ما كتبته قبل ما يقارب العشر سنوات أراه مناسباً اليوم . عندما يصبح الحزب وطناً والوطن حزباً صباح علي الشاهر
من وُضع ووُظف لمصلحة من، الحزب لمصلحة الوطن أم الوطن لمصلحة الحزب ؟
ظاهرياً تبدو الإجابة على هذا التساؤل محسومة سلفاً. فلا أحد بمقدوره نظرياً الزعم بأن الاحزاب لا تنشأ لخدمة الأوطان ومن يستظل بظل هذه الأوطان، فمبرر وجود هذه الأحزاب هو برنامجها المُعلن، وهل يوجد حزب من الأحزاب لا يضع في ديباجة برنامجه التضحية بكل غال ونفيس من أجل الوطن وأبناء الوطن؟! ولكن، وكل المعضلة تكمن في لكن هذه، إذا إحتكمنا إلى واقع الحال وممارسة هذه الأحزاب والمعطيات والحقائق التأريخية فإننا سنكون أمام أمر آخر، مختلف تماماً.
من المعلوم أن الأحزاب كالأفراد، تولد وتنمو، وتصبح فتيّة ثم تشيخ، وعندما تشيخ لا يكون أمامها من خيار، فإما أن تزول أو تتغيّر. تشيخ الأحزاب عندما تستنفذ برنامجها، أو عندما يتجاوز الزمن ومتغيراته هذا البرنامج، أو عندما تعجز وتفشل بعد مرور الزمن عن تحقيق هذا البرنامج، ولأن الأحزاب ورغم كل إدعاء نتاج مرحلة تأريخية ( إقتصادية إجتماعية ) محددة، فإنها شأنها شأن كل شيء ملزمة بالتواؤم مع مستجدات ومتغيرات الواقع المُعاش، وإلا فإنها ستصبح خارج هذا الواقع ، تعتاش على التهويم البلاغي والإيهام .
قد يقول قائل ما هذا الإطلاق، هناك أحزاب أوربية كحزب العمال والمحافظين في بريطانيا موغلة في القدم، ولكنها ما زالت باقية وفاعلة في الحياة السياسية البريطانية .
نعم ، وستبقى فاعلة، طالما هي تتغير مع تغير الزمن ، فليس بإمكان أحد الزعم أن حزب العمال البريطاني اليوم، هو نفسه قبل خمسين سنة، أو حتى قبل عشرين سنة، وهذا يصدق على حزب المحافظين، وكل الأحزاب الأخرى بما فيها الأحزاب الشيوعية. ومن بمقدوره الزعم أن حزب موريس توريز هو عينه حزب جورج مارشيه، وحزب تولياتي هو عينه الحزب الشيوعي الإيطالي الحالي، لا بل من بمقدوره أن يحسب التنظيمات الشيوعية الحالية في روسيا هي نفسها الحزب البلشفي اللينيني الذي كان، ولا حتى الحزب الشيوعي الصيني هو نفس حزب ماو قائد المسيرة الكبرى.
عندما تنطلق الأحزاب من الخاص إلى العام، تتوهم أنها تنطلق معرفياً من الملموس إلى المجرد، هي بهذا الإنتقال تُضفي على نفسها شمولية مُخادعة ، هي نتاج إدعاء لايزكيه الواقع، عندما يُصار إلى شمولية المذهب أو المعتقد، عمومية القومية، عدم ملموسية الأممية، فإننا نكون بذلك قد أبطلنا المعايير الملموسة، الخاصة، والواضحة التي نحتكم لها، وتكون معياراًُ لعملنا. أزعم أن أحزاباً تُبنى على هذا النحو لا ترتبط حقيقة ببرنامج وطني ملموس، وستكون مستعدة على الدوام للتضحية بما هو وطني لحساب ما هو مذهبي أو عقائدي، أو قومي أو أممي، وهي بهذا تتخلى عملياً عن مبرر وجودها وسط مجتمع معين، وفي إطار جغرافية محددة .
نحسب أن الأحزاب الحقيقة هي تلك الأحزاب التي يكون معيارها الوطنية، والتي قطعاً لا تنعزل عن فضائها العام الديني والقومي .
عندما نخدم الوطن المُحدد الملموس، نخدم الأمة والقومية التي يُشكل هذا الوطن جزءاً منها، ونخدم الدين الذي هو الفضاء الروحي لهذا الوطن، ونخدم الإنسانية بمجملها لأن الوطن جزء منها .
الأممية تحتاج إلى تضامن، والوطن يحتاج إلى فعل وجهد وعمل وإنجازات شاخصة وملموسة، لذا فرداء القومية والأممية فضفاض، لا يستر الخواء، وإنعدام الفاعلية. لا يمكن لأحد أن يخدم الأممية متجاوزاً القومية، ولا يمكن خدمة ( الأمة) القومية بتجاوز الوطنية وخدمة الوطن. إن المعيار الحقيقي لخدمة الأمة والقومية هو خدمة الوطن .
الأحزاب الشمولية من هذا النمط ، هي التي تُقزم الوطن وتعملق الحزب . يصبح الحزب عندها أكبر من الوطن، ترتبط راية الدفاع عن الوطن براية الدفاع عن الحزب، ويصبح الدفاع عن الحزب هو الدفاع عن الوطن ذاته، وبالتالي يصبح الحزب هو الوطن، والوطن هو الحزب .
مثل هذه الأحزاب لا تؤمن حقيقة بالمساواة ولا تطبقها، لأنها لا تؤمن بالمواطنة وإنما بالحزبية، عضو الحزب لديها ليس كغيره، وعندما تستولي على السلطة تجعل السلطة سلطة الحزب وصولاً إلى جعل الوطن وطن الحزب، وبالتالي تصبح السلطة والوطن بخدمة الحزب، والحزب هو أفراده وعناصره حسب تسلسلهم بالأهمية، الأحزاب الشمولية لدينا هكذا. من أجل أوطاننا وكرامتنا، من أجل مصلحة شعوبنا، ومستقبل أبنائنا، ينبغي أن يتغير مفهوم الحزب والحزبية لدينا، فالحزب حزب والوطن وطن، والحكومة حكومة والدولة دولة. الحزب ياتي ويذهب والوطن باق، الحكومة تأتي وتذهب والدولة باقية. هذه الأمور التي هي بدهية في الدنيا كلها، تحتاج إلى تأسيس وتركيز عندنا، وإلا فلن تقوم لنا قائمة.
الحزب ينبغي أن لا يستلب عقول وإرادات الناس، لا يكون بديلاًُ عن الوطن ولا رديفاً له،
الأحزاب الشمولية مولعة بالأيدلوجية، مثلما هي مولعة بالبلاغة والتهويم اللفظي، هي لا تعيش من دونما أيدلوجيا لا يفهما الإنسان البسيط الذي تريد أن تسحبه أنى شاءت، وهو غير معني بها أساساً لأنها لاتلامس همومه اليومية ، الأيدلوجيا هي السيف المسلط ليس على من هم خارج الحزب بل لمن هم داخل الحزب. الأيدلوجيا هي البديل المجرب عن ذاك الواضح، والبسيط والملموس، الذي يمكنك ويمكنني من أن نحاسب الحزب أو الأحزاب إذا عجزت عن تنفيذ ما ألتزمت بتنفيذه، أما الإيدلوجيا التي مجالها السجالات والجدل في الجامعات ومراكز الأبحاث، والمؤسسات الثقافية والفكرية، فيصبح الدفاع عنها وعن نقاوتها، لدى الحزبيين الشموليين الذين سيكرسون أنفسهم حماة لهذه الأيدلوجية ومحاربة المنحرفين عنها، تصبح مهمة نضالية مقدسة تتجاوز مهمة تحقيق بنود البرنامج ، وبذا تضيع المعايير الحقيقية الملموسة التي تُحدد بدقة ووضوح فشل الحزب أو نجاحه.
القدس العربي – 11-02-2008