عن المدنية والمدنيين إشكالية المفهوم … إشكالية الواقع !
تحسين المنذري.
يتحول المفهوم (المصطلح) في العمل السياسي الى شعار أو الى صفة ودالة على ولـِ جهة سياسية أو كتلة، وكي يفي المفهوم بكل تلك المتطلبات فلا بد أن يكون دقيقا في التوصيف والتعبير بحيث إنه يستطيع إيصال فكرة أو موقف الى الشرائح التي يستهدفها الكيان السياسي المدعي تمثيلها. ودائما في كل عمل سياسي كثيرا ما تتحكم التجاذبات والمصالح الفئوية أو الطبقية بشكل وطبيعة الصراع والذي بدوره يفرض طرح هدف على شكل مفهوم أو شعار وهذا ماحصل في العراق في السنوات الاخيرة حيث إشتداد وتعمق توجه كتل الاسلام السياسي نحو أسلمة الدولة، وبالقوة غالبا، على حساب إقناع الجماهير بصحة التوجه عن طريق الفكرة والمناقشة، ولأن القوى التي تناهض هذا التوجه لم تستطع أن تقول ماتريد صراحة ( لجملة عوامل موضوعية وذاتية) فقد لجأت لمصطلح أو مفهوم ( المدنية) كبديل لبناء الدولة الدينية، وبذلك فقد أوقعت نفسها في شرك عدم وضوح الهدف حيث أن المدنية ممكن أن تكون بالضد من العسكرتارية، أو إنها بالتمدن مقابل التخلف، لكن متبنيها لم يطرحوا ذلك علانية ولم يلجأوا الى خيار طرح مفهوم العلمانية كبديل للدولة الدينية، فارادوا ربما التخفيف من حدة المواجهة مع قوى السلطة بما تملكه من هيمنة، رغم إن هذا ليس تبريرا مقبولا فصاحب الهدف عليه صياغة طرق نضاله بما يضمن إيصال فكرته أو شعاره الى الجماهير بالطرق التي لا تخلو من التحدي والمواجهة كي تثق به الجماهير وتعطيه ولاءَها، ولان قوى الاسلام السياسي صارت ذات خبرة جيدة في السياسة ولديها نشطاء في كل المواجهات فقد سارعوا للاستفادة من هشاشة شعار المدنية (والذي لاقى رواجا في فترة ما لعدم وجود شعار آخر مناهض للدولة الدينية ) وأدعت قوى الاسلام السياسي تبنيه وصولا الى تمكن إحدى تلك القوى من إحتواء أهم من يفترض بهم أن يكونوا معارضين لبناء دولة دينية وبالتالي جرى إفراغ الشعار من محتواه أو ما أريد له من محتوى، وبذلك فقد بات شعار المدنية شعارا باليا وغير مكافئ لمواجهة شعارات الخصوم مما يستدعي الاعلان صراحة عن تبني العلمانية كهدف في بناء دولة الديمقراطية الحقيقية.
2019-09-27