عن الجزائر وموقفها من الانصياع “العربي” لـ”إسرائيل”
محمد سعيد حمادة
قرأت بالأمس عتبًا من الكاتب والإعلامي الجزائريّ الكبير إسماعيل القاسمي الحسني على النخب السياسية والفكرية في المشرق العربيّ، وعلى الإعلام المحسوب على محور المقاومة، الذي مرّ مرورًا سطحيًّا لا مباليًا كـ”مرّ السحاب” على موقف الجزائر “بخصوص امتناعها عن المصادقة على بيان وزراء الداخلية العرب، الذي فُصّل لاعتبار “حزب الله” منظمة إرهابية”. والكاتب محقّ في عتبه علينا جميعًا، مؤسّسات وأفرادًا ومشتغلين بالحقل الإعلامي عمومًا، غير أن السبب في هذا التقصير لا يعود كلّه علينا، وقد تأخّر توضيح الموقف الجزائريّ من البيان “العربيّ” ساعات طوال؛ ذلك أن هيمنة إعلام النفط والظلام قد طغت على كلّ ما عداها، وقد أخذ هذا الإعلام، والآخر المحسوب علينا الذي يجاريه بخبث، على عاتقه التسريب والنفخ بموقف دولة أو وزير دون سواه، حسب ما يرى من تأثير لإظهار هذا الموقف وتهميش سواه؛ حتّى إن قناة تلفزيونية كبيرة ومتابعة من أغلب جمهور المقاومة لم تأت على ذكر الموقف الجزائريّ إلا بعد يوم من انتهاء اجتماع وزراء الداخلية “العرب”. لقد ركّز الإعلام على موقف لبنان والعراق، لاعتقاده أن موقف بلدين تنخرهما الاصطفافات الطائفية والتفكّك الداخلي لا يؤثّر على الانتظام “العربيّ” العام في وقوفه المطيع خلف الأوامر “الإسرائيلية”.
أمّا أن يبرز خبر تبرّؤ الجزائر وامتناعها عن التصويت على القرار “العربي” “الإسرائيلي”، فمردّه إلى علم القائمين على هذا الإعلام المنحطّ بما يعنيه موقف الجزائر كدولة قويّة لها وزنها وثقلها السياسيّ والشعبيّ في العالم العربيّ عمومًا وفي العالم كلّه.
فأن يتأخّر توضيح الموقف الجزائريّ يوم كامل، في أيامنا هذه، التي لا تفوّت فيها وسائل الاتصال صغيرة ولا كبيرة، هو دليل كذلك على كبر الجزائر وما يمكن أن ينتج عن موقفها المضادّ وحجمه وتأثيره الشعبيّ العربيّ قبل السياسيّ. من المؤكّد أن الجزائريين عمومًا، شعبًا وقيادة، قد لاحظوا التهميش المتعمّد لموقف الجزائر، لدرجة اضطرّت وزير خارجيتها رمطان لعمامرة للتأكيد في اليوم التالي على أن ” الجزائر تتبرأ رسميًّا من قرار تصنيف حزب الله كمنظمة إرهابية الذي أعلنت عنه دول الخليج“، كما جاء في الصحافة الجزائرية. وهذا لا يعفينا بالطبع من الاعتراف بتقصيرنا، لكنني أعود للتأكيد أن تمويه الأخبار من قبل مؤسسات ضخمة محسوبة علينا كان له الدور الأكبر في أن يمرّ موقف الجزائر من الانصياع “العربيّ” لـ”لإسرائيل” مرورًا عابرًا، حتّى إن أحد الأصدقاء المشتغلين بالحقل الإعلاميّ عندما كتب على صفحته على الفيس بوك شاتمًا الجزائر ورددت عليه بأن “الجزائر لم توافق”، ردّ عليّ “بحسب الميادين تحفظ لبنان واعترض العراق فقط “! .
أمّا عن الجزائر وموقفها الأصيل ممّا يجري في المشرق العربيّ عمومًا وفي سوريا بشكل خاصّ، فلا بأس بإعادة التذكير بأننا لم نفوّت فرصة في الحديث عن الجزائر وشعبها ونخبها السياسية والفكرية؛ ليس ردًّا على الصديق المفكّر إسماعيل القاسمي الحسني، فأنا من الذين يعترفون بالتقصير، وإنما لإعادة التأكيد على نظرتنا للجزائر الأبيّة التي لا نستغرب موقفها الشعبيّ والسياسيّ من قضايانا وحقّنا القوميّ في أن نكون أسيادًا في بلادنا. وقد كتبت منذ ما يقارب السنتين، في الذكرى الستّين للأول من نوفمبر، اليوم العظيم لانطلاق الثورة الجزائرية، مقالة بعنوان ” بين الجزائر وسوريا..
لا مفرّ من النصر”، داعيًا إلى أن تحذو نخبنا وأبناء شعبنا حذو عصبة قليلة من أبناء الجزائر اتّخذت قرارها المصيريّ في إطلاق الثورة على مستعمر كان في أوج قوّته هو وحلفاؤه في حلف الأطلسيّ، وذكّرت بموقف عصبة حرّة من أبناء الجزائر ” كانوا قد اتّخذوا قرارهم الذي لخّصه محمد بو ضياف يومها بأن “الثورة ستنطلق حتى مع قرود (جبال) شفة”، وخلصت إلى أنه “بشابات وشباب ونساء ورجال وأطفال وجبال وسهول وهضاب وينابيع وصنوبر وزيتون وجيش سوريا نحن منتصرون، والنصر قدرٌ لا مفرّ منه.
أمّا أولئك الحثالة من “السوريين” عملاء الأجنبي الذين ارتضوا لأنفسهم الذلّ وباعوا شرف أمّهاتهم للعدوّ، فالسوريون الأحرار متأكّدون ويعرفون جيّدًا أن براز “قرود شفة” أطهر من أطهر عهرة أولئك الجرذان”.
وقد كتبت بعدها بقليل مقالة بعنوان “وعقدنا العزم أن تحيا سوريا.. تحية إلى الجزائر”، أشرت خلالها إلى موقف الصديق إسماعيل القاسمي الحسني في أن “ما ينشره الإعلامي الجزائري الكبير إسماعيل القاسمي الحسني من كلمات حقّ وانحياز مطلق للعين والبصيرة والواقع، ولم تستطع ثنيه عن قول الحقيقة كلّ مغريات الدنيا، التي أجزم أنه لو أرادها هذا “الفلاّح الجزائري” لنالها وبسهولة.
لكنّ وفاءه لدماء أحرار الجزائر التي روت أرضها المباركة، كبقية أبنائها الذين شبعوا من حليبها الطاهر المقدّس، هو ما يحرّضه على هذا الانحياز الربّانيّ للحقيقة ومبدعتها الأزلية سوريا المقدّسة.” له في قلوبنا وعقولنا الكثير الكثير. مجدّدًا، أعيد وأكرّر “لإسماعيل القاسمي الحسني، الجزائريّ الحرّ، كلّ الحبّ والتقدير والاحترام. فموقفك وما صنعت من أجل سوريا، أيّها الأخ المحترم، له في قلوبنا وضمائرنا ما لا يستطيع أحد كنزه وحفظه، إلا من عرف معنى قدسيّة الدمّ، وقد عرفناها سويّة في مقارعتنا الحقد الاستعماري الفرنسيّ في الماضي، ونحياها اليوم مجدّدًا، والتي لا يمكن لمن رضعوا من أثداء آبار النفط أن يعرفوها”.
وشمس الجزائر الحرّة وموقفها الصلب الأصيل لا يمكن أن تغطّيها غرابيل إعلام النفط، وإن تلبّست بألف لبوس ولبوس، ولتحي الجزائر، ولتحي سوريا.