عملية تونس الإرهابية الأخيرة والمشهد السياسي المرتقب
د. أعلية علاني- جامعة منوبة- تونس
أفاق التونسيون يوم 24 نوفمبر 2015 على فاجعة جديدة لم يستوعبوها بسهولة من شدة الصدمة. عملية إرهابية نوعية ضد حافلة الأمن الرئاسي قام بها الانتحاري حسام العبدلي (بائع متجول عمره 27 عاما) بحزام ناسف، انتمى سابقا لجماعة أنصار الشريعة ثم تمّ تجنيده لاحقا من طرف جند الخلافة التابعة لداعش. وهي كتيبة استوطنت بتونس في نهاية 2014. وتُعتبر العملية الأخيرة نوعية من حيث توقيتها ومكانها. فما هي أبرز دلالاتها ونتائجها؟
– الدلالات البارزة للعملية الإرهابية بالعاصمة التونسية I
الدلالة الأولى: هي أن هذه العملية تندرج ضمن استراتيجية داعش الجديدة، والمتمثلة في الضرب بقوة بالتزامن في أماكن متعددة (تونس، فرنسا، مالي الكامرون) لتشتيت مجهودات الأمنيين والمخابرات الأجنبية، ولإبراز الذراع الطويلة لهذا التنظيم رغم حملة التصفية التي يتعرض لها.
الدلالة الثانية: هي أن اختيار المكان يؤشر إلى أن أكبر وأهم شارع بالعاصمة الذي يأوي أقوى الوزارات والبنك المركزي وشركات دولية أخرى لم يعد بمنأى عن ضربات هذا التنظيم.
الدلالة الثالثة: هي أن عملية 24 نوفمبر 2015 بالعاصمة تؤكد أن استراتيجية حماية الأماكن الحساسة بالعاصمة لم تكن في المستوى المطلوب رغم المجهودات المبذولة بعد عملية سوسة التي جرت في 26 جوان 2015.
الدلالة الرابعة: أن داعش أرادت أن تضرب بقوة لتخفيف الضغط على الحملات المتكررة مؤخرا ضد العديد من المهربين وضد كثير من العمليات الاستباقية التي أثمرت اعتقال عدد هام من عناصر الخلايا النائمة.
الدلالة الخامسة: هي أن ضرب داعش للحرس الرئاسي هو ضرب لرمز الدولة الأول، وقد أكد ذلك رئيس الجمهورية قايد السبسي في تصريح له.
الدلالة السادسة: هي أن عملية داعش الأخيرة تتزامن مع تواصل احتقان الوضع الإقليمي في ليبيا، هذا البلد الذي يأوي أكبر عدد من القياديين الإرهابيين التونسيين الذين كانوا محميين زمن حكم الإسلاميين بتونس.
الدلالة السابعة: أن التحقيقات الأولية للعملية الإرهابية بالعاصمة أكدت أن التخطيط والتدريب تمّ في ليبيا والتنفيذ كان بأياد تونسية ضمن الخلايا النائمة. وهو ما يبرر اتخاذ قرار غلق الحدود مع ليبيا مدة نصف شهر يمكن أن تكون قابلة للتجديد.
ويمكن القول أن عملية تونس الأخيرة تأتي في ظرفية دولية تتسم بتهيئة الأرضية لانتقال قيادات داعش المشرقية إلى شمال إفريقيا بعد ضربات الحلفين الأمريكي والروسي الموجعة لداعش والتي ستؤدي حتما إلى هزيمته على الأقل في سوريا. ولا ننسى أن نشير إلى أن عملية تونس تأتي في ظرفية داخلية اتسمت بحضور ضعيف للدولة في الفضاء الديني، وعجز الحكومة عن فرض أئمتها في بعض المساجد.
كل هذه المؤشرات سمحت للإرهابيين بالضرب من جديد في قلب العاصمة. ويعتقد العديد من المحللين أن نتائج هذه العملية ستكون صعبة على اقتصاد وأمن البلاد في المرحلة القادمة.
– أبرز النتائج: إجراءات صارمة وانشقاقات في الحكمII
أفرزت عملية تونس الأخيرة جملة من العناصر نحوصلها في النقاط التالية:
أولا: العودة إلى فترة التهديدات الأمنية بعد إقرار العمل بقانون الطوارئ من جديد، وخيبة أمل التونسيين الذين ظنوا أنهم بدأوا يتعافون من مخلفات عمليتي باردو و سوسة.
ثانيا: الترفيع في ميزانيتي وزارتي الداخلية والدفاع في ظرف اقتصادي صعب كان من المفروض أن
تُختصر فيه النفقات وتتطور فيه الاستثمارات.
ثالثا: تداعيات سلبية على مناخ المال والأعمال وتراجع الإصلاحات المبرمجة في القطاع البنكي.
رابعا: تواصل أزمة السياحة سواء كانت سياحة الشواطئ أو سياحة رجال الأعمال.
خامسا: تضخم عدد الموقوفين من الإرهابيين الذين لم يحاكم منهم إلا القليل النادر لحد الآن منذ 2011
إلى اليوم.
سادسا: إجراء تعديل في تركيبة الحكومة بعد الاستقالات الأخيرة، وذلك بحذف عديد الوزارات وإقحام
أخرى في وزارات قائمة. وهناك توجه نحو تكثيف عدد التكنوقراط في حكومة أنهكتها التجاذبات
الحزبية. وُينتظر أن تثير مسألة التحوير الوزاري جدلا واسعا في صفوف شركاء الحكومة
بالخصوص. ويمكن أن تنجر عنه تهديدات بالتخلي عن مساندة الحكومة الجدييدة.
سابعا: تعمّق أزمة الحزب الحاكم ” نداء تونس” في ظل صعوبة استمرار التعايش بين شقي محسن
مرزوق وحافظ قايد السبسي. ويبدو أن الأزمة بين تركيا وروسيا حاليا ستؤثر في أحد أجنحة نداء
تونس القريب من حركة النهضة.
ثامنا: وجود تململ في صفوف حركة النهضة التي يُحمّلها معارضون المسؤولية الرئيسية في انتشار
الظاهرة الإرهابية.
تاسعا وأخيرا: إمكانية بروز قوة سياسية جديدة تضم مجموعة بارزة من التكنوقراط والليبراليين
والمستقلين في حزب جديد ينتظر أن يترأسه رئيس الحكومة السابق مهدي جمعة مع قيادات في
معظمها من الشباب. كما تشير عدة أنباء إلى أن العائلة الدستورية (المحسوبة على نظام الرئيس
السابق بن علي) الموزعة على أربعة أحزاب يمكن أن تتجمع في حزب واحد. ويُتوقع أن يكون
لهذين الحزبين الجديدين حظوظ كبيرة في الانتخابات القادمة يمكن أن تخطف الأضواء من
حزبي النداء والنهضة.
وختاما فإن الرأي العام والنخبة في تونس مازالوا يحتفظون بشعور الأمل للتخلص من خطر الإرهاب، ولهذا السبب يمكن أن تكون كلمتهم حاسمة في تشكيل الفريق الحكومي لما بعد الانتخابات القادمة والتي لن تكون على الأرجح لصالح الفريق الحكومي الحالي.