عملية الجسر: ما الذي نعرفه عن الشهـيد عبد المطلب القيسي؟
قبل أشهر، ترك الشهـيد عبد المطلب القيسي عمله في واحدة من شركات الشحن، ليتمكن من العمل سائقًا يوصل المساعدات المخصصة لقطاع غزة.
عمّار الشقيري، أفنان أبو يحيى*
بعد صلاة الجمعة أمس، توافد المعزّون إلى منزل الشهيد عبد المطلب القيسي، منفذ عملية جسر الملك حسين، رغم أن العائلة إلى اليوم لم تفتح بيت عزاء، وتكتفي باستقبال المعزين في غرفة الضيوف في منزل العائلة. يقول أحد أبناء عشيرة القيسي إن فتح بيت للعزاء قد يستفزّ الإسرائيليين فيؤخّرون تسليم جثمانه. فيما أجاب شقيق الشهيد الأصغر حول ما يعرفه عن العملية «الدولة نشرت بما فيه الكفاية، نحن سمعنا [عن العملية] مثلما أنت سمعت».
وكانت الحكومة قد اكتفت قبل ذلك بإصدار بيان ليلة الخميس، ذكرت فيه أن «السائق الذي اتهم بالعملية هو عبد المطلب القيسي، من مواليد عام 1968، وهو مدني، بدأ منذ 3 أشهر العمل سائقًا لإيصال المساعدات إلى غزة».
يوم الخميس، كانت قد عبرت الحدود الأردنية الفلسطينية 22 شاحنة محمّلة بالمساعدات المتجهة إلى قطاع غزة، وكان عبد المطلب يقود إحداها. أوقف الشاحنة على الجانب الآخر من المعبر عند إحدى نقاط التفتيش الإسرائيلية، ثم ترجّل منها، وأطلق النار من مسدس بحوزته تجاه قوات الأمن الإسرائيلية في المكان، فأصاب جنديين إسرائيليين اثنين بجروح بالغة، ثم طعنهما، ليعلن عن مقتلهما في المكان نفسه.
بعيد تنفيذ العملية، أعلن جيش الاحتلال إغلاق المعبر أمام المسافرين في الاتجاهين، وأرسل تعزيزات عسكرية إلى الموقع، شارك فيها مقاتلو وحدة «دوفدوفان» في الاحتياط، ووحدة التدخل السريع في الأغوار، إلى جانب قوات من الكتيبة 47، لتبدأ على الفور عمليات تمشيط واسعة في المنطقة المحيطة، امتدت إلى مدينة أريحا.
وأفادت الخارجية الأردنية إنها تتابع بالتنسيق مع الأجهزة المعنية أوضاع السائقين الذين عبروا الجسر لإيصال المساعدات إلى غزة لضمان عودتهم الفورية إلى الأردن.
جاءت هذه العملية بعد عام تقريبًا على عملية سائق الشاحنات ماهر الجازي التي قتل فيها ثلاثة إسرائيليين، وهي العملية الثالثة التي ينطلق المنفذ فيها من الأردن بعد عملية الشابين حسام أبو غزالة وعامر قوّاس، منذ بدء الحرب على غزة.
أحد رفاق الشهيد في فترة الخدمة العسكرية، خلال حديثه عنه.
كان عبد المطلب قد التحق مؤخرًا بالعمل سائقًا مع شركة متعاقدة لنقل المساعدات المتجهة إلى غزة، بعد مسيرة طويلة من العمل على شاحنات تنقل البضائع داخليًا في الأردن، أو من الأردن باتجاه سوريا والعراق.
ينحدر عبد المطلب من عشيرة القيسي في قرية «الدليلة» في محافظة مادبا، لكن والده رحل للسكن في منطقة الظهير بمرج الحمام الواقعة على أطراف عمان. ترك عبد المطلب الدراسة أثناء المرحلة الإعدادية، والتحق بالجيش، حيث خدم سائقًا ضمن لواء المدفعية 28 في أكثر من مكان، كان آخرها في منطقة «خو» التابعة لمحافظة الزرقاء، بحسب أحد رفاقه في الخدمة العسكرية.
فور إعلان اسمه كمنفذ للعملية، نعاه رفاقه في الخدمة العسكرية من المتقاعدين على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث وصفوه بـ«الشهيد البطل» و«شهيد الكرامة». يقول رفيقه في فترة الخدمة، والذي فضل عدم الكشف عن اسمه، إنه عرف عبد المطلب منذ بداية التسعينيات عندما كان عريفًا في الجيش شابًا شجاعًا. وأضاف أنه معروف بالتزامه الديني، ومواظبته على الصلاة، خاصةً صلاة الفجر، ويتحدث في أمور الدين كثيرًا، لكن دون تشدّد. «لمّا تطلّع عليه [بتلاقيه] بشوش، محبوب، قلبه قوي وشجاع، والناس تحبه، لا يمكن يسيء إلك بكلمة، مزّيح لأبعد ما تتصور». ويضيف إنه كان «مثل باقي الشعب» يتأثر بما يجري حوله في المنطقة من أحداث.
تابع رفيقه أخبار العملية التي نفذها، ولم يستغرب تمكّن عبد المطلب من التصويب بهذا الشكل وقتل اثنين. يقول إنه على الرغم من تلقّيهم تدريبات على الرماية، لكن أن تتمكن من الرماية في مثل هذا الموقف فهذه تتطلب شجاعة، «الشجاعة هي كل شيء».
يتذكّره رفاقه في الجيش كشخص وفيّ لزملائه إذ ظل يتواصل معهم حتى بعد تقاعده في بداية الألفية ورغم مرور الوقت والانشغالات، «هو صاحب واجب. يشارك الناس مناسباتها، للأمانة ما شفت زي شخصيته، في ناس تعرف إنه شجاع وقلبه قوي وكذا بس تلاقيه متسلّط، بس لا هذا قلبه رهيف مع كل الناس»، بحسب حديث رفيقه لحبر.
بعد تقاعده من الجيش، بدأ عبد المطلب العمل سائقًا على شاحنات النقل داخليًا بين عمان والعقبة وبالعكس، وفي نقل الفوسفات من منطقة الحسا إلى العقبة، وفي نقل الحبوب والقمح والشعير من العقبة إلى الصوامع في منطقة الجويدة والرصيفة وإربد. وبحسب أكثر من سائق، كان عبد المطلب يبادر لمساعدة زملائه على طريق السفر إلى العقبة، بغض النظر عن الوقت الذي يستغرقه تقديم المساعدة.
بعدها انتقل عبد المطلب للعمل لدى شركة خاصة تملك شاحنات لنقل السيارات، وقد عمل في نقلها من العقبة إلى الحدود مع العراق وسوريا وإلى المنطقة الحرّة في الزرقاء.
منذ بدء الحرب على غزة، لاحظ زملاء عبد المطلب في العمل مقدار تأثره بالمجازر التي تحصل هناك، وأكثر ما تأثر به الموقف العالمي الذي لم يستطع وقف الحرب. وعندما علم أحد زملائه نيته ترك العمل في شركة النقل التي كان يعمل فيها، والانتقال للعمل مع شركة تنقل المساعدات إلى غزة، استغرب قائلًا: «شو بدك بهالشغلة يا زلمة؟»، خاصة وأن هذا الانتقال كان يعني الحصول على راتب أقلّ من الراتب الذي كان يحصل عليه في شركة النقل.
يضيف هذا الزميل إن عبد المطلب «كان حاب يروح جهة غزة»، خاصة وأنه كان يعتقد أن الاحتلال يسرق المساعدات في الطريق، وأنها لا تصل إلى قطاع غزة. لكن وبعد عودته من إيصال أول شحنة مساعدات لاحظ زملاؤه فرحته بوصول المساعدات.
يقول أحد العاملين في مجال الشحن، بما فيه نقل المساعدات، إن الشاحنات التي تنقل المساعدات تمرّ بتفتيش وفقًا لإجراءات أمنية وجمركية مشدّدة، وقد ازدادت هذه الإجراءات بعد عملية الشهيد ماهر الجازي.
عند وصول الشاحنة ساحة الشحن الأردنية، تقدّم أوراقها وتفتش يدويًا، ويتمّ تفقد أجزاء من الحمولة يدويًا أو باستخدام أجهزة المسح بالأشعة السينية، لتعبر الشاحنة بعدها للجانب الإسرائيلي الذي يدخلها في ماسحات ضخمة تتفقد البضاعة والسائق، وقد تحتجز الشاحنات أو البضائع ساعات أو حتى أيام بحجة الفحص الأمني ويمكن أن توقف لأقل الأسباب. كما تشمل الإجراءات المشددة حظر احتواء الشاحنات أو مستلزمات السائقين على أية معادن، بعض النظر عن طبيعتها.
بعد التفتيش الإسرائيلي، تفرّغ الشاحنات الأردنية حمولتها وتُنزل البضائع في «ساحة تبادل» قبل أن تُنقل لباصات تحميل أو شاحنات داخلية أخرى. لكن بعض الشاحنات تصل لمعبر زيكيم على الحدود مع غزة، إمّا عبر آليات الجيش الأردني التي يقودها منتسبو الجيش، أو عبر شركة خاصة تملك شاحنات نقل يقودها سائقون مدنيين أو من متقاعدي الجيش.
بعد العملية، أعلن جيش الاحتلال عن وقف إدخال شاحنات المساعدات حتى انتهاء التحقيقات، في حين اتهم نتنياهو الأردن بالمسؤولية عن العملية: «أطالب أن يمرّ السائقون من الآن فصاعدًا عبر أجهزة قياس مغناطيسية، وإخضاع الشاحنات لتفتيش دقيق. كانت مسؤولية منع الهجوم تقع على عاتق الأردن ولم يفعل ذلك، نحن سنفعل».
يختم أحد أصدقاء عبد المطلب حديثه عن صديقه ونظرته للحياة: «هاي الدنيا مش بعينه».
20 أيلول 2025