كل الناس في العالم، ما عدا نفر من أدعياء الليبرالية العرب، يعملون ويتكلمون انطلاقا من أن الصراع الأكبر في هذا العصر ليس صراعا دينيا، فكل شرفاء العالم من المثقفين وأنصار الإنسان والإنسانية من كل الأعراق، والأديان، يقفون في الحقيقة في خندق واحد، ويواجهون العدو نفسه.
لهذا لا يحاربون بعضهم بعضا لاختلاف أديانهم، ولا يحاربون أي دين، ولا يتجاوزون على أي كتاب مقدس، بل يحاربون الامبريالية، ويحاربون الفقر، ويحاربون سطوة البنوك التي يسيطر عليها الصهاينة، إذ هم يعرفون أن استمرار النظام الرأسمالي الربوي الامبريالي لخمسين سنة أخرى سيجعل الكرة الأرضية ومن عليها ملكا لبضعة بنوك عالمية، وسيحول البشرية كلها إلى عبيد يعملون لا لشيء أكثر من أن يكسبوا من القوت ما يبقيهم على قيد الحياة كي يواصلوا العمل ليجعلوا البنوك أغنى وأغنى حتى تكون لها ملكية السماوات أيضا.
المنطقة العربية كانت منذ بداية القرن الماضي ساحة للكفاح ضد الامبريالية، لا غرابة فقد ابتليت منطقتنا بالاستعمارين البريطاني والفرنسي، وبفضلهما استطاعت الصهيونية أن توجد لها موطئ قدم على هذا الأرض لنهب خيرات بلدان المنطقة وإفقار أهلها، وإخضاعهم لسلطة رأس المال الربوي، فخلقت بذلك مآسيَ أكبر لشعوب المنطقة، ولكن أيضا مبررات أقوى لها لمحاربة هذه القوى الشريرة. على مدى قرن كانت كل الحركات والأحزاب السياسية عندنا تحارب الامبريالية وحليفتها الرجعية، فكانت حركات أو أحزابا وطنية، أو قومية، أو ديمقراطية، أو اشتراكية ثورية، تريد تحرير الإنسان، وتحقيق المساواة، وإنصاف الأقليات، وبناء مجتمعات عصرية متطورة.
ثم بقدرة قادر (بل بقدرة أمريكية) اختفت كل هذه المفردات من لغتنا، وصار الصراع في منطقتنا طائفيا، ثم دينيا، ينبش الناس في أتونه التاريخ الموغل في القدم، ويحاربون نصوص الكتب المقدسة. ومن يدري ماذا يحمل لنا الغد من مفردات كنا نشمئز منها قبل قرن وتصبح زادنا اليومي، ومحتوى مقالاتنا وكتبنا في الغد!
كيف تمكنوا من ذلك؟ حتما، ليست الامبريالية والصهيونية المذنبتين الوحيديتين، فنحن أيضا مذنبون، ولكن من المذنب فينا؟ مَن إن لم تكن تلك الفئات الاجتماعية التي تعتبر أكثر وعيا وقدرة على قيادة المجتمع؟ بين هؤلاء وحدهم يجب أن نبحث عن الذين خانوا الأمانة التي وضعت في أيديهم، وضاعت عقولهم بسبب الانبهار بكل ما هو أجنبي، واحتقار كل ما هو أصيل وأساسي في حياة شعوبهم. انبهر فريق منهم بمنجزات الغرب العظيمة وأصابتهم عقدة النقص، وانبهر فريق آخر بأفكار الشرق، ونسوا أن أمتهم هي منبع الحضارة والفكر الإنساني. اليوم وصل هؤلاء الخونة، عن قصد أو عن بلاهة، درجة جديدة في خيانة قضايا شعوبهم، فصاروا جهارا نهارا يقفون في خندق الامبرياليين الذين لا تعنيهم أحوال الشعوب ومصائرها، بل تهمهم مصالحهم الجشعة، لا غير.
انظروا كيف تنكروا لإرث قرن من محاربة الامبريالية والرجعية، وتنكروا لدماء مئات الآلاف من خيرة الشباب الذين قضوا في سجون ومعتقلات الأنظمة الديكتاتورية من أجل حرية شعوبهم مؤمنين بغد اشتراكي ديمقراطي، ومجتمعات حرة لا سطوة فيها للامبريالية على شعوبهم. انظروا كيف نزلوا إلى الدرك الأسفل في الخيانة، فصاروا يشاركون في إثارة الحروب الدينية.
ليبراليون بلهاء، سوية مع مأجورين موجهين من الدوائر الصهيونية، يفرزون من بين كل الأديان دينا واحدا، دين أمتهم الذي يدخل في الهواء الذي يستنشقونه، ويجعلونه وحده هدفا للهجوم، والسخرية، والعدوانية السفيهة بدعوى محاربة الفكر الديني الظلامي. الآن تفتقت أذهان هؤلاء العباقرة عن اكتشاف "تنويري" مذهل بأن مشاكلنا كلها تأتي من الإسلام، وأن مصدر الشرور في العالم كله هو آيات في القرآن تحث على القتل والقتال. بمعنى أن الامبريالية والرأسمالية والصهيونية باتت، سبحان الله، بريئة مما نعاني منه، وتعاني منه البشرية كلها.
الامبريالية والصهيونية وديعتان، ومسالمتان، وديمقراطيتان، وإنسانيتان، والإسلام هو المصيبة، والإرهاب سببه القرآن! يا حبذا لو نطقتَ يا كارلوس فأخبرتنا أي الآيات القرآنية تأثرت بها ودفعتك إلى الإرهاب الشيوعي قبل نصف قرن.
بالأمس كنا نقاتل ويقاتل معنا كل شرفاء العالم حتى جعلنا الأمم المتحدة تصوت لصالح قرار باعتبار الصهيونية حركة عنصرية، ثم انقلبت الأمور فألغي ذلك القرار، وصار ليبراليونا، على ما يبدو، يجاهدون كي يعينوا الصهيونية في جعل الأمم المتحدة تتخذ قرارا باعتبار الإسلام دينا إرهابيا، واعتبار كل مسلم مشروع عمل إرهابي. أي قبح يفوق قبح هذا السلوك الليبرالي المزعوم؟
الجهل مصيبة، لكن هؤلاء لا يتحدثون عن جهل، بل عن علم كعلم الشيطان الذي يعرف الحقيقة، ويضل الناس عنها. تسألهم من الذي أدخل تنظيم القاعدة الإرهابي إلى العراق؟ ألم تأت القاعدة سوية مع الغزو الأمريكي وحلّ الجيش العراقي؟ من الذي خلق داعش والنصرة في سورية؟ أليس الإصرار الأمريكي على إسقاط الرئيس الأسد وتدمير الدولة السورية بكل الوسائل هو المسؤول عن هذه الكارثة؟
نسألهم: ألم يكن حكم "الشريعة" على مدى قرن مقتصرا على مملكة التيوس في الجزيرة العربية، فمن أخرجه من قمقمه وأدخله إلى مصر، وتونس، وسورية، والعراق وإلى كل مكان كانت فيه تشريعات الدولة الإسلامية مطعمة بالتشريع البريطاني أو الفرنسي منذ أوائل القرن الماضي؟ متى انقلبت قوانين العائلة العراقية من عام 1959، مثلا، وهي قمة في التقدمية والإنسانية، إلى قوانين تبيح زواج الأطفال في عمر التاسعة؟
ألم يحصل ذلك بعد أن دخل جيش الاحتلال الأمريكي إلى العراق بحجة إقامة الديمقراطية؟ العراق الذي وصلت فيه المرأة إلى الوزارة قبل الدول الاسكندنافية عام 1959، العراق الذي كانت المرأة فيه تعمل مهندسة في سبعينيات القرن الماضي قبل أن تخرّج الجامعات البريطانية أول مهندسة، ألم يكن مجتمعا مسلما يؤمن بالقرآن حين حقق كل ذلك؟ لماذا لم يكن القرآن يومها يحول دون تقدم المجتمع؟ من المسؤول عن تردي حال المرأة العراقية اليوم؟ أليس الحصار، والاحتلال الأمريكي، ومجلس بول بريمر الذي أوجد التقسيم الطائفي وكرّسه؟
لن يجيبوك، وإن أجابوك فباقتباس بعض آيات القرآن الكريم التي تعتبر الكفار خنازير. حقا، نقول لهم، هل هناك عربي أو مسلم اليوم وبعد كل ما فعله الأمريكيون بنا، في شك من أن جورج بوش خنزير من نسل خنازير؟ هل هناك من يشك في أن أرئيل شارون خنزير من نسل خنازير؟
هل هناك من شك في أن صاحب عقيدة "الصدمة والترويع" قاتل أطفال العراق، دونالد رافمسفيلد، خنزير لن يلد إلا خنزيرا؟ نعم، هم الذين جعلوا الناس يؤمنون، بعد طول ضلال، أن كل كلمة في القرآن بحق من يفسدون في الأرض صائبة وحقيقة أزلية.
المسألة هي فقط مسألة تعريف الفساد ومن يمارسه، فالمفسد ليس إمرأة تكشف عن شعرها، بل واحد مثل ديك تشيني يدّعي أن الله ارتكب خطأ بوضع آبار النفط في العراق لأنها يجب أن تكون لأمريكا، والمفسد هو أيضا بنك صهيوني يخنق شعوبا بأكملها، ويذلها ويستعبدها. اليونان مثال شاخص للعيان على همجية النظام المصرفي الربوي. ومن وراء المصارف الربوية؟ خنازير الصهيونية.
تسألهم من هي القوى الاستعمارية التي تنهب خيرات الشعوب، وتقتلها، وتسلبها حريتها وكرامتها؟ أليست فرنسا، وبريطانيا وأمريكا؟ لن يجيبوك بل سيتحدثون عن غزوات العرب قبل أربعة عشر قرنا. تقول لهم: أنتم تتناسون المستعمر الذي يدوس ببساطير جنوده على رؤوسكم الآن، وتحاربون التاريخ؟
فيجيبونك بأن القرآن يقول {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم}. هم لا يدركون أن ما يفعله الأمريكيون والإسرائيليون يجعل الناس يرون أن هذا هو الحق من رب رحيم. أهو خطأ أن نقاتل من اغتصب أرض الفلسطينيين، ونحارب من قتل ثلاثة ملايين عراقي بالجوع، والحصار، والغزو، والصدمة والترويع، ثم بإدخال الإرهاب إلى العراق، وسورية، وتونس، واليمن، ومصر، وليبيا، ويخطط لإدخاله إلى بقية بلدان المغرب العربي؟
كيف لا يؤمن الناس برب يعدهم بأن يعذب المفسدين بأيديهم؟ أم يجب أن يشكر الناس المفسدين لأنهم دمروا بلدانهم، ومستقبل أجيالهم؟ وكيف لا يقدس الناس القرآن الذي يمنحهم الثقة بالنفس بأن الله سيعذب هؤلاء الخنازير بأيديهم؟ ما هو مؤسف ومؤلم هو أن شعوبنا هي التي تتعذب حتى الآن بأيدي هؤلاء المفسدين. تُرى لماذا؟
لأن ليبراليينا يحثون الناس على محاربة القرآن، فالأمريكان في نظرهم أبرياء من كل الجرائم التي نشهدها، وآيات القرآن هي المسؤولة.
مهما حاولت أن تستخدم المنطق لن يقروا بالحقيقة، وهم، ما شاء الله، يحفظون بعض آيات القرآن عن ظهر قلب، وهي جاهزة على ألسنتهم كجواب عن أي سؤال. ستضطر إلى سؤالهم: حسنا، لنقل أن مجتمعاتنا الإسلامية، وبسبب القرآن، أنتجت داعش الإرهابية، لكن مجتمعات أوروبا المسيحية أنتجت خلال قرن واحد أربع حركات إرهابية بربرية كبرى في تاريخ الإنسانية هي النازية، والفاشية، والصهيونية العنصرية، والستالينية.
الأخيرة تسببت في قتل أكثر من عشرة ملايين إنسان في معسكرات الاعتقال في سيبيريا، والصهيونية تسببت في تشريد شعب كامل من وطنه، واغتصاب أرضه وتشريده وقتله على مدى العقود السبعة الماضية، والنازية والفاشية تسببتا في قتل أكثر من سبعين مليون إنسان في بحر سنوات معدودة من حربين عالميتين.
هل وقع كل هذا بمعزل عن المسيحية، واليهودية، والانجيل، والتوراة، والتلمود؟ يعني في منطقتنا العنف مرتبط بعقلية دينية، بالإسلام، بينما في أوروبا لا علاقة للدين بالوحشية والهمجية؟ ألم تدعم أوروبا المسيحية قيام "دولة" إرهابية على أساس خرافة تلمودية أو توراتية؟
العالم كله يعرف، والتاريخ يشهد من ثلاثة آلاف سنة على أن فكرة إسرائيل العنصرية، وأرض الميعاد، وإسرائيل الكبرى مرتبطة ارتباطا عضويا بالتلمود والتوراة، وباليهودية. لماذا لا تقولون كلمة واحدة عن اليهودية، والشرق الأوسط كله ضحية لهذه الخرافة الدينية، وتصبون جام غضبكم على الإسلام والقرآن وحدهما؟
وهذا سؤال إلى طراطير الليبرالية العربية، وليس إلى غيرهم، فهؤلاء ينجرون مثل الغنم إلى قطعان من الصهاينة المتواجدين على مواقع التواصل الاجتماعي، ويكتبون بأسماء عربية، أو أسماء وهمية توحي بأنهم مسيحيون، وغرضهم هو إثارة حرب دينية في المنطقة العربية بالإساءة إلى القرآن الكريم باسم المسيحيين لدفع المسلمين إلى الرد بالمثل. إنهم يتصيدون بين الليبراليين البلهاء، أما عقلاء المسلمين فلن ينجروا إلى هذه اللعبة القذرة.
ثم إنكم تزعمون، بلا دليل، أن آيات القرآن تحرض على العنف العشوائي، لكن الجميع يعرفون أن آيات القرآن استخدمت استخداما أعمى لقطع الأيدي والأرجل فقط في بلد مسلم واحد هو الحليف الأكبر لأمريكا، مملكة التيوس السعودية، وتحت أنظار أمريكا، وصمتها الشيطاني المطبق. ما هذا الرياء؟
قبل بضعة أيام قام متدين يهودي بمهاجمة عائلة فلسطينية مسالمة، فقتل حرقا رضيعا عمره 18 شهرا، أليس هذا عملا إجراميا تحرض عليه نصوص التلمود والتوراة؟ لماذا أنتم غير راغبين في قول كلمة في هذا؟ ألا يستحق هذا المجرم أن يقاتله الفلسطينيون على أمل أن يعذبه الله بأيدي عائلة الرضيع؟ هذا ليس فردا، بل هو يمثل إسرائيل، كل إسرائيل، وعقلية إسرائيل المريضة.
أيها الليبراليون العرب، أنتم تضعون أنفسكم في خدمة أعداء بلدانكم وشعوبكم. أنتم تعرفون حق المعرفة أن الإرهاب لم يأت إلى بلداننا مع الإسلام، بل جاء مع الغزو الأمريكي للعراق ثم مع مشروعه الإجرامي الذي أطلق عليه زورا وبهتانا "الربيع العربي". أنتم تتوهمون بأن أمريكا سترضى عنكم، وتضعكم على سدة الحكم في أي بلد لمجرد أنكم تهاجمون كتابا يقدسه ألف وخمسمئة مليون من أهلكم. لن تنالوا الحكم بمباركة الأمريكان حتى تتطوعوا لديها كإرهابيين متسلطين على شعوبكم.
إذا كانت داعش قتلت بضعة آلاف من الناس الأبرياء خدمة للأجندة الإسرائيلية في المنطقة، فأنتم، بهذه النزعة التي تحملونها والتي تفتقر إلى الأخلاق الإنسانية، توحون للأمريكان والصهاينة أنكم مستعدون لقتل عشرات الملايين من العرب والمسلمين. داعش تدعي أنها تحارب نظام الأسد في سورية، بينما أنتم تعلنون الحرب على ألف وخمسمئة مليون مسلم في العالم، وعلى مقدساتهم. ولهذا فأنتم دواعش المستقبل إذا حالفكم الحظ واحتاجت أمريكا والصهيونية إلى خدماتكم على مستوى الحكم.
من يريد خدمة شعبه ينطلق من واقعه، ويحترم هويته. أنتم لا قاعدة لكم بين شعوبكم لأنكم تسيئون إلى هذه الشعوب، وتتملقون الامبرياليين والصهاينة.
أخيرا، لا بد أن نسخر قليلا من الجهلانيين، فنقول لهم: انظروا، فرنسا العلمانية، ورئيسها، وبرلمانها، وقعوا ركّعا سجّدا عند أقدام ملك "الشريعة" الإسلامية، فاستجم هو ورهطه على الريفييرا رغم أنف الشعب الفرنسي العلماني الليبرالي. لماذا؟ لأن حساب العلمانية الفرنسية هو حساب المليارات، وليس حساب الدين. وفي هذا لا يعادل الليبراليون العرب بقضهم وقضيضهم في الحسابات الفرنسية أقل شيك أصدره لهم محاسب ملك "الشريعة". حاربوا الإسلام بوحدكم، وفرنسا تحني رأسها لمن يدفع. ولعلمكم، فإن داعش إن عرضت على فرنسا الآن شراء طائرات منها إذا قامت دولتها، فإن فرنسا العلمانية، ليس غيرها، ستكون أول دولة في العالم تعترف بـ "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، وتعتبرها دولة صديقة، بل إنها سترحب بأبي بكر البغدادي على الريفييرا الفرنسية في رحلة استجمام ومعه ألف من الدواعش، وليستمتعوا بمنظر الحور العين الفرنسيات اللواتي سيخرجن بصدور عارية للاحتجاج على إغلاق الريفييرا أمام أبناء العلمانية وفتحها أمام الرايات السوداء. ألا تصدقون؟ ذلك لأنكم بلهاء، إذ ما الفرق بين دولة داعش وأمها دولة السعودية التي يحني لها الفرنسيون رؤوسهم اليوم؟