشخصي ، يمثل قيمة اخلاقية رفيعة تتمشى مع كل ما تدعو إليه العقائد من قيم ، والسعي إلى الغاء استغلال الانسان للانسان ، وإلى تذويب الفوارق بين الطبقات أو الغائها ، لا يمكن أن يكون متعارضا مع عقيدة لا تجعل لعربي فضلا على أعجمي إلا بالتقوى ، والدعوة إلى تحرير الانسان من عبودية العمل الشاق ، حتى يحقق أفضل امكاناته وتكتمل مقومات انسانيته ، لا يمكن أن تتناقض مع عقيدة ترى أن الانسان كيان متكامل ، وان للروح مطالبها مثلما أن للجسم حاجاته ورغباته .
وهذا هو جوهر القيم الاشتراكية ، ومضمونها الفعلي ، وهو متفق مع الجوهر الحقيقي للاسلام اتفاقا أساسيا . أما التصريحات التي كانت تهاجم الاديان في الاشتراكية ، فقد صدرت عن مفكرين غربيين لا يتبادر إلى ذهنهم حين يتحدثون عن الدين إلا عقيدتهم الخاصة ، والأمر المؤكد هو أن الصراع الطويل بين المسيحية والعلم ، الذي دام ما يقارب من ثلاثة قرون بعد عصر النهضة الاوربية ، والموقف السلبي الذي وقفته الكنيسة في أوربا من انجازات العقل العلمي الحديث ، كان له تأثيره البالغ في تصريحات الاشتراكيين المعادية للاديان ، غير أن هذا شيئ محلي لا شأن للعالم الاسلامي به ، ولا ينبغي على المفكر المسلم أن يشغل نفسه بصراع كهذا ، ويتجاهل في سبيله نواحي الالتقاء الاساسية بين الاسلام والاشتراكية ، وكل مظاهر التضاد بين الاسلام والرأسمالية .
انتهى
2019/02/19