عن التماهي بين بقايا النظام الرسمي المتحلّل وحكومات “الربيع” !
نبيل نايلي*
“تاريخ حزب الله في الصراع مع العدو الصهيوني، ودعمه قضية فلسطين والمقاومة الفلسطينية، يجعلنا نربأ بأي طرف عربي، مهما كان الخلاف، بأن يتلاقى مع الموقف الإسرائيلي بتصنيف حزب الله منظمة إرهابية.” حركة الجهاد الإسلامي.
بلغت الأزمة المتصاعدة بين السعودية وحزب الله اللبناني، مستوى غير مسبوق بقرار مجلس التعاون الخليجي اعتبار الحزب”منظمة ارهابية“ وإعلانه عزمه اتخاذ اجراءات بحق”جميع قادته وفصائله والتنظيمات التابعة له والمنبثقة عنه“. تزامنا أدان مجلس وزراء الداخلية العرب، في تونس”الثورة“، ما اعتبروه”أعمالا خطرة“ يقوم بها حزب الله الذي وصفوه”بالإرهابي“ مُعتبرين أنّ تلك الأعمال من شأنها”زعزعة الأمن في بعض الدول العربية“! وحدههم، وفود جمهورية العراق ولبنان والجزائر كانوا “النشاز”! منهم الذي تحفّظ على بعض فقرات الإعلان، ومنهم “من نأى بنفسه” عن وصف حزب الله ب”الإرهابي”، ومنهم من امتنع عن التصويت!
القرار التصعيدي علّله الأمين العام للمجلس، عبد اللطيف بن راشد الزياني، بـ«استمرار الأعمال العدائية التي تقوم بها عناصر ميليشيات حزب الله لتجنيد شباب دول المجلس للقيام بالأعمال الإرهابية، وتهريب الأسلحة والمتفجّرات، وإثارة الفتن، والتحريض على الفوضى والعنف في انتهاك صارخ لسيادتها وأمنها واستقرارها”، متناسيا، جنابه، أنّ لائحة التّهم التي يكيلها للحزب تختزل ما تفعله هذه الدول منذ سنوات في سوريا!
كلا، لم يشفع لـحزب الله دوره المحوري في المقاومة، ولا قوافل شهدائه وجرحاه أثناء اشتباكه مع الكيان الغاصب، ولا استحضر المؤتمرون إنجاز التحرير سنة 2000، ولا ذكروا له ملحمة تموز 2006 ، التي يوثّقها جنرالات العدو في تقرير فينوغراد، في حين يستكثرها القاعدون على حزب الله –فقط لأنه شيعي-، ولا حتى راعوا ظروف التخفيف لمدّه يد المساعدة لمن يخذلونهم من الفلسطينيين، سرّا وعلانية!
كلاّ، ما خجل معظم وزراء الداخلية العرب ولا وجد زعماء دول الخليج أي حرج في التماهي مع المحتل الاسرائيلي، الحليف الإستراتيجي في حربهم”النكاية“ وغزوة الأشاوس”الدنكيشوتية“ ضد إيران. كلاّ ما رفّ للمؤتمرين جفن، ولا أزعجهم تحالف موضوعي مع الكيان وتخندق واحد، في تنفيذ لمطلب صهيو-أمريكي يزيد من تأجيج الفتنة التي سيكتوون بلهبها.. وإن بعد حين!
بعد عقود من التنسيق والتواصل السّري بين وزارتي الخارجية والدفاع والاستخبارات مع الكيان، والتآمر والتدجين لحركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية وسوريا والرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، هذه المملكة تدشّـــن -رسميا- خروج العلاقات السعودية -الإسرائيلية إلى العلن! وعيد وقف الهبة على الجيش اللبناني، كان ناقوسا بلغ قرعه آذان وزراء الداخلية العرب، ليتخذوا نفس الموقف العار!
وهل ينتاب بعضهم عجب؟ بعد أن أُجهز تدريجيا على مشروع قانون تجريم التطبيع، جنينا، واستقبلت الحكومة”الثورية جدا“، مؤتمر”أصدقاء سوريا“ وما ترتّب عليه، دون أن ترتجف لل”ثوار” قصبة، وانضمت حكومة ”جائزة نوبل للسلام“ باستحقاقات التزكية المسمومة، إلى التحالف الدولي ل”مكافحة الإرهاب”، وانخرطت في ما سمّي زورا التحالف ”الإسلامي“ لمكافحة الإرهاب، من قبل من يرعون الإرهاب ويحتضنونه، مما زجّ بتونس رسميا في حقل ألغام سياسات المحاور ووضع حدّا لسياسات الحياد والابتعاد عن “تحالفات الإذلال والابتزاز”، في زمن غياب الدول المحورية المحطّمة أو الجاري إفشالها!
لا نستغرب مطلقا من حكومات ونظم قايضت بقاءها منذ سفر”لورنس العرب“ أو سايكس-بيكو مواقف بهذه الخساسة، ولا اختطاف المحميات المذهّبة لما تبقى من هياكل جثّة هذا النظام الرسمي العربي، كما لا نستغرب صنيع من أُعيد تأهيلهم خلال حفل التنكر الإنتخابي، أن يبيعوا موقف تونس الذي ظلّ –حتى زمن الدكتاتورية- في حدّه الأدنى، محايدا، باسم”الريل بوليتيك“، ولكن نشفق على هؤلاء الذين راهنوا على حكومات “الربيع” والثورات المغدورة أن تعدّل الموقف العربي، لا أن تتماهى مع المحميات التي اغتالت فرحنا في كل العواصم العربية!
إلى أي سقوط وانحطاط أخلاقي ننحدر؟ وأي منظومة قيمية هذه التي باتت تقود هذه الأمة؟ أي تيه عدمي وعمى استراتيجي يجعل أبناء هذه الأمة الواحدة يختلفون -حدّ التقاتل- حول تقدير موقف من حزب، أو حركة مقاومة، تصدّت لمن تقاعسوا، حدّ الخيانة في محاربته؟ أي لوثة طائفية هذه التي تجعل بعض أبناء الوطن الواحد يلتقون –موضوعيا- مع الصهاينة في مواقفهم المخزية من قضية يُصفّيها هؤلاء وآخرون مؤاثرين الزجّ بأبناء هذه الأمة في حروب الكوندور والمناولة والوكالة وصولا إلى مسالخ الطائفية العدمية!!!؟
لهؤلاء جميعا أن يضيّعوا دم “حزب الله” بين القبائل، كما لهم أن يوزّعوا صكوك”الإيمان“ و”الوطنية” و”المقاومة” أو يمنعوها، كما يحلو لهم، وهم القاعدون! هذا زمنهم! ولهم أيضا أن يباركوا للصهاينة تطوّعهم وتحقيقهم ما عجزت عنه العصابات الصهيونية! الآن ونحن في عزّ زمن التيه والعمى الإستراتيجي، أضحى فيه الكيان الحليف والصديق الصدوق يحتمون بقبته الفولاذية ومقلاع داوده ويُستدعى فيه شمعون بيريز ليحاضر في أمنهم القومي، لا بل و يتطبّب عنده”الثوار“ الذين”لم يأمرهم الرب بمحاربة إسرائيل“، كما لهم أن يُغمطوا حق حزب لهم أن يختلفوا معه، ويجحدوا سنوات قضاها في تحرير الجنوب، في حين قضوها هم في قعود و”تنظير افتراضي” أقرب إلى اللغو، ولهم أن يتخذوا من”نصرتهم للشعب السوري“ ومن ”تعاطفهم مع إخوانهم السنة“، الحجّة الواهية، وهم من بخلوا عليه حتى بحق اللجوء! فضلا عن ارسالهم جحافل من يذبحون أطفاله ويستحلّون نساءه!
لهؤلاء جميعا أن يدمغوا حزب الله وباقي فصائل المقاومة بالإرهاب، المطلب الصهيوني بامتياز، فاليوم حزب الله وغدا حركة حماس، سنة أم شيعة، بمصطلحات معجم المهووسين ومرضى الطائفية، لأننا مررنا في زمن سايكس-بيكو الجديدة من مرحلة تسوية القضية الفلسطينية الشاملة إلى التصفية الشاملة!
وزراء الداخلية العرب الذين اجتمعوا في تونس، قرّروا، اعتبار حزب الله،”بجميع قادته وفصائله والتنظيمات التابعة له والمنبثقة عنه“، منظمة إرهابية، استنكروا من خلال”إعلان تونس لمكافحة الإرهاب“، الممارسات الإيرانية”الهادفة إلى زعزعة الأمن والاستقرار في مملكة البحرين، والعديد من الدول العربية“، وندّدوا “بالتجييش الطائفي، وإثارة النعرات المذهبية، وأيدوا الإجراءات التي تتخذها الدول العربية في مواجهتها، وشجبوا الممارسات والأعمال الخطرة” التي يقوم بها حزب الله. كما أكدوا على “تجديد إدانتهم الثابتة للإرهاب، مهما كانت أشكاله أو مصادره”، مندّدين “بكلّ الأعمال الإرهابية، بما في ذلك تلك الموجهة ضد أقليات عرقية أو مذهبية، وتلك المرتكبة من قبل التنظيمات المتطرّفة والمليشيات الطائفية”، عظيم ولنسلّم –جدلا- أنهم محقون، فماذا تفعل المملكة والخليجيون وتحالفهم”الإسلامي“ بجيوشهم أو بشذّاذ آفاقهم ممّن أرسلوهم يفتكون بإخوة الدم والدين؟ أم أن أباطرة الإرهاب هم من يملكون –حصريا- صلاحية دمغ أو تبرئة من يريدون من تهمة الإرهاب؟ أ تنهون على شيء وتأتون مثله؟ كبر مقتا ما أنتم تفعلون!
لن نستغرب، والحال على ما هي عليه، أن يعوّض علم الكيان علم جمهورية سوريا في جامعة العرب الأشاوس!
أخيرا، مخجل فعلا، أن يصدر هكذا اتهام ومن تونس بالذات! تونس التي شهدت انتفاضتها المغدورة، رافعة شعارات الحرية والكرامة، تونس التي ناصرت كل حركات المقاومة، حتى في أحلك زمن الدكتاتورية، ثم تسقط زمن “حكومات الثورة”!