عمال فلسطين الى اين؟
الباحث محمد محفوظ جابر
تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الاسرائيلي خلقت تشوهات في الاقتصاد الفلسطيني، وأدت هذه التشوهات إلى انتقال القوى العاملة الفلسطينية إلى العمل في السوق الإسرائيلية. فقد ارتفع عدد العاملين الفلسطينيين من 73 ألف عامل نهاية 2010 إلى 193 ألف عامل في نهاية 2022، واذا علمنا أن كل عامل فلسطيني يحل مكان جندي إسرائيلي في العمل، وان هؤلاء الجنود يشاركون في الحروب العدوانية على الشعوب العربية وكذلك الحرب على غزة الآن، والعمليات العسكرية الإرهابية الصهيونية على أهداف في مدن ومخيمات الضفة الفلسطينية، وأن العامل الفلسطيني يساعد على تنمية الاقتصاد الاسرائيلي بينما لا ينمو الاقتصاد الفلسطيني بسبب تبعيته الاقتصادية، ندرك بذلك خطر انتقال العمال من الضفة الفلسطينية وغزة الى العمل في مجالات الانتاج الاسرائيلية.
ومن تلك المخاطر ايضا:
انتقال المزارعين الفلسطينيين الى العمل في “اسرائيل” يؤدي الى اهمال الاراضي الفلسطينية الزراعية، مما يسهل على العدو الاستيلاء على تلك الاراضي وتشييد المستوطنات الزراعية عليها. وهذا ما يحدث الآن في اراضي الضفة الفلسطينية مسبوقا بتهجير ما تبقى من سكان في المنطقة (ج) الواسعة.
إن العمل في الكيان الصهيوني متقلب ويخضع لظروف الوضع الأمني للكيان وهو مضطرب لا استقرار فيه، اذ عندما تزداد اعمال المقاومة يقل عدد العاملين في الكيان والعكس بالعكس، فالعاملون الفلسطينيون لا يملكون الاستقرار الاقتصادي ولا حتى الأمان، إذ يتعرضون للإهانة والاعتقال كمشبوهين بأن لهم دور في ما يحدث من عمليات فدائية حتى في يوم 7أكتوبر 2023 تم اعتقال كل من تواجد من عمال غزة في الداخل الفلسطيني والتحقيق معهم حول دورهم وعلاقتهم وهل زودوا المقاومة بالمعلومات؟
وألغت سلطات الاحتلال مرة واحدة، ومن دون سابق إنذار، كل تصاريح العمال الغزيين، محولة وجودهم داخلها إلى وجود غير شرعي، فأضحوا عرضة للاعتداء والعقاب والتهديد.
منذ بداية الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر تشرين الأول من 2023 ، أعلنت “اسرائيل” الحرب رسمياً على قطاع غزة، وهي المرة الأولى ، مع أن العقدين الماضيين كانا قد شهدا أكثر من عدوان إسرائيلي على قطاع غزة، فإن هذه الحرب المندلعة تختلف عن التجارب السابقة من حيث الأهداف الاسرائيلية المعلنة، التي إن تحققت، ستؤدي إلى تغيّرات بنيوية عميقة على الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في الأراضي المحتلة العام 1967.
النتيجة المباشرة للعدوان والمتمثلة في تدمير قطاع غزة وكافة منشآته وبناه التحتية الذي كان يساهم بحوالي %18 من الناتج المحلي الإجمالي، فتحول معظم العاملين في قطاعاته الاقتصادية إلى البطالة، ونتج عن العدوان كذلك نتائج متعددة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية. منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تم فرض إغلاق شامل على الضفة الغربية، وإلغاء كافة تصاريح العمل في الاقتصاد الإسرائيلي، ما أدّى إلى تحول عشرات آلاف العمال إلى البطالة في الضفة الغربية، كانت مساهمات تحويلاتهم الخارجية تعادل ما يقارب 17 % من الدخل القومي الإجمالي.
اعلن مؤخرا انه منذ 7 أكتوبر هناك 350 كيسا لأشلاء جثث لم تُشخص بعد، وهي محتجزة في قاعدة شورا الإسرائيلية قرب مدينة الرملة، واشتباه بأن بعض الأكياس تحوي أشلاء جثث إسرائيليين وجثامين فلسطينيين، وقسم منها نُقل من معسكر “سديه تيمان”، وإعادة فحصها متوقف بسبب خلافات بين الحاخامية الرئيسية والحاخامية العسكرية، وهذا يعني ان الجثث الفلسطينية هي لعمال فلسطينيين من غزة، ويتحتم علينا المطالبة بها.
بينما قال المستشار القانوني لنقابة العمال العرب ومقرها بمدينة الناصرة المحتلة 1948، وهبة بدرانة، في حديث لـ”عرب 48″، إن هنالك شهادات جُمعت من العمال الفلسطينيين الذين تواجدوا في “إسرائيل” أثناء هجوم السابع من تشرين الأول 2023، تؤكد بأن بعض العمال تعرضوا للتعذيب حتى الموت على الحواجز وفي السجون والمعتقلات الإسرائيلية، ومنهم من اختفت آثارهم ولم تعرف أي معلومات عنهم حتى اليوم.
ولفت إلى أنه بعد مرور عام على استجواب قدمته نقابة العمال العرب لعدد من المؤسسات الأمنية والعسكرية حول ظروف استشهاد 46 عاملا فلسطينيا من قطاع غزة بعد اختفاء آثارهم يوم الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أقرت مصلحة السجون الإسرائيلية في جواب غامض وغير واضح بأن هناك 34 عاملا استشهدوا داخل السجون والمعتقلات بظروف غامضة أو بنوبات قلبية.
ان طوفان الأقصى والحرب العدوانية التي شنتها “اسرائيل” ردا عليها، وأثرها على الاقتصاد الفلسطيني المرتهن للاقتصاد الاسرائيلي، تؤكد الحاجة الى تغيير جذري في السياسة الاقتصادية الفلسطينية ، تضع نصب اعينها حماية الاقتصاد المحلي لتستعيد قوتها العاملة لتنمية الاقتصاد الفلسطيني وحماية حقوق العمال الفلسطينيين، وانه لا امان للعامل الفلسطيني، الا بالخلاص من الارتهان للعمل في الاقتصاد الاسرائيلي. كما يجب إعادة تنظيم العمالة الفلسطينية في الاقتصاد الفلسطيني، بحيث تشمل تخفيض البطالة، ومنحهم حقوقهم المادية والانسانية.
1 ايار 2025
