أعتقد أن ما يعاني منه مجتمع كمثل المجتمع اللبناني هو «فقر» في الدولة .. أي ضعف، أي هزال … بل أنا على يقين من أن الدولة في تعريفها الحقيقي، لم تكن موجودة يوماً في لبنان، بدليل أن الحدود بقيت ظاهرة بين مكوناتها، وكانت تغلق في الأزمات المتتالية التي ما تزال تعاود البلاد، بين الفينة والفينة .
وأضيف أن الدولة العربية لم تكتمل أو أنها بشكل عام مشوهة خَلقياً، تكثر فيها العيوب، وهي في تقديري غير قابلة للعيش …
فهذه الدول، استناداً إلى التطورات التي تشهدها المنطقة العربية منذ سقوط الدولة العثمانية إلى يومنا هذا، هي إلى حد ما، «تحت الرعاية» الغربية .
لا يستثنى من ذلك طبعاً الحكومات العربية التي تنعت بالديكتاتورية فهي ليست ديكتاتورية في الواقع إلا بالدرجة المطلوبة والمسموحة أميركياً، خصوصاً بعد أفول نجم الإتحاد السوفياتي.
إذاً في لبنان يكون الحديث عن الدولة في إطار الإستعارة المؤقتة او بداع شرح أو تبرير موقف لا أكثر.. فهذه البلاد إقتطعها الفرنسيون أملاً بأن تبقى بالنسبة لهم منصة، او قاعدة في المشرق .
بناء عليه، ليس منطقياً أن تقرأ تصرفات وسلوك اللبنانيين وفق القوانين التي تنظم عادة العيش المشترك في كيان وطني حقيقي .. هذا لا يعني انه لا يوجد في لبنان لبنانيون وطنيون وتقدميون مستعدون أن يناضلوا من أجل دولة حديثة ومجتمع وطني حر مستقل فاعل في محيطه العربي السوري كون مصلحة المجتمع الوطني اللبناني مرتبطة بمصالح شعوب هذا المحيط العربي السوري .
هذا أمر تمليه المعطيات الثقافية والمادية وليس من المفروض أن يخضع لإرادة القوى الأمبريالية . وبالتالي فإن تقييم السياسات والتكتلات الفئوية في لبنان، لا يكون من وجهة نظري طبعاً، بمعايير الوطنية والإخلاص للوطن والوفاء للذين ضحوا .. التقييم في لبنان يكون بالميزان الطائفي والمذهبي .. فالمواقف تحسب بواسطة هذا الميزان ويقبض ثمنها زعيم الطائفة وقبضاياته.
مجمل القول إن الإعتراض على المقاومة، وعلى سلاح المقاومة هو إعتراض لم يتبلور نتيجة حوار وطني وإنما هو تعبير عن عصبية مذهبية، قبلية وتجارية، بمعنى أنه مدفوع الثمن قياساً بمدى تأثيره وفعاليته … أما الأموال لأن مصدرها نفطي خليجي كما هو معروف تنفيذاً لأمر صرف من الولايات المتحدة الأميركية!!
من البديهي أن تشخيص العلة أو المساهمة في البحث عنه، هو عمل إيجابي ولكنه غير كاف . فالمأمول هو الوصول إلى دولة حديثة تنظم العلاقة بين المواطنين في مجال التضامن في ما بينهم، والإنتاج والتقدم والأمان بالإضافة إلى الإستعداد للمستقبل .
ولكن هذا الأمر يتطلب أولاً المساواة التامة بين الناس، في الحيز العام الوطني، ذلك لا يتحقق إلا بتحييد وأبعاد مظاهر وأوجه الإختلاف بين الناس حتى تتوافر الظروف الملائمة لتكون كتلة مجتمعية وطنية متجانسة تحتل حصرياً الحيز العام الوطني، علماً على أن هذا الأخير لا يمنع بالضرورة تواجد ميادين أخرى تتسع للتعبير عن ثقافات محلية، دون أن يؤثر ذلك على نظم العلاقة المجتمعية الوطنية .
الرأي عندي أن على اللبنانيين وتحديداً أصحاب النفوذ، أن يعوا أن الإنسان في هذا الزمان، لم يعد مضطراً للبقاء في حضن القبيلة .
فهناك أماكن كثيرة تلاشت فيها الراوابط القبلية لأن الحاجة إلى القبيلة انعدمت . وعليهم أيضاً أن يأخذوا بعين الإعتبار أن وطن الإنسان هو حيث يجد هذا الأخير عملاً يتيح له سد حاجياته المادية والإستجابة لميوله الثقافية !
ينجم عنه أن هذا كله يستوجب سلوك نهج جديد في إطار سيرورة هدفها التأسيس لبناء وطن ودولة، بواسطة اللبنانيين شرط ألا يطول الإنتظار فيصير اللبنانيون غير لبنانيين، أي غير صالحين أو قادرين أو متحمسين لبناء وطن لبناني، أو لاسترداد أو تحرير بلاد كانت لبنانية !
2017-08-20